دقة تعبير القرآن عن سياسة تقسيم الغنيمة


الإخوة الأعزاء المجمعيون، بارك الله فيكم وسدد خطاكم. أقول:
قول الحق سبحانه وتعالى: […فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ…] (الأنفال-41)، هذه الصياغة القرآنية فيها معضلة منطقية!!. كيف هذا؟!!.
أقول:
هل [فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ…] هي هي […فأن خمسه لله والرسول وذي القربى…]؟!!. بالطبع لا، وألْفُ لا.
الصيغة التي توافق الفهم الشائع في الإسلام من أن الخمس لله والرسول وذي القربى… إلخ، والباقي للغانم [أربعة أخماس] هي:
[…فأن خمسه لله والرسول وذي القربى… إلخ].
أمّا الصياغة القرآنية […فأن لله خمسه…]، فتعني وفق المنطق السليم، وقواعد اللغة السليمة، أن:
خمس لله، وخمس للرسول، وخمس لذي القربى،… إلخ.
وفق الصياغة القرآنية فإن هناك ستة أخماس: 1-الله 2-الرسول 3-ذي القربى 4-اليتامى 5-المساكين 6-ابن السبيل. وهذه معضلة منطقية.
ربما الآية لا تتكلم إطلاقًا عن الغنائم والسلب في المعارك الحربية. ربما في الآية تأويل.
هل [فأن لله خمسه] تساوي [فأن خمسه لله]؟…الإجابة: نعم.
لكن، هل [فأن لله خمسه وللرسول] تساوي [فأن خمسه لله والرسول]؟…الإجابة: لا.
مجرد العطف جعل تغيرًا في المعنى بين التقديم والتأخير.
أرجو من الإخوة المجمعيين البت في هذه المسألة للضرورة.
وشكرًا.

حيا الله السائل الكريم، وأحيانا به!
لقد كان في ظاهر الآية مقطوعةً من سياق إجرائها ما أتاح للمتقدمين القول بكل ما تفضلت به.
ومن أجل أن نقدم للقارئ هنا فائدة واضحة نضع له العبارتين اللتين وازنت بينهما:
الأولى العبارة القرآنية:
“وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ”،
والثانية العبارة غير القرآنية الموازنة بها:
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن خمