أترجة دار العلوم


في 22/10/1431هـ=1/10/2010م

ما ماتَ مَنْ جَعَلَ الزَّمانَ لِسانُه يَتْلو مَناقِبَ عُوَّدًا وَبَوادي
فَاذْهَبْ كَما ذَهَبَ الرَّبيعُ وَإِثرُه باقٍ بِكُلِّ خَمــايِلٍ وَنِجاد
الشَّريفُ الرَّضيُّ

” إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ ” !
مات أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين ؛ فـ” مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ كَيْفَ ذَهابُ الْعِلْمِ فَهكَذا ذَهابُه ” ، أو كما قال ابن عباس ترجمان القرآن ، حين مات زيد بن ثابت – رضي الله عنهم ! – كاتب الوحي وجامع القرآن وعالم الأنصار ؛ فصَدَّقَ قَوْلَ رسول الله – صلى الله عليه ، وسلم ! – : ” إِنَّ اللّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُه مِنَ الْعِبادِ ، وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَماءِ ، حَتّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ النّاسُ رُؤوسًا جُهّالًا ، فَسُئِلوا ؛ فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلّوا ، وَأَضَلّوا ” !

لقد درستُ عليه أربع سنوات ، منذ سنة 3/1404هـ=3/1984م ، الجامعية ، دراسة نظامية بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة : أولى دار العلوم ، وفيها كان كتابه ” علم اللغة العام ” ، وثانيةَ دار العلوم وفيها كانت ترجمته لـ” علم الأصوات ” ، كتاب برتيل مالمبرج ، ورابعةَ دار العلوم وفيها كان كتابه ” دراسات لغوية ” ، وتمهيديةَ قسم علم اللغة وفيها كان كتابه ” المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي ” . ثم جلستُ إليه مجالس مختلفة ، واطلعتُ على كثير من أعماله اطِّلاعًا حُرًّا ، ولكن لم يقم لمعرفتي به شيء مثلما قامت تلك السنوات الأربع !

لقد كان من علماء القرآن دِرايَةً وتِلاوَةً ، وما مَثَلُه في الناس إلا مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ ، أو طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ ، على رِوايَتَيْ تَمْثيلِ رسول الله – صلى الله عليه ، وسلم ! – مَثَلَ المؤمن الذي يقرأ القرآن ؛ تَجْذِبُك إليه أحيانا تِلاوَتُه ثم دِرايَتُه : ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ – وتَجْذِبُك إليه أحيانا دِرايَتُه ثم تِلاوَتُه : طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ !

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
لقد تأملتُه قريبا وبعيدا ، حتى اجتمعت لي نُقَطُ ملامحه ، وظهرت صورته ؛ فأحسنت رؤيته ، على حين تَلَقَّفَ ناسٌ النقطة من تلك النقط وحدها ، فلم يَرَوْهُ – وأحببتُه : ” … وَلَوْلَا الْحُبُّ لَمْ أَتَكَلَّمِ ” ! وربما قيل لي : ” … وَلَوْلَا الْحُبُّ لَتَكَلَّمْتَ ” ! وهذا وهم فاسد مفسد ؛ فإن الحب الخالص ، كفيل بأن يفتح العقل لفهم حقيقة المحبوب ؛ ولذلك كان حب رسول الله – صلى الله عليه ، وسلم ! – شرط كمال الإيمان ؛ فهو من حُبِّ مُرْسِلِه – سبحانه ، وتعالى ! – ومِنْ طريق حُبِّه حُبُّ آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، فأما حديث ” حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمي وَيُصِمُّ ” ، ففيه ضعف ! ورحم الله عباس محمود العقاد الكاتب الأديب الفذ ! لقد أعرض عن الكتابة عن بعض من تَوَقَّعَ الناس منه الكتابة عنهم في سلسلة عَبْقريّاته ، فلما قيل له في ذلك ، قال : إنما أكتب عَمَّنْ تَرْفَعُه كتابتي ! والحق أنه إنما كان يكتب عمن أحبه حبا خالصا ، أَطْلَعَه على مفتاح شخصيته الذي كان مولعا بالبحث عنه . وليس فرضا عليه أن يحب كل عبقري ؛ فللمحبة كُنْهُها الذي يصعب وَصْفُه، والكلام هنا إنما هو عن أثر المحبة ، لا عن كنهها !

كان أستاذنا رجلا طويل القامة صحيح البنية أنيقا وسيما ميسور الحال مبسوط اليد صافي القلب مصريا عربيا مسلما عبقريا غيورا طموحا ، يحار الناس فيه ، ولا سيما أصحاب النُّقْطة السابق ذِكْرهم ، تُحَيِّرُهم مناقبه ، لا مثالبه ؛ فلقد نَشَأَ وشَبَّ واكْتَهَلَ وشَيَّخَ راضيا عن حاله ، ساخطا على حال أمته ، وامتحنه الله – سبحانه ، وتعالى ! – بالسجن قريبا من منتهى طلبه الجامعي ومبتدأ انطلاقه المعيشي ؛ فكأنما أَطارَ بالسجن طائِرًا كان في صَدْره؛ ففَزِعَ كُلَّ مَفْزَعٍ ، واشتغل بأعمال كثيرة ، ينوء بها العصبة أولو القوة ، من غير أن ينخلع في أي منها ، عن رضاه ذاك ولا عن سخطه ؛ فكان في أكثرها كأنما يُثيرُ الناس إليها ، ويغريهم بها ، ليُحَقِّقوا منها ما لم يَتَحَقَّقْ ، ويُدَقِّقوا ما لم يَتَدَقَّقْ ، غيرَ ضائِقٍ بهذه المنزلة !

ها هو ذا يتحدث في تقديمه كتاب ” الإسلام يتحدى ” لوحيد الدين خان ، عما أريد له أن يكونه فأباه أشد الإباء ورصد حياته للثورة عليه ، قائلا : ” جاء جيلنا ليتوهم ، أو ليراد له أن يتوهم أنه مجرد وارث لأجيال سابقة ، عليه أن يستغل تركتها في خلق ملذاته ، فإذا ما جوبِهَ بتحديات عصره لجأ إلى المباهاة بتراثه ، المباهاة وحدها ، المتمثلة في أكثر الكتابات المنشورة ، التي لا تمل أن تحكي وتحكي ، حكايات في حكايات ، وتقف أحيانا مستعلية من فوق منبر ، لتمطر على الحضور وعظا في وعظ ، دون أن تبلغ في ظن الجماهير أن تهز وجدانا ، أو حتى تحرك قشة . إن أخص صفات عصرنا هي أنه ينتج من الأفكار بقدر ما ينتج من الأشياء ، وليس من الضروري أن نتطلب من الأفكار المنتجة أن تكون نافعة دائما كالأشياء ؛ فإن المجتمعات التي تصدر إلينا أشياء الحضارة ترى في الأفكار سلعة ينبغي أن تتغير كل يوم ، كما تتغير طرز الأشياء ؛ ولذلك يقف مثقفونا مبهورين أمام موجات الفكر الواردة من الخارج : ماذا يأخذون ، وماذا يدعون ؟ بل قل : ماذا يقرؤون ، وماذا يترجمون ؟ ولا شيء أكثر من هذا ! يكفيهم أن يستطيعوا ملاحقة الأفكار دون أن يكون عليهم أن يواجهوها ، أو ينقدوها ؛ فهم إلى أن يصوغوا نقدا معينا لأحد الاتجاهات الجديدة نسبيا يكون الوقت قد فات ، وتَقادَمَ بمرور الزمن ما ينتقدون ، وغطت عليه أفكار أخرى أشد لمعانا وأكثر جاذبية وإشعاعا . ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار ، نظرا إلى موقعه وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة أو بعبارة أخرى مراكز الإنتاج . والهدف من وراء التصدير واحد لدى كل هذه المراكز ، أن يبقى هذا العالم مفتقرا إليها على اختلافها ، وأن يحال بينه وبين أفكاره الأصيلة ، التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد ، وتحقق له الاكتفاء الذاتي ” .

تلك كلمةٌ له في تقديم عملٍ لغيره ، ولكنها أوجز ما يعبر عن رسالة الثقة والطموح والسخط والجرأة ، التي وَطَّنَ عليها نفسه ورصد لها أعماله . والأمثلة كثيرة :
منها عمله بكتابه ” القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ” ، الذي قال في مقدمته : ” هذا كله ( أعمال اللغويين الحداثيين المعاصرين ) وغيره على كثرته وغناه ، لم يحاول أن يقترب من دراسة ظواهر اللغة العربية الفصحى دراسة نقدية ، تصفي آراء القدماء ، وتقومها ، وتضع حلولا جديدة للمشكلات التي بقيت دون حل ، أو التي نالت حلا خاطئا قام على تصور قديم خاطئ ” ؛ فأغرى الدكتورَ الطيب البكوش بإنجاز مأموله ، وإن لم يبرأ من النعي عليه قائلا : ” إن ما نجده في بعض عناوين هذه الكتب من إشارة إلى ذلك ( الدرس في ضوء العلوم اللسانية الحديثة ) لا يخلو من ادعاء ؛ فنحن لا نجد فيها من الألسنية الحديثة إلا بعض المصطلحات والمفاهيم الثانوية ، أما المبادئ الأساسية كالنظام ووظائف وحداته وعلاقة بعضها بالبعض ، فإننا لا نجد فيها أثرا لذلك ، وهو ما يستوجب إعادة النظر فيها بصفة أعمق وأحدث ، مع إثرائها وإنارتها بنتائج البحوث في اللهجات العربية العصرية على اختلافها ” .

ومنها عمله بكتابه ” المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي ” ، الذي قال في مقدمته : ” إن المهم دائما هو الوصول إلى الحقيقة ، ولكن وسيلة الوصول تختلف من عصر إلى عصر . ولقد كانت للأقدمين وسائلهم المناسبة لبلوغ ما طلبوا من الحقيقة ، ثم مضوا إلى مستقرهم تاركين بصماتهم على ما خلفوا من آثار ودراسات ، فيها وصف لما عرفوا من الحقيقة من وجهة نظرهم , وجاء بعد ذلك دورنا في محاولة الوصول إلى الحقيقة ، بوسائلنا لا بوسائلهم ، ومن وجهة نظرنا ، لا من وجهة نظرهم ، ولكن عوامل التقليد تقف دائما دون هذه المحاولة في ميدان الدراسات العربية ، ولا سيما النحو والصرف . والتقليد هنا يشبه ما يسمى بسياسة فرض الأمر الواقع ، على أنه حقيقة يستحيل تغييرها ، وليس في معارف البشرية ما يمكن أن يكون قد بلغ الكمال ، حتى يستحيل تغييره ، ما دام مصدره هو العقل الإنساني ؛ فهذا العقل يؤكد في كل لحظة نقصه ، بسعيه الدائب نحو كشف المجهول ” ؛ فأغرى أستاذَنا الدكتور سعد مصلوح بتأمل عمله ، مُتَحَفِّظًا منه بمثل قوله : ” أشهد أن هذا المنهج أثار حفيظتي بالفعل ، وليس حسنا أن تذهب هذه الدعوة الكريمة بَدَدًا دونما جواب ؛ ومن ثم عمدت إلى بعض ما عن لي من ملاحظات، لأجعله تحت بصر مؤلف الكتاب وقرائه ؛ لعله ولعلهم واجدون فيها ما يقع في دائرة النقد البناء الذي يقوم المعوج ويسد الخلل ” .

ومنها عمله بكتابه ” أبي آدم : قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة ” ، الذي قال في أثنائه: ” لا يطلق ( لفظ إنسان ) بمفهوم القرآن إلا على ذلك المخلوق المكلف بالتوحيد والعبادة لا غير ، وهو الذي يبدأ بوجود آدم – عليه السلام – وآدم على هذا هو [ أبو الإنسان ] وليس [ أبو البشر ] ، ولا علاقة بين آدم والبشر الذين بادوا قبله تمهيدا لظهور ذلك النسل الآدمي الجديد ، اللهم إلا تلك العلاقة العامة أو التذكارية ، باعتباره من نسلهم”؛ فأغرى أستاذَنا الدكتور محمد بلتاجي حسن بتأمل عمله ، مُتَحَفِّظًا منه بمثل قوله : ” قد حاكمنا كتاب الدكتور عبد الصبور إلى المعيار الذي قَبِلَه ( مراعاة قداسة النصوص المنزلة وعدم مخالفة معلوم من الدين بالضرورة …) ؛ فتهاوت مقولاته واحدة بعد الأخرى (…) فهل يعيد الدكتور عبد الصبور النظر في مقولات كتابه على ضوء ما فصلناه ؟ نرجو ونام”.

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !

قال لي مرةً بعضُ تلامذتي : ألا تمر محاضرة من غير أن تذكر الأستاذ محمود محمد شاكر ! إن كثرة ترديد اللسان علامة تعلق القلب ، ولقد تعلق أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين بالدكتور إبراهيم أنيس ؛ فلم يكن يترك ذكره لنا ، ولا يمله ، تعبيرا عن أفضاله ، وتنبيها على أعماله . لقد حظي بالجلوس إليه كما حظي غيره -وإن استفاد ما لم يستفيدوا- ثم حظي بإشرافه عليه في عمله برسالتيه للماجستير والدكتوراه جميعا ، فكانت بينهما علاقة وثيقة طويلة ، أَثَّرَتْ تأثيرا كبيرا في بناء تفكيره العلمي اللغوي وممارسته العملية التعليمية ، حتى قال فيه من آخر مقدمة كتابه ” أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي”، الذي كان رسالته للماجستير : ” أسجل هنا عرفاني لأستاذي المغفور له الدكتور إبراهيم أنيس ، على ما أمدني به من مراجع وتوجيهات كان لها أبعد الأثر في إنجاز مهمتي ؛ فكثيرا ما دلني على وجهة الحق كما جنبني مزالق كثيرة ، رحمه الله وجزاه عن العلم والمتعلمين جزاء العلماء ! ولئن كان هذا البحث قد أُنْجِزَ في حياته ، فقد كتب الله ألا ينشر إلا بعد وفاته ، راجيا أن يكون ذلك رضا له في بَرْزَخِه ” . وقال من آخر مقدمة كتابه ” تاريخ القرآن ” ، الذي كان الجزء الأول من رسالته للدكتوراه : ” لست أريد أن أضع القلم قبل أن أسجل هنا عرفاني العميق لأستاذي الدكتور إبراهيم أنيس الذي عاش معي هذه المحاولة ، دفعني إليها ، وسدد خطاي في طريقها ” . وقال في أثناء مقدمته لكتابه ” القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ” ، الذي كان الجزء الأخير من رسالته للدكتوراه : ” قد انتقلت موجة البحث اللغوي هذه إلى الشرق على يد جماعة من الرواد ، الذين تلقوا مناهجه في أوربا ، ثم جاؤوا إلى الوطن ، ليقدموا إلينا ما تلقوه عن أساتذتهم في صور مختلفة . وكان في مقدمة هؤلاء أستاذنا الدكتور إبراهيم أنيس الذي يعد بحق أول من حاول تطبيق مناهج علم اللغة الحديث في الوطن العربي على تاريخ العربية الفصحى ، وخرج لنا بجملة من الملاحظات النظرية ، تدعمها الشواهد اللغوية ، وبخاصة في كتابه ” في اللهجات العربية ” ، كما درس عدة ظواهر لغوية هامة في كتابه ” من أسرار اللغة “، وخصص كتابا ثالثا لدراسة الأصوات اللغوية ، وكتابا رابعا لدراسة دلالة الألفاظ ” . وفي إهداء كتابه ” المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي ” ، الصادر بعقب وفاة الدكتور إبراهيم أنيس في 1977م ، يقول : ” أستاذي الدكتور إبراهيم أنيس ، إلى روحك في الرفيق الأعلى ، تحقيقا لأمل طالما تمنيته ، ووفاء ممن علمته ورعيته ، وعليك سلام الله ورحمته وبركاته ” .

