الاحتكام إلى ضبط الشعر الجاهلي


السلام عليكم
كان صديق لي يحاول إقناعي بصحة النعت “نَيْء”، ولا سيما لأنه أقرب إلى كلامنا العامي. ولكن بقيت أصر على أن الصحيح هو “نِيء”، إذ لم ترد “نَيء” في المعاجم إلا مصدرًا. وإذا به ذات يوم يرسل لي هذا الرابط:
https://www.dohadictionary.org/dicti…86%D9%8A%D8%A1
حيث يرد، باختصار:
اقتباس:
نَيْء [صفة مشبهة]
النَّيْءُ من اللحمِ ونحوِه: النِّيءُ
قال يشبّه حال رجل أكل مال غيره، بالذي جرِضَ بلقمة، فلا هو بلعها، ولا ردها:
تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فِيهَا أَنِيضٌ *** أَصَلَّتْ فَهْيَ تَحْتَ الكَشْحِ دَاءُ
غَصِصْتَ بِنَيْئِها فَبَشِمْتَ عَنْهَا *** وَعِنْدَكَ لَوْ أَرَدْتَ لَهَا دَوَاءُ
والمرجع الوارد في الصفحة: “شرح شعر زهير بن أبي سلمى: ثعلب، تح: فخر الدين قباوة، مكتبة هارون الرشيد، دمشق، 2008م 72-73”.
وجدت الكتاب على الإنترنت، فنزّلته وفتحت إلى الصفحة 73 ورأيت أن التشكيل هو فعلًا “بِنَيْئِها”، إضافة إلى ما يلي، باختصار:
اقتباس:
وروى أبو عمرو هذا البيت:
بَسأتَ بِنَيْئِها، وجويت عنها *** وعندي، لو أردت، لها دواء
يقول: هذا المالُ الذي أخذتَه كمُضغة نِيئة…
ولكن وجدت في الإنترنت أيضًا هذا الكتاب: “شعر زهير بن أبي سلمى، صنعة الأعلم الشنتمري، تحقيق د. فخر الدين قباوة”. بحثت فيه عن نفس القصيدة فوجدت على الصفحة 143 أنه يقول:
اقتباس:
غصصتَ بِنِيئِها
مع هذا الشرح في الصفحة 144، باختصار:
اقتباس:
وقوله “غصصت بنِيئها” أي: هذا المال الذي أخذتَه كمضغة نِيئة، غصصت بها… فكنتَ كمن أكل مضغة نِيئة…
لذا ينشأ السؤال: هل يمكن الاتكال على التشكيل المعتمد اليوم للشعر الجاهلي، بحيث يمكن إجازة القول “لحم نَيْء” مثلما يقال “لحم نِيء”؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
حيا الله السائل الكريم، وأحيانا به!
أصل هذه المسألة التباس “نَيْء” المصدر بـ”نَيْء” الصفة المشبهة المخففة من “نَيِّئ”، مثل تخفيف “لَيْن” من “لَيِّن”، وهو صنيع صحيح فصيح شهير، يجوز أن يزداد تخفيفًا بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء التي قبلها، كما في قول كعب بن زهير المستشهد بقول أبيه في السؤال، وقولا الابن والأب كالقول الواحد:
وَمَثْنَى نَوَاجٍ ضُمَّرٍ جَدَلِيَّةٍ كَجَفْنِ الْيَمَانِي نَيُّهَا قَدْ تَحَسَرَا
ولا بأس بإيثار استعماله لجريانه على ألسنة العامة، وإن آثر بعض الأدباء ما لم تستهلكه العامة خوفًا على أسلوب الإدهاش أن يختل!
ولو كان ضبط أحق بالريبة لكان ضبط “نِيء”، الذي ذكر الخليل ضبط ” “نَيِّئ” ولم يذكره؛ فإنه إنما يتخرج على أنه اسم النَّيْء (أي اسم مصدر)، وأسماء المصادر أسماء شديدة النِّفار.
أما حيرتك في ضبط الشعر الجاهلي فحيرة طالب علم، نوصيه بالاجتهاد في تحصيل الحقيقة، لا الإعراض عنها ارتيابًا في وجودها!
والله أعلى وأعلم،
والسلام!

(18) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment