دار العلوم وتمت ملاوتها نصفا وقرنا، لرزق منصور


رأسه رأس ماله وامتلاء الرأس خير من امتلاء الوطاب”،

علي الجارم،،،

إهداء إلى شيخ الفلاسفة والدار وعالِم علم الكلام وكلام العلم العارف بالله أ. د. حسن الشافعي حسنة الزمان وزينة المجمع والدار وكل مكان، ثم إلى شيخي أ. د. أحمد درويش شيخ النقاد، وله في الدار عماد، وإلى صنوي د. شريف حتيتة الناقد المكين الساكن في الفؤاد،  الناقدين الكبيرين؛ فالأول  يمثل النقد الأصيل في ثوب معاصر والآخر يمثل النقد المعاصر في ثوب أصيل، بمناسبة حصول جائزتين عزيزتين عليهما منذ قليل ساعات وأيام، بعد جائزة شيخنا حسن الشافعي الإمام، في مطلع أول شهر في هذا العام، وتزدان الدار بجائزتين أخريين لعالمين فاضلين أ. د. محمد عبد العزيز عبد الدايم، أستاذ النحو والأصول وصاحب الكريستالة والعقل الكبير المهول، وهو في العلوم من الفحول ، أ. د. أحمد بلبولة، بمقولاته المقبولة، وتحليلاته المعقولة، وشاعريته العبقرية ، وابتسامته الوردية، وسبقه في الأسلوبية وغيرها والتفكيكية، وقبل ذلك جائزة العالم المرحوم البديع أستاذي د.  أسامة شفيع قانص  الآبدات ومقيد الأوابد، وصاحب العلم الغزير وجم الفوائد، ثم إلى أمي الثانية( دار العلوم)، وإلى عميدها الموقر  أ. د. عبد الراضي عبد المحسن، وإلى وكيليها الكريمين:  ا. د. ياسر رجب، أ. د. حجاج أنور، وإلى رؤساء أقسامها الفضلاء، وإلى أساتذتها الأجلاء، وإلى جميع الزميلات النبيلات والزملاء النبلاء، وإلى طلابها الأوفياء:  زهرة شبابها الأنقياء، المعقود عليهم الأمل والرجاء ، وإلى كل محب دار العلوم في الأرض وفي السماء وفي الشرق وفي الغرب وفي الشمال وفي الجنوب وفي البحار وفي الجبال وفي ضفاف الماء، وإلى أحرف العربية من الألف إلى الياء. ونحن على قرب خمسين يوما من احتفالنا بمناسبة مرور مئة وخمسين عاما على ميلادها الميمون المبارك.  

قلت:

أسعدتني الجوائز، وكأني أنا الفائز الحائز، و أغضبني خب عاذل؛ إذ ذكر دار العلوم بسوء، وأنغض إليَّ رأسه، حين حاورته وأخرست لسانه وحطمت أُسَّه، واتهمني أني لا أحسن الحديث عن دار العلومِ : داري، وقال مستهجنا: من أنت؟  وما الدار؟  دارِ العلومَ دارِها دارِ. وقد أخذتني سِنة من النوم، وخُيِّلَ إليَّ أني أحاضر بعض تلاميذي في الدار قبلها بيوم، وأخذت عاذلي معي صاغرا مستمعا، وهو لا يحسن الغوص في العلوم ولا العوم، وطلبت إلى تلاميذي أن يسبحوا في الخيال، وأن يقفوا  من ذكرياتهم على الأطلال، وكأنهم تخرجوا منذ أعوام في الدار، متحدثين عنها، وعن علومها وعلمائها الأخيار، وبناتها الخرد المتخفرات، وطلابها الأفاضل الأبرار؛ فانبرى كل واحد منهم-(وكانوا عشرة)- يكتب ما شاء على سجيته ويختار، مكتفيا بفقرة واحدة في سرعة واقتدار، ولابأس بتشابه اللفظ، وتقاربِ المعنى، وتواردِ خواطر الأفكار، ولما فرغوا قرأوا علي ما كتبوا، وأنا لذلك في سعادة وانبهار، وعاذلي يتميز غيظا ، وهو في مغاضبة واكفهرار.