وكذلك تعلق بالأستاذ محمود محمد شاكر الكاتب الأديب الفذ ، وطاب لديه ذِكْرُه ، حتى دعانا في بعض محاضراته إلى الاستشهاد بلغته فيما نستشهد لِلُّغة العالية . وحكى لنا أنه كان يتردد على مجلسه في أثناء ترجمته لكتب مالك بن نبي صديقه العالم الجزائري الفذ ، فلا يجد لنفسه مكانا بين جبال الحاضرين الشامخة ، ثم اتصلت بينهما الأسباب ، حتى قال في مقدمة ترجمته لكتاب ” الظاهرة القرآنية ” لمالك بن بني : ” كان من فضل الله أن تولى أستاذنا الكبير محمود محمد شاكر ، تقديم كتاب الظاهرة القرآنية إلى القراء ، هذا التقديم الثمين ، الذي يعد بحق من أروع ما كتب في مسألة اتصال بيان العرب في الجاهلية بقضية إعجاز القرآن . وإني لأرجو الله مخلصا ، أن يتولى عنا جزاء أستاذنا ، بقدر ما بذل من جهده وما ضحى من وقته ، على عظيم تبعاته وخطر مسؤولياته ” . ولم يؤثر في تقديره هذا الكبير لبيان الأستاذ محمود محمد شاكر عن مسألة ” اتصال بيان العرب في الجاهلية بقضية إعجاز القرآن ” ، ميله الواضح في البيان عن إعجاز القرآن ، إلى الأستاذ سيد قطب خصيم الأستاذ محمود محمد شاكر ، عن الأستاذ مصطفى صادق الرافعي حميم الأستاذ محمود محمد شاكر ، حتى قامت لديه بعض عبارات ” في ظلال القرآن ” للأستاذ سيد قطب ، بـ” إعجاز القرآن ” للأستاذ الرافعي ؛ فلم تكن كتابة الأستاذ الرافعي الغامضة على جمهور القراء ، لتعدل لديه كتابة الأستاذ سيد قطب الواضحة لجمهور القراء ، على رغم اعترافه بغلبة كتابة الأستاذ الرافعي عليه ، في مرحلة من حياته !

لقد أنتج له رضاه عن نفسه ، ثِقَةً واضحةً فيها ، وأنتج له سَخَطُه على حال أمته ، جُرْأَةً واضحةً عليها ، ثم تَأَيَّدَتْ تلك الثقةُ بتلمذته للأستاذ محمود محمد شاكر الذي رصد حياته لتَوْثيق تلامذته بما بين أيديهم ، وتَأَيَّدَتْ هذه الجرأةُ بتلمذته للدكتور إبراهيم أنيس الذي رصد حياته لتَجْريء تلامذته على ما بين أيديهم ؛ فامتزج في شرابه المزاجان ، والتأم في كسائه اللِّفْقانِ !

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
ما أحسن ما أحاط حياته العلمية بحياطة القرآن الكريم ؛ فحصل في سنة 1962م على الماجستير برسالة في ” الأصوات في قراءة أبي عمرو بن العلاء ” ، نشرها فيما بعد بعنوان ” أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي ” ، وحصل في سنة 1965م على الدكتوراه برسالة في ” دراسة صوتية في القراءات الشاذة ” ، نشرها فيما بعد على كتابين بعنواني ” تاريخ القرآن ” و” القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ” … حتى أتاه في سنة 2010م اليقين وهو منقطع لتفسير القرآن الكريم !
وفيما بين هذين الحدين كانت له أبحاث مختلفة مؤتلفة مقالات وكتب ، منها : المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي . في علم اللغة العام . في التطور اللغوي . العربية لغة العلوم والتقنية . دراسات لغوية . عربية القرآن . المنهج اللغوي في كتاب سيبويه . دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس باستخدام الكُمْتور . الألفاظ الأجنبية في اللهجة الكويتية . نظرة في اللهجات والقراءات في السودان . المستقبل الحضاري للغة العربية . القومية ضرورة عربية . الإنسان المسلم . أبي آدم : قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة . السنة والشيعة أمة واحدة . بل كانت له تحقيقات تراثية وتقريبات؛ منها تحقيق لطائف الإشارات لفنون القراءات للقسطلاني ، وتقريب إحياء علوم الدين للغزالي والرسالة للشافعي .

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
كيف حملته نفسه على تعلم الفرنسية حتى انضم وحده إلى معهد تعليمها ، وكيف بالغ في طلبها فوق ما طلبها زملاؤه المنقطعون لها ، وكيف صبر على ذلك واستسهل المصاعب ! ما أَطْرَبَه حين حدثنا أنه خرج مرة إلى ذلك المعهد ، فإذا السماءُ مَطَرٌ والأرضُ طينٌ ؛ فلم يبال بالمضي في سبيله بنعليه القديمتين النافرتين ، حتى أَثْقَلَتْ قَذائفُهما الطينيَّةُ جِلْبابَه ، وكادت تقلبه رأسا لعقب ! ثم كيف أتقن الفرنسية فوق ما يطمح الطامحون ، حتى حكى لنا أستاذنا الدكتور رجاء عبد المنعم جبر أنهما زارا فرنسا معا – ربما كانت المرة الأولى – فأقبل أستاذنا يكلم الفرنسيين بما استغربوا ؛ حتى قال له أستاذنا الدكتور رجاء : تكلم العامة بالفرنسية الفصحى ، وتنتظر أن يفهموك ، أو كما قال !

ولقد كانت عينه كلما قرأ بالفرنسية ، على ما يفيد أمته العربية الإسلامية ، في تحريك واقعها ، واستشراف مستقبلها ؛ فهو يترجم أعمالا لغربيين عن الثقافة العربية الإسلامية ، يريد بها أن نَرى أنفسنا في عيون الآخرين – كما في ترجمته لروجيه جارودي ( فلسطين أرض الرسالات الإلهية ) ، وهنري فليش ( التفكير الصوتي عند العرب ، العربية الفصحى ) – ويترجم أعمالا لمسلمين عرب وغير عرب ، عن الثقافة العربية الإسلامية ، يريد بها أن نَرى كيف نُري الآخرين أنفسنا – كما في ترجمته لعبد الله دراز ( دستور الأخلاق في القرآن الكريم ) ومالك بن بني ( الظاهرة القرآنية ، شروط النهضة ، وجهة العالم الإسلامي ، الفكرة الأفريقية الآسيوية ، مشكلة الثقافة ) ، وكما في مراجعته وتقديمه لترجمة ظفر الإسلام خان لكتابه أبيه وحيد الدين خان ( الإسلام يتحدى ) ، وما أَطْرَبَه حين لاحظ تلاقي عمل وحيد الدين خان وعمل مالك بن نبي ( الظاهرة القرآنية ) ، على منهج واحد ؛ فقال : ” ذلك أن خطوات هذا المنهج بنفس الترتيب تكاد تكون طبق الأصل من كتاب أخرجته من قبل مترجما عن الفرنسية ، هو كتاب ” الظاهرة القرآنية ” (…) وهي ملاحظة غريبة في المنهج لا تنصرف إلى مادة الكتابين (…) وتفسير هذا التوافق ينحصر في توارد الأفكار على مشكلة واحدة ” ، وهي بهجة من اطمأن قلبه إلى وحدة منطلقه وغايته . ويترجم أعمالا لغربيين في الثقافة الغربية ، يريد بها أن نَرى نحن الآخرين أنفسهم – كما في ترجمته لبرتيل مالمبرج ( علم الأصوات ) – ولا يخلي أيا من ترجماته تلك ، من مقدمات وتعليقات ، يضبط فيها أمرها ، بحيث يستقيم استيعابها ، وتكتمل منفعتها .

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
لقد ألقى بين عينيه حَديثَيْ رسول الله – صلى لله عليه ، وسلم ! – ” خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَه ” ، و” مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَه أَلْجَمَهُ اللّهُ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ ” ، ثم أقبل يعلم تلامذته ، بحرا زَخّارًا فَيّاضًا سَمْحًا جَوادًا مَكينًا وَدودًا . وأنعم عليه الكريم – سبحانه ، وتعالى ! – بما ينعم به على أساتذة الجامعة ، من نعمة سابغة لا يعرف قدرها كثير منهم ، هي طلاب الماجستير والدكتوراه ، الذين يستطيعون أن يؤسسوا لأستاذهم أساس مدرسة يمضون به فيها إلى آماد لا يصل إليها وحده ؛ فعرف نعمته – سبحانه ، وتعالى ! – وشكرها ؛ فقسم في جسوم تلامذته جسمه ، ووزع في عقولهم هَمَّه !

لقد وجه رسائل بعضهم إلى القرآن الكريم ، مثل : الرسم المصحفي : دراسة لغوية تاريخية، لغانم قدوري الحمد . اختلاف المصاحف : دراسة لغوية تاريخية ، لعبد اللطيف السعيد يوسف الخميس . قراءة المدينة في القرن الأول الهجري : دراسة صوتية تاريخية ، لأحمد مصطفى أحمد أبو الخير . دراسة لغوية إحصائية لأنماط الجملة البسيطة في القرآن الكريم، لمحمد رضا كاظم الطريحي .

ووجه رسائل بعضهم إلى ما بين القرآن الكريم والتوراة ، مثل : أبنية المصادر في اللغتين العربية والعبرية واستعمالاتها في القرآن الكريم والتوراة ، لصلاح الدين صالح حسنين . دراسة مقارنة لأساليب الاستفهام في العربية والعبرية في ضوء ما ورد في القرآن والتوراة، لعبد الله علي مصطفى . داود وسليمان في العهد القديم وفي القرآن الكريم : دراسة لغوية تاريخية مقارنة ، لأحمد عيسى الأحمد .

ووجه رسائل بعضهم إلى مادة اللغة العربية غير القرآن الكريم ، مثل : اللغة العربية بين المذكر والمؤنث ، لإبراهيم عبد المجيد ضوة . لغة أبي العلاء في رسالة الغفران ، لفاطمة الحبابي . خواص لغة الطب عند الرازي كما تبدو في كتاب الحاوي ، لمحمد يوسف حبلص . الألفاظ العلمية عند جابر بن حيان الكوفي : دراسة لغوية ومعجم ، لفائق خلف سلمان . دراسة لغوية لصور التماسك في لغتي الجاحظ والزيات ، ثم دراسة صوتية للأخطاء النطقية وأسبابها لدى طلبة دار العلوم واختيار التدريبات العملية المناسبة للعلاج، وكلتاهما لمصطفى صلاح قطب . الربط بين التراكيب في اللغة العربية المعاصرة ، لمحمد حسن عبد العزيز . الألفاظ الدالة على الكلام في اللغة العربية المعاصرة : دراسة دلالية تأصيلية ، ثم أفعال الحركة في العربية المعاصرة : دراسة دلالية تركيبية ، وكلتاهما لمحمد إمام داود .
ووجه رسائل بعضهم إلى تاريخ اللغة العربية ، مثل : العربية في العصر المملوكي : دراسة لغوية ، لهويدي شعبان هويدي . اللغة العربية في عصر الحروب الصليبية كما تمثلها كتب التاريخ : دراسة لغوية تاريخية ، للبدراوي زهران .

ووجه رسائل بعضهم إلى ما بين اللغة العربية واللغة العبرية ، مثل : الإسرائيليات في تفسير الطبري : دراسة في اللغة والمصادر العبرية ، لآمال محمد ربيع . الشعر الديني العبري كما تمثله مزامير العهد القديم وعلاقته بالأدب العربي : دراسة لغوية مقارنة ، لأحمد عيسى الأحمد . أبنية الجموع في اللغة العربية : دراسة مقارنة باللغات السامية ، لأحمد شوقي النجار .

ووجه رسائل بعضهم إلى علماء اللغة العربية ، مثل : ابن حزم لغويا ، ليعقوب يوسف الفلاحي . ابن الطيب الفاسي وأثره في المعجم العربي مع تحقيق كتابه شرح كفاية المتحفظ، لعلي حسين البواب . كتاب مختصر القاموس المحيط لعلي بن أحمد الهيتي : تحقيق ودراسة ، لأحمد مفرح السيد . التفكير اللغوي عند العرب قبل سيبويه ، ثم النقد المعاصر للنحو العربي : دراسة لغوية ، وكلتاهما لفتحي محمد جمعة . الفكر اللغوي بين سيبويه وابن جني : دراسة تأصيلية نقدية ، لأشرف مصطفى رضوان . الدرس الصوتي عند موفق الدين بن يعيش في ضوء علم اللغة الحديث ، لمنى إبراهيم صادق . جهود البلاغيين العرب في مجال الأصوات والدلالة في ضوء علم اللغة الحديث ، لإبراهيم الدسوقي عبد العزيز. وحدة التحليل الصرفي بين القدماء والمحدثين ، لمحمد أحمد حماد . اتجاهات التحليل الفونولوجي في المدارس اللغوية المعاصرة مع محاولة تطبيقية على اللغة العربية ، لأحمد عزت البيلي .

بل وجه رسائل بعضهم إلى بعض اللهجات العربية ، مثل : الخواص التركيبية للهجة طرابلس الغرب ليبيا ، لعبد الله عبد الحميد سويد . دراسة صوتية صرفية للهجة مدينة نابلس الفلسطينية ، لمحمد جواد النوري . دراسة صوتية في لهجة قبيلة الشايقية ، لبكري حاج أمين . الأصوات والأبنية في لهجة قبيلة العبابدة بمحافظة البحر الأحمر : دراسة في ضوء المنهج الوصفي ، لخالد حسن أبو غالية .

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
أذكر أنني أرسلت إليه من مَكْمَني بغرفة عمليات لواء المشاة الميكانيكي 120 من الفرقة الثانية بالجيش الميداني الثاني ، أوائل سنة 1988م ، أُعَبِّرُ له عن شوقي إلى محاضراته التي كان يُطَوِّفُ بنا فيها على معالم خبرته ، يُعَرِّفُها لنا ، وينقلها إلينا ، قائلا : ” ترحل بنا من علم الأصوات إلى علم الطائرات … ” ، وكلاما كثيرا كهذا ، لا يعجب كثيرا من الطلاب الذين يرون خروج المحاضر عن حدود الكتاب المقرر ، تَحْريفًا للكَلِم ” مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ” ، حتى نابَذَهم التهمةَ بعضُ أساتذتنا ، فسمّاهم ” الكِتابيّينَ ” ، وتلا عليهم : ” يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ ” !

لقد كانت محاضرته جرعة ثقافية كاملة مركبة ، أفكارا وتجارب ورحلات وكتبا ورجالا ومواقف … ، لا يفضل عنصر من عناصرِ مُرَكَّبِها عنصرا ؛ فمن المعروف من طبائع الأشياء بالضرورة ، أن لعناصر المركبات وجودا في مركباتها غير وجودها على انفرادها ؛ لهذا كان لكلامه في أيٍّ من تلك العناصر ، مذاق خاص عميق جليل مهيب . لقد كانت محاضرته صورة من شخصيته هو نفسه ، وكان ملء الصورة ، ملء السمع والبصر !
حاولت مرة أن أسجل محاضرته تسجيلا صوتيا – ولم يكن تسجيل المحاضرات شائعا كاليوم مألوفا مطلوبا ، ولا حاولت أن أسجل لأحد غيره – فأبى ! ربما أرادني أن أتقن الإنصات في الوقت ، أو أن أتقن إيجاز الكتابة في أثناء الإنصات على طريقة ذوي المهارات المركبة ؛ وكان ذلك التسجيل الصوتي شعار الطلاب الكسالى !

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
ما أظرفه خطيبا – وإنما ظَرْفُ هذه الأمة في لسانها – حاضر البديهة ، لا تفلته النكتة ، ولا تعجزه الملحة ، حاد الصوت عميق نبوعه سليم مخارجه منغوم صفاته ، قصير الجمل، عربي اللغة ، واضح الأفكار مرتبها متدفقها ، قرآني الأسلوب ، نبوي الأناة ! وما أطربه حين حدثنا أن عجوزا عجمية – ربما كانت من المستعربين حديثا – استوقفته مرة لتعبر له عن راحتها لخطابته الواضحة !

لولا خطابته بمسجد عمرو بن العاص بالقاهرة ( أقدم مساجد أفريقيا ) ، خطبة الجمعة ، ومجلسه بعدها ، وكلمته بين التراويح في ليالي رمضان التي كان يؤم المسجد فيها مئات الآلاف – لذهب نصف ما انبعث للمسجد من صيت ! خطيب موهوب واع مجدد لا يشغل الناس بما لا يفيدهم عما يتعلق به وجودهم ولا يجمد لهم فيما بعد الاستراحة على ما كان قبلها فيُمِلّهم ، حَيَويّ المنهج غير منقطع إلى القديم ولا منقطع عنه بل مازج مزجا عجيبا بين القديم والحديث والطموح إلى المستقبل ! لن أجد مثل بركة مجلسه ذلك المهيب بالمسجد بعد الجمعة ، وقد حَضَرَه رَجُلٌ ليُسْلِم على يديه ، فقال له : اغتسلت ؟ قال : نعم . قال : هيا اشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ! فشهد الرجل ، فكَبَّر الحاضرون ، فكفكف من صخب تكبيرهم قائلا : ما لكم ! ما لكم ! الله أكبر دائما !

وما أصدق العامة في التعبير عن نعمة الله – سبحانه ، وتعالى !- به عليهم ! ذَهَبْتُ أوائلَ تسعينيّات القرن الميلادي العشرين ، أعزي أستاذنا الدكتور سعد مصلوح عن وفاة زوجته، فإذا وفد المعزين كامل العَدَد ، فيه الكبار والصغار ، الأساتذة والطلاب ، وإذا سرادق العزاء كامل العُدَد ، فيه الخشب والقماش والمصابيح والمكبرات ، وفيه قارئ القرآن ، وفيه واعظ المُعَزّين ! قرأ القارئ شيئا من كتاب الله ، ثم قام الواعظ ، فإذا هو من جهلة الوعاظ وسخفائهم ، يهذي بكلام لا يقبله لا عقلاء ولا مجانين ، ولا مؤمنون ولا جاحدون ، وبجانبي أستاذنا الدكتور محمد عبد المجيد الطويل يَرُدُّ سَخافاته واحدة واحدة لا يسمعه غيري ولا يعلم إلا الله كيف كَظَمْتُ ضَحِكي ! وأمامي أستاذنا الدكتور إسماعيل سالم ينصح له أن يكتفي ! فلم ينتصح ، بل أفرط ، فوقف له الدكتور إسماعيل ، ونهره ، فارتدع: وأستغفر الله لي ولكم ، والسلام عليكم ! ولَمّا يستوفِ العزاءُ مَوْعِظَتَه ؛ فاستوى في مكانه فجأة أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين ، فتَدَفَّقَ ارتجالا بسَلْسبيل فُتوحاته ، فسالَتْ بتَخاريف ذلك الواعظ المُسْتَأْجَرِ ، حتى جاء شيخ هرم لا أعرفه إلى أستاذنا الدكتور سعد مصلوح يهنئه : الله ، يا دكتور سعد ! أرأيت كم يُحِبُّها رَبُّنا ! أرأيت كيف يَسَّرَ للوَعْظِ في عزائها الدكتور عبد الصبور شاهين !

رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !

ما أَبَرَّ إشارته إلى فضل أبويه عليه ، في إهداء كتابه ” أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي ” ، قائلا : ” إلى والديَّ في برزخهما بعدما غَرَسا فيَّ حياتهما ، غَمَرَهما الله بالرحمة والرضوان ؛ ” كما رَبَّياني صَغيرًا ” ! عبد الصبور ” . ولقد يكفي في الدلالة على بِرِّ ما بين الوالدين وابنهما ، حفظُه القرآن الكريم وهو دون العاشرة ؛ فإنه تاج كرامتهما في الآخرة ، وتاج رقي درجته في الدنيا والآخرة . ولولا كرامة والدي حافظ القرآن ، لم يكن سبيل إلى مكافأة فضلهما ، إلا بأن ينجب مثلما أنجبا ، ويُفْضِل على أبنائه مثلما أَفْضَلا ، لتستمر سبيل ذلك حتى يرث الله – سبحانه ، وتعالى ! – الأرض ومن عليها. ولقد فهم أستاذنا ذلك ، وسعى في سبيله ، حتى قال في إهداء كتابه ” العربية لغة العلوم والتقنية ” : ” إلى أولادي : محمد عمرو ، وهشام ، ومروان ، وأميرة ، ولبنى – آملا أن تكونوا بسبب من العلم النافع ، وداعيا أن تكون ثمرته فيكم نعمة العلم بالله ، وشرف العمل الذي ينفع الناس – دعوة كانت من جدكم لأبيكم في قبلة الأزهر الشريف ، ثم ها أنتم أولاء أورثتموها ؛ الحمد لله ! عبد الصبور ” . فسبيل العلم النافع الممهدة ، متصلة من والد أستاذنا إلى أبنائه ، محروسة باليقين والإخلاص والإتقان والثبات والرضا.

وكما أَيَّدَتْ والدَه فيما سبق والدتُه ، أَيَّدَتْهُ زَوْجَتُه ؛ فلم يكن لينسى فضلها عليه ، بل تَحَبَّبَ إليها في إهداء كتابه ” القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ” ، قائلا : ” إلى زوجتي ، وفاء بحقها ، وعرفانا بفضلها ، وإني لأحس في أعماقي أن ما منحتنيه من عون ورعاية ، هو مثال تأتسي به بنات حواء ، من رافقت منهن أحدا من العلماء أو الباحثين “. ولم يكن الودود – سبحانه ، وتعالى ! – ليخيب مسعاهما ، بل أنبت لهما أبناءهما نباتا حسنا ، وجعلهما بهجتهما الدائمة ، وعونهما الحاضر ، حتى لَيَعْتَمِدُ على بعضهم ، في بعض أعماله الخاصة ، قائلا في أوائل ترجمته لكتاب ” علم الأصوات ” ، لبرتيل مالمبرج : ” يسجل المُعَرِّبُ الوالِدُ شكره خالصا لابنته الآنسة أميرة الطالبة بكلية الطب جامعة القاهرة ، على إنجازها الممتاز لما حفل به الكتاب من رسوم إيضاحية ” ، غير مستغن عن أن يعيد ذلك في أواخرها ، قائلا في إطار مزخرف : ” أنجزت هذه الرسوم والأشكال الإيضاحية ، الآنسة أميرة عبد الصبور شاهين ، وأضافت إليها رسما إيضاحيا للأذن وأجزائها السمعية ، هو الذي يجده القارئ ملونا على غلاف الكتاب ، كما يجده ملحقا بدراسة الأذن ص40-41 ، دون أن يأخذ رقما مسلسلا بين رسوم الكتاب ” !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ ، وَلَمْ يَحْرِمْنا أَجْرَه ، وَلَمْ يَفْتِنّا بَعْدَه !
آمين !

(2974) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

2 Thoughts to “أترجة دار العلوم”

  1. د. هشام العربي

    شكر الله لك فضيلة الأستاذ الدكتور جمال صقر، ورحم الله أستاذنا العلامة الذي لم نر مثله ولا أظنه يتكرر الأستاذ الدكتور/ عبدالصبور شاهين !

  2. 29/2/2016،
    نشر المقال دون إذني،
    على مدونة معجم اللهجات المحكية،
    بعنوان “الراحل الدكتور عبد الصبور شاهين من علوم القرآن إلى اللسانيات”:
    https://lahajat.blogspot.com/2016/02/blog-post_771.html
    وحذف من أوله الشعر والدعاء!

Leave a Comment