ملاءمة القطعة المثلثة

حين رغبت قديما في دراسة بنية المثلثة الشعرية، تتبعت حركة أطوال القصائد العربية منذ أقدم مأثوراتها، وانتهيتُ في مظاهر تَقاصُرها إلى ظهور المثلثة على غيرها. ولا بأس فيما يأتي، أن أصطفي منها خمسة أمثلة أخرى متوالية متفاوتة، تزيد ذلك الظهور بيانا إذا ما زدناها نظرا: المثال الأول من شعر زهير بن أبي سلمى صاحب بيت مقاطع الحق الثلاثة الذي نوهت به فيما سبق، مثلثة طويليّة الأبيات الوافية المقبوضة العروض والضرب حائية القوافي المكسورة المجردة الموصولة بالياء، في تَحدِّي الشعراء: مَنْ يَتَجَرَّمْ لِي الْمَنَاطِقَ ظَالِمًا فَيَجْرِ إِلَى شَأْوٍ بَعِيدٍ وَيَسْبَحِ يَكُنْ…

إقرأ المزيد

عناصر الرسالة المنطقية العربية

لن يكون المقصود بالنص الأدبي رسالةً حتى يكون مركبا ذا عناصر مختلفة مؤتلفة، وتلك هي صفة البُنْيانيَّة التي يتصف بها كُلُّ عمل مُتْقَن يعمله الإنسان، فيخرج مطبوعا بطابع بنيانه الإنساني نفسه، ذي الأجهزة المتفاصلة باختصاص كل منها بعمله، المتواصلة بتكامل هذه الأعمال. وعناصر مركب هذه الرسالة ثلاثة أنواع: مُشْكِلَة (مُعْضِلَة، أو مُصيبة)، هي لُبُّ المُرَكَّب، تُلِمُّ بالأديب، فيَحْتَفِز بها، وينْشَط لها، على حين يظل الناس مختلفين فيها. ودَعْوى (رَأْي، أو فَيْصل)، هي شِعارُ لُبِّ المُرَكَّب (الشِّعار ما وَلِيَ الجِسْمَ من الملابس)، يُفْلِتُ فيها الأديب من ضيق الأَزْمَة إلى سعة الفَرَج،…

إقرأ المزيد

رسالة النص

ربما زعم بعض الأدباء (مبدعي الأدب) أنه لا يخطر له المتأدبون (طلاب الأدب) على بال، وأنه الذي قالت العرب فيه من وراء القرون: “لَابُدَّ لِلْمَصْدُورِ أَنْ يَنْفُثَ” –والمصدور المريض الصدر- مهموم مأزوم مشغول عنهم بنفسه، ولم يدر أنه الذي أطلق نُفاثتَه، وكان قادرا أن يُقيّدها بكفَّيْه، ولولا المتأدبون ما كان الأدب، ولولا الأدب ما كان الأدباء! وإن كل ما ينتجه ذلك الأديب فيستعمله هؤلاء المتأدبون –وإن كان نصا قصيرا- لذو رسالة تثقيفية كاملة، وسواءٌ أَكتَفى بها إلى حينٍ هؤلاء المتأدبون أم أضافوا إليها ما استفزهم إلى إضافته. والتثقيف “إكساب الآخر…

إقرأ المزيد

عنونة محيرة

من آثار ظاهرة النص القصيرِ العَنْونةُ الُمحيِّرة، أي أن يجدَه متلقّوه قد اتخذ عنوانا مدهشا، لا علاقة ظاهرة له به، وإن خطر لبعضهم في تأويلها وَجهٌ، لم يمتنع أن يخطر لغيره وَجهٌ آخر…، وهلم جرا! هذه نصوص قصيرة ثلاثة، عناوينها على الترتيب: “عُصْفُورٌ”، و”شَجَرَةٌ”، و”دُخَانٌ”. يعبر أولها عن “حُلول موعد البَوح بالحقيقة”، وثانيها عن “أمانة البَيان”، وثالثها عن “تَربُّص المظلوم بالظالم”: 1 بِاللَّهِ يَا لَيْلُ عَجِّلِ الْفَرَحَا أَشْرَقَ فِيكَ الْهِلَالُ وَانْشَرَحَا ظَلَّ طَوَالَ النَّهَارِ مُحْتَجِبًا تَحْسَبُهُ الْكَائِنَاتُ مُنْتَزِحَا فَافْتَحْ لَهُ قَلْبَكَ الْعَتِيقَ يُحَدِّثْكَ حَدِيثَ الْهَوَى وَمَا جَرَحَا 2 لِلصَّمْتِ مِنْ…

إقرأ المزيد

مفارقة

من آثار ظاهرة النص القصيرِ المُفَارَقَة، أي أن يجدَه متلقّوه لَمحة قَصصيّة خاطفة، من وراء حكاية حال بشرية عجيبة، لا يفتؤون يمرون بها ولا يرونها، تشتجر فيها أعمال مختلفة متبادلة، لا ينقضي منها عجبهم: كيف لمثل ذلك أن يكون! أما لهؤلاء من عقل يعقل! أما لهذا من قلب يقلب! هذا نص قصير يعبر عن جناية اليائسين على الطَّموح، بأربع وعشرين كلمة، في تسع جمل، على ثلاثة أبيات: أُوتِيتُمُ الْأَبْصَارَ فَاسْتَعْمَيْتُمُ وَرَضِيتُ مِنْهَا مَا يَرَاهُ الْمُلْهَمُ وَسَعَيْتُ فَاسْتَغْشَيْتُمُ أَعْذَارَكُمْ وَتَبِعْتُمُونِي رَيْثَما أَتَقَدَّمُ مَا أَشْأَمَ الْمُتَجَبِّرِينَ عَلَى الرِّضَا ضَلَّتْ رُؤَايَ وَضَلَّ مَا…

إقرأ المزيد

موازنة المضطرب

من آثار ظاهرة النص القصيرِ مُوازَنةُ المضطربِ، أي أن يجده متلقوه قد ترددت فيه الكلمات المتَشابهات والعبارات المشْتبِهات، كأنما تتفلَّتُ من مهموم مأزوم، كرَبته الأزمة حتى أَقدَمته على ما لم يكن يقدم عليه مرتاحًا، وحَزَبه الهم حتى أَقدَمه على ما لم يكن يقدم عليه مطمئنًا؛ فأما غَفَلَةُ متلقيه فينكرونه ويكذبونه، وأما وُعَاتُهم فيعرفونه ويصدقونه! هذا نص قصير يعبر عن تَفادِي المختلفين، بثلاثين كلمة، في أربع عشرة جملة، على ثلاثة أبيات: نَعَمْ لَا نَعَمْ لَا نَعَمْ لَا نَعَمْ دَمٌ دَامَ دَامَ دَمٌ دَامَ دَمْ خُذُونَا جَمِيعًا فَمَا لِمَمَاتِيَ جَنْبَ خَصِيمِي اللَّدُودِ…

إقرأ المزيد

تفجير مباغت

من آثار ظاهرة النص القصيرِ التَّفْجيرُ المُباغِتُ، أي أن يجده متلقوه كأنه لبنةُ جدارٍ انقضَّ، فاستقلَّتْ بنفسها وفيها ما يكفيها، ولكنها لا تفتأ تطلب الجدار وموضعها منه؛ لعلها تزداد فيه بأخواتها كما كانت فتزدان، أو لعله يشتد بالتمام كما كان فيزدهي بالبيان- فيفهموا منها وَجْهًا من الفهم، ولكنهم يتشوَّفون إلى ما علَّقتهم به، ويذهبون في تقديره كل مذهب! هذا نص قصير يعبر عن خيانة الفاسدين والطامعين، بسبع وعشرين كلمة، في تسع جمل، على ثلاثة أبيات: وَابنُ الْمَرَاغَةِ مِنْ قَدِيمٍ يدَّعِي نَسَبَ الْجَمَاعَةِ بِئْسَ الِاسْمُ المُدَّعِي قَبِلَتْهُ وَاطَّرَحَتْهُ مِنْ تَعْدَادِهَا يَا…

إقرأ المزيد

تكثيف واختزال

من آثار ظاهرة النص القصيرِ التكثيفُ والاختزالُ، أي أن يجدَه متلقّوه قد احتشدت لصاحبه فيه المقاصد؛ فاستخلص منها خلاصة مركزة، كأنها جرعة مقطَّرة، أخلاها من كل ما خشِي أن يشوب صفاءها، فخرج النص وجيز الظاهر والباطن، عليه هيبة الصمت وفي يديه مقاليد الإعراض، فتحرَّجوا من مخالفته، لولا أن البلاء موكَّل بالمنطق! (1) المشاهدات

إقرأ المزيد