البطاقة العروضية

من علامات تحقق الباحث بالبحث عدم انخداعه بظواهر الأشياء عن بواطنها، ومن علامات توفيقه في تحققه هذا أن يقف على أجزائها فأجزاء أجزائها فأجزاء أجزاء أجزائها وهلم جرا؛ حتى إن كثيرا من الاكتشافات المكرمة بأرفع الجوائز لم يكن غير ذلك. وفي هذا المقام ينبغي أن نذكر أبا عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي عبقري اللغة العربية الذي لم نرَ عبقريا فَرَى فَرِيَّه!

لقد دلنا تراث علم الخليل بالشعر على أنه استبطن شعر العالم كله حتى وقف على شعر العرب بعد شعر العجم، وشعر العرب كله حتى وقف على شعر الشاعر بعد الشاعر، وشعر الشاعر كله حتى وقف على القصيدة بعد القصيدة، والقصيدة كلها حتى وقف على البيت بعد البيت، والبيت كله حتى وقف على الشطر بعد الشطر، والشطر كله حتى وقف على التفعيلة بعد التفعيلة، والتفعيلة كلها حتى وقف على الوتد والسبب، والوتد والسبب كليهما حتى وقف على المتحرك والساكن. ولولا ذلك الذي اشتمل في وعيه على نتاجه مع نتاج من قبله، ما استطعنا الآن أن نطمئن إلى علمنا بالشعر!

ولو أدرك الخليل زماننا لاستبطن المتحرك والساكن كليهما حتى وقف على الذَّبْذَبات، والذَّبْذَبَات كلها حتى وقف على النَّأْمَات…ØŒ ثم قرن بأوائل فصول كلامه في نمط من الوزن والقافية، صورتَهما في أحد أجهزة التسجيل أو القياس الصوتي، مثلما فعلت في الصورة الملحقة بتفعيلات بيت من بحر الطويل؛ فكانت جديرة أن ندعي لها على الحقيقة ما سميتُه من قبل: “البطاقة العروضية“!

 

Related posts

2 Thoughts to “البطاقة العروضية”

  1. حواري كتلميذ مع أستاذي د. محمد جمال صقر
    نقلا عن الرابط:
    [url]http://omferas.com/vb/showthread.php?t=63716&p=241803#post241803[/url]

    [QUOTE]لقد دلنا تراث علم الخليل بالشعر على أنه استبطن شعر العالم كله حتى وقف على شعر العرب بعد شعر العجم،[/QUOTE]

    أستاذي الفاضل أ. د. محمد جمال صقر
    من أجمل وأعمق أبواب العروض الرقمي باب ( الموضوعي والذاتي )
    هذا القول هو أم موضوعي ؟ فإن كان موضوعيا فما الدليل عليه؟ أي على استباطنه أو وقوفه أو اطلاعه على شعر من قبله من العالم كله ؟
    وربما يكون في كل من هذه الكلمات دلالة خاصة فاتتني.

    قد يكون ذا صلة بما تفضلت به من وجه آخر ما ذكره د. أحمد رجائي :
    [url]https://sites.google.com/site/alarood/r3/Home/alhaan[/url]

    “ونستنتج من كل ما سبق قوله، أن الإيقاع الموسيقي العربي بالأشكال التي استقر عليها اليوم هو عددي ونبري وكمي في آن واحد وهو قد يكون موصّلا أو مفصلا أو مختلطا يضم النوعين معا، فموقعه يغطي كل أنواع العروض في كل أنحاء العالم عبر التاريخ الإنساني كله، بل ويزيد عليه بما تضيفه مقومات الموسيقى إلى مقومات الشعر [بل لعل الأدق أن يقال إن هذه اللغة وعروضها مكتملان ولا يعدو سواهما أن يكون على درجة ما من سلم يرقى إليهما أو ينحدر منهما”

    [QUOTE]ولو أدرك الخليل زماننا لاستبطن المتحرك والساكن كليهما حتى وقف على الذَّبْذَبات، والذَّبْذَبَات كلها حتى وقف على النَّأْمَات[/QUOTE]

    ربما لو أدرك الخليل زماننا لأدرك ما تفضلت وأكثر. هذا شيء والاستنتاج أن هذا الإدراك يزيد في علم الخليل أو ينقص في مجال العروض شيء آخر. فقياسات دقة إطلاق الصواريخ لا تؤثر في قريب أو بعيد على تنسيق الحدائق.
    إن ما تقدم به الخليل من منهجية عروضية هي القدر اللازم بالضبط لا أقل ولا أكثر لعلم العروض. أما ما هو أدق من ذلك فيلزم في علوم أخرى. وكم شط قوم في خلط الأمرين. وأذكر هنا الدكتورين الفاضلين محمد توفيق أبو علي ومحمد مندور.
    https://sites.google.com/site/alarood/r3/Home/thaghrah
    والله يرعاك.
    خشان خشان

    1. ☘حيا الله أخي الكبير الكريم وأحيانا به☘
      أما استبطانه شعر العالم فتحرير تمييزه شعر العرب من دون أن يخالطه شعر العجم ولاسيما في البصرة التي احتشدت فيها الثقافات حتى إن سيبويه زائر الخليل الذي لم يمله قط كان قد بقي شطرا من حياته لا يتكلم إلا الفارسية؛ فكيف بغيره! وأما أن تحصيل الذبذبات في الحروف والنأمات في الذبذبات إنما هو تقدير ما لا أثر له في عمل الخليل، فافتئات على مثل الخليل أن يستطيع زيادة تدقيق علمه!
      تحياتي العطرات

Leave a Comment