فقال الأول:

دار العلوم: الأصالة ديدنها وديمتها، والمعاصرة منهجها وبغيتها، وريادتها في التعليم بارزة، وفي التأليف للسبق حائزة، وفي التأليف والإبداع فائزة، وفي الترجمة كم نالت من جائزة!، وحبها في القلوب ساكن، ولا استثناء فيه ولا لكن، وكلامنا عنها مبني على الفتح، وفضلها علينا منصوب على المدح، وخريجها ارتفع فاعله، ولم يُلغَ عامله، وشاعرها سلِم لعروضه الوتدُ والسبب، وخلا من الطي والنشر والعطب، ولا يركب بحر الخبب، وما مسه في ذلك نصب ولا وصب ولا لغب. وأمرها متفرد نسيج وحده و عجيب، وسحرها بابلي هاروتي ماروتي وغريب، ويهفو إليها المهندس والطبيب، ويعشقها المصري الأريب، وينشدها العربي القريب، وييم نحوها الأجنبي  الغريب، ويعرف قدرها كل شاعر و مثقف وأديب.

وقال الثاني:

دار العلوم: الجامعات عيال على علمائها، والمدارس قامت على علم أبنائها، وخريجها ذرب اللسان، مفوه بليغ مميز على الأقران، وهو في الفصاحة كسحبان، وفي الشعر كحسَّان، وفي النحو  والصرف والعروض كابن عقيل وشيخنا ابن الصلاح شعبان، وفي الحديث كابن حبان، وفي الورع والتقى كعثمان، وفي التاريخ كالمقريزي وابن خلِّكان، وخريجتها الدرعمية حصان رزان، لها في العلم والأدب قيمة ومكان، كأنها إحدى صحابيات الزمان، وهي في الحديث كعائشة الباعونية، وفي الشعر كالخنساء أو حمدونة الأندلسية، وفي النقد والتحقيق كبنت  الشاطئ الدمياطية، وما أسعد البيت الدرعمي!، فيه العلم والعيش الهني،  ويا سعدَ من يتزوج الدرعمية؛ لتتفقد أحواله، وترعى عياله، ؛ ليصيروا طيبي الأعراق، ويملأوا الآفاق، والفروع من الأصول، والدرعمية بنت أصول، وما أسعد من يتزوجها الدرعمي:  فهو الورع التقي، ذو القلب النقي، والوجهِ السمح الندي، والخط البهي، له في العلم والدين مقام، وله أخلاء على شاكلته كرام، ويعرف أهل العلم الأماجد الأعلام، وأسْعِدْ بمن  أبوه هذا، وأمه تلك، سيقود سفينة العلم بلاشك، ويقوى به عرش الضاد، وللضاد مُلْك؛ فالأم الدرعمية روضة:  العلم منبتها، والدار تورقها دوما وترويها، والدرعمي غوَّاصُ علمٍ، يخرج من صدفات الدار خيرَ ما فيها ويحميها.

وقال الثالث:

دار العلوم:  يشيب الزمان،  ولا تشيب، وتمضي السنون ،  ولا تغيب، وتنقضي في سبيلها الآجال، وتتوالى في ساحها الأجيال، وتبقى شامخة كالجبال، سامقة كنخلة في أعالي التلال، عظيمة في عين رائيها كليوثها الأبطال، وتزدان كالكعبة بالعلم الزلال، وتميس كالحسناء في دلال، ؛ فتخلب الأفئدة  بالبهاء وبالحسن وبالجلال، والصمت في حرمها مبلغ القول بلا قيل ولا قال،  وللشعر في حرمها جمال، وللنقد في قاعاتها جلال، وعلم الكلام في ساحها كمال، وكلام العلم في مدرجاتها رأس مال، ولغتها سعادها، ونحوها عمادها، وبلاغتها بديعة، وآدابها رفيعة، ورأس أمرها صحة الاعتقاد، وتوحيد رب العباد، وعبادة الجوارح وسلامة الفؤاد، وذروة سنامها الجهاد:  في سبيل العلم والدين والضاد، وتسلك طريق الوسطية والرشاد: في هدي خير العباد، وفي تعليمِ بناتها والأولاد، وتاريخُها مجيد، ومجدها تليد، ولها في الأصالة والتراث نهمة، وفي المعاصرة والحداثة سهمة.

وقال الرابع:

دار العلوم: علماؤها ربانيون؛ فالعلمَ يحرسون، والعقولَ يبنون، والوقتَ يبذلون، والجهود العلمية يقدمون، وفي روضة العلم يزرعون ويحصدون، ليسوا همجا رعاعا ولا ينعقون، وبنور العلم يستضيئون، ولتلاميذهم الطريق ينيرون، ولدرر الفكر يُخرجون، وفي فروع العلم مُقَدَّمون، وفي التحقيق والتدقيق سابقون، وفي الترجمة والتعريب متفردون، وفي خيرات العلم والعطاء سباقون. وطلابها صدعوا ظلمة الجهل، وتغنَّوا بخوالد زهر الآداب وخواطر العقل، ببديعهم المزخرف، وبيانهم البهي المرتشف، وبلاغتهم الرائعة، وفصاحتهم الماتعة. وخريجوها دراعمة، وفي المحافل دراغمة، وعلى المنابر دعاة مخلصون، وفي المحافل خطباء مدهشون، وفي المدارس معلمون مبجلون، ولهم في الأرياف مرتع، وفي البادية كلمة وخيمة وموضع، وفي الصعيد زأرة أُسْدٍ وموقع، ولدارهم في قاهرة المعز قلعة وجامعة ومجمع.

وقال الخامس:

دار العلوم: علمها ملتزم، وآراؤها لا تنهزم، ؛ وفكرها معتدل، ومجدها لا ينهدل، وفقهها واضح وصريح، ونحوها باء بالتصريح والتوضيح، وشعرها رائق، وأدبها فائق؛ فهي واسطة العقد، وسياج الهوية وقلب الفرد ، قد شكلت  العقول ووجدان الأمة، ورسمت لنا الآفاق وأعلتِ الهمة، وأنجبت العلماء فانزاحت للجهل غمة؛ فهي للعلم سحابة ندية، ولها مُضاعَفُ غيث، ويُعَلُّ منها وينهل من أبنائها كل  بليغ وليث، فينفث بليغها السحر، ويخلق المعاني البكر، ويختال بها على الدهر، ويزأر ليثها على المنابر، ويُقْدِمُ على الأقلام والمحابر، فيبلغ صوته الآفاق، ويمس قلمه الأعماق. وهي بذلك أرقى كليات الضاد، وخير معهد لتعليم أبناء العباد، في كل أنحاء البلاد، ولعطرها شمم، ولذكرها نغم، ولعلمها نهم، ولتركها ألم، ولذكراها على جمر الغضا حمم، وأبناؤها:  من العلماء والخريجين، ومن محبيها أجمعين- فرسان الخطابة المسكتة، وأرباب الفصاحة المبهتة، وألسنة الإبانة الساطعة، وأقلام البلاغة الجامعة؛ فعلماؤها شموس الزمان، وأسرجة المكان، وكتبهم نور وعلمهم بيان، ولهم في العقول مقر إذعان، وفي القلوب إصابة وجدان، وحقل علومهم ريعان، وهم على رأسها تيجان،  وخريجوها لآلئ في يدها قد نظمها سِمْط، وخريجاتها بناتها في أذنها قُرْط، ولا تعرف الهوى في حب أبنائها ولا العشواء في العلم والأدب ولا الخبط، وهي لنا  على مر الزمان مدًى ومحَطّ، ما طار من أبنائها صقر بعيدا وعاد إلى عشها وحط، وليس في حب أبنائها لها والعالَمين العالِمين والطيبات والطيبين ارتيابٌ وغمط.

وقال السادس:

دار العلوم: أمنا وأمومتنا، وكوثرنا وجنتنا، وركن بيتنا الحرام المطهر، وسيف عزنا على عنق الجهالة المسلول المظفر، ودوحتنا السامقة قد طاول الثريا فرعها الأخضر، وامتد أصلها في  باطن القلب ريان الصفحة والمنظر، وأبناؤها في المعارف أنهر، وفي العلوم أبحر، ومدرجاتها بمسائل العلم تزخر، وعلم أبنائها أغنى من الذهب الأحمر، ولعلمهم روائح طيبة كالورد وكالعنبر، وكطيب العود والمسك الإذخر، وصرير أقلامهم منابر، وخط أيديهم مسطور ومحفوظ في القلوب وفي الدفاتر، وسيبقى علمهم كما بقي أسلافهم في الزمان الغابر، وله جنًى يطوف حوله طلاب العلم منذ أكثر من قرن ونصف كأنه يوم عابر، ولن تشبع منه العقول ولا القلوب ولا المحابر. وهي لهذا: كعبة الأمكنة، وتسبيحة على الألسنة، وخفقة في القلوب اللينة، قد جاء إليها من أبنائها كل غضِّ الجناح أزغب، وصار بعد حين كالفُحَّال المُشذَّب، وتخرج فيها وله تهويمة النسر وتحليقة الصقر في فضاء العلوم الأرحب، ينشر كالنسيم علومها كلما غدا مشرقا أو غَرَّب، وهو عند فصل الخطاب عذيقها المرجب، يحمي عرينها، وهو الفتى الدرعمي الأنجب، يرتق ما تفتق، وينظم ما تبعثر، ويسهل ما تعثر.

وقال السابع:

دار العلوم: هي لنهار العلم شمس صيف، ولأعمارنا أبجدية، ولظلام الجهل بدر ليل، ولشبابنا مسرحية، ولقلوبنا نبض حب، ولعقولنا ألمعية، أخذنا منها لباقتنا، وحزنا من علمها تفوقنا، وشبابها دائم ويزيد، ولا ينهض فيه الشيب العنيد، رغم قرنها الماضي ونصفه و العقود، وفيها لطلابها من بنات علمها كل يوم جديد، يهدي سبيلهم ويملأ رؤوسهم بالمفيد، فلا يشبعون وتقول أرواحهم من فرط حبها هل من مزيد؟  يعشقونها فوق الليالي ويبحر عشقها في الوريد، وقد صلى صلاة الحب في محرابها العميد مع المعيد، وأقبل يهفو قلبه نحوها فتى الريف مع الصعيد، وقد سلبت بسحرها عقول طلابها والغيد، ويومَ يعود  مجدها السليب يومُ عيد؛ لأنها زهرة المنى الزابل، وطيف الأمل الآجل. والبابل شيت  ضَرَبَ من آلامها المثل، وقد اعتراها غيره من الأوصاب والعلل، ولو ظلت هكذا فستصبح سيرتها كالطلل، والخوف كل الخوف في التوكيد لا البدل، فقوموا أركانها؛  وإلا استحال الشعر آسنا كالزجل، وسقطت  من النحو قواعد التوجيه والتعليل والعمل، والتقى في الصرف الساكنان بلا قلب ولا نقل ولا حذف ولا بدل، وحط رحلَه في أفعالنا غلطُ الإسناد والثقل، واشتكى العروض كسر أوتاده وعيوب قافيته ، والروي همل، والإيطاء في نظم القريض ثمِل. وانتحرتِ الألفاظ وقضت المعاني نحبها والبلاغة ترتحل، وليل الجهل داجٍ ويغشى ويسري  ويسجي وذو ملل، لكن فجرَ العلم لاح وصبحه مسفر يتنفس يعدو نحوها يصيح على عجل ويقول  لأهل الدار-  مجتمعين غير متفرقين وعليها  يحرصون، وعلى حرد لا يغدون، ويتسامحون ويتآلفون،  وهم قادرون،  على نصرتها وصونها، وتشريفها وعونها،  ورفعتها وإعلاء كلمتها ، وتوطيد عرشها في العيون،   وإسعاد قلبها الباكي الحزين وإنقاذ مجدها والعرين- بلا وجل: زَيِّنُوا ما شان، وعظِّموا ما هان، ووحِّدوا  الصف والبنيان، فإني آمل في مجدها  نائل غرثان.

وقال الثامن:

دار العلوم: عرشها في ركن السماء، وعلمها للظمآن ماء، وللضال هداية وإيواء،  ولشجر الربيع رداء، وللغرثان زاد وللعريان غطاء، وللحزين تسرية وللسعيد بسمة وبهاء، وللصحيح عافية وللسقيم دواء، وللمحب طيف خيال، وللمستزيد رجاء، ولذي القلب المخموم سجدة و دعاء، وعطرها بر وإحسان، وجَنَى مُبارَكِها دان، وبقاؤها يُمْنٌ يَمُنُّ على الزمان،  وهي فوق أنف أعداء الضاد حصن، وقد تمت ملاوتها نصفا بعد قرن، وأبناؤها فِصَاحٌ مُصَدَّرون ولُسْن، قد صدعوا ظلام الجهل في باطن الريف، وأناروا جوف الصعيد واستبدلوا ربيعه بالخريف، وصار كل واحد منهم يقول: الدار روضتي الغناء ومنزلي المأهول، أختال بين ظلالها وأجول، وأرعى حمى الضاد والبيانَ أعول، وصباي بها معسول، وعمري بفضل علمها يطول، وعلمها شؤبوب هطول، يُنبت فيها وفينا الشبابَ ولا شيب فيها كي تزول؛  فطلابها: حالٌّ بها ونازح وبتول، ولها بكل عام جيل، وأعوامها وفودُ غيثٍ وابل صيب وأصيل، ويلقاه زهر ربيعها ورياضها بالترحاب والتهليل، فهم ثمارها وشبابها المأمول؛  فأحيطوهم كالروض بالرِّي وبالعلوم وبالتقى وبالنصح الجميل، وبنور العلم والعلوم للندى إكليل، وإلا فالجهل عار على أهلها ووقر وذنب ثقيل، واحذروا أن تُدرسَ الدار وتخوي أو يضام الجيل، ويمضي بها إلى الأفول سبيل، ولا تنشغلوا بغير المعالي، ويمموا وجوهكم نحو علمها في كل الأيام والليالي، وضَعُوا الشانئين دَبْر آذانكم وابذلوا لأجلها النفيس الغالي، وأعرِضوا . .  وكل عظيم يُشنَى ولا يبالي، واذكروا خلود شيوخها  في أيامها الخوالي، والحق أن المرام لمدحها لجليل، وأن البكاء لأجلها كالعويل.

وقال التاسع:

دار العلوم: في ظلام الجهل ضياء الشهاب، ونهر هز جدب الجهول بالإخصاب، وملأت رؤوسنا بالعلم لا بالوطاب، والدين فيها أنقى من ديباجة في شراب، وشبيهه الحب والتآلف بين أهلها والأصحاب، والعلم فيها أغزر من ديمة في غاب، وقد جئتها ورأسي كجناح الغراب، وتخرجت فيها وقد نلت المنى بالوثاب، وطالما عُرِف فضل الديار  والنبوغ بعد الذهاب، وسأظل أذكر فضلها على مرِّ الدهور والأحقاب، أزْأر في المدارس والمحافل باسمها ولو كشر الزمان عن أنياب؛ فهي أمنا الرؤوم البتول، وعهدها عندنا مسؤول، وودنا بها موصول، ولذكراها نسيم عليل، وندوات المثقفين فيها وعنها وعن علمائها جمة وجمعها حفيل، وعلمها طالما روى منا البصائر والعقول، فهل غصبت الأيام عهدها وتوارت بالحجاب؟  وهل نزح نسيمها غير مزمع الإياب؟  وطالما اجتمعنا في ساحها مُنَضَّرًا منا الإهاب، وكل جَمْعٍ لشتات وفرقة واغتراب، فيا لروعةِ الزمان الذي تولى وغاب، وقد نضر روضُ العلم  والتقى فيه وجوهَ الأصحاب، ويا لسوءِ المآل الذي تجلى وعاب وحاب، وناحت فيه حمائم بلق وأعول البوم ونعق الغراب، فأدرِكوا الدار قبل خرابها قبل . . .  قبل التراب.

وقال العاشر:

دار العلوم: دار الأصالة والمعاصرة، والكتب والمحاضرة، جديدها للقديم سليل، وعلومها وِرْدُها صفو لا رنقٌ ولا مملول، وروض قريضها جنًى ونخيل، ونهجها في البيان ذلول، وأقسامها شموس مضيئة ولا أفول، ويرعاها الله والعلماء ودعوة الصالحين والغيث الخميل، وتحيا بفضل الله في ظل ظليل، وطالب علمها رويُّ قصيدها لا الدخيل، ومصر مليكة لها وهي فوق جبينها إكليل، وما مصر إلا الدار وأزهرها وأهرامها والنيل، والله يحرسها ومعي بذلك شاهد ودليل؛ فإن أنشد شاعرها سمع الأزهر وأطرب الهرمان وغنى النيل حيث يميل،  ونبتت حياة الناس في مصر حيث يسيل بصحبة شعرها وقت الأصيل، فمن يحاول هدم دارنا قسمه الله، ومن أرادها بسوء أخزاه، ومن ذمها طواه، ومن عابها أرداه، وضلالته جندها مخذول، وفتنته ساقطة به وهو أَفُول، وإفكه مدحور، وإن ظن أن لن يحور، ومهما شنأها الشانئون فقد أفنوا؛ فإن رأوا  للدار ريبة أذاعوا وأعلنوا، وإن ورد ذكرها بسوء كانوا أذنا وأذِنوا وأذَّنوا، وما علموا من صلاحها ستروا ودفنوا، واستغشوا ثيابهم على أعينهم، ورَدُّوا أيديهم في آذانهم، وأنغضوا رؤوسهم، فسيرد الله كيدهم، وستحيا الدار رغم أنوفهم.

*****

ثم لما فرغت من حديثي مع الطلاب ومن المحاضرة، فارقني الوسن وغادرني سلطان النوم، فأفقت من ذاك الحلم، وعدت مسرعا لعاذلي ؛ لأحاوره، ولأنهي بالنصر المحاورة، ولأجهز عليه في فن المفاخرة، فقلت له : قد ألجمتك وأفحمتك، وفي اليم نسفتك ورميتك، ورغم أني في دار العلوم ذَنَب، وفي مؤخرة الرتب، غير أني لا أقبل أن تهان الدار، ولا أن تُشان ما بقي النهار، ولا أعرف اللغة الفُصْعَمِيَّة، ولا أحب تفعيلة الشعر (شعر التفعيلة)الغبية، ولا آذن في العامية إلا للجاهل المضطر، وليس في قاموسي نثر العاجزين أو كما قيل: شعر حر.  وقد انقلب صاحبي بخزيه مذموما مدحورا، مخذولا مقهورا، وهو المفارق كالغراب الأسحم أو كالعبد الآبق، وانقلبت بنعمة من الله إلى دار العلومِ داري فرحا مسرورا؛ لأشاطر أهلها فرحتهم بجوائزها، وتمام ملاوتها؛ فتغنى الشعراء المفلقون، وانبرى الأدباء  المبدعون، فمنهم فريق ينشر الدُّرّ وطعم كلامه سلوى ومَنّ، وآخر ينشد للدار الخلود واليُمن؛ فمن يحب الدار مثلي من؟

رزق منصور عبد المولى طرفاية (أبو آدم)،

المدرس المساعد بقسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية،

كلية دار العلوم، جامعة القاهرة.

[من إحدى حارات  حي بولاق الدكرور حيث المسجد والمقهى والأولاد والزوجة الطيبة،  وهموم الحياة والمَتْربة ونكد العيش والمسغبة، وحرارة الجو والمَلْهَبة، والنفس غاضبة، والروح متعبة، آنست رشدي إلى الصلاة فَالقرآن فَالمكتبة، فكانت مني هذه الكلمات للجمهور وأظنها معجبة، في فجر الخميس : ١٧-١١-١٤٤٣هج  /١٦-٦-٢٠٢٢م].

(37) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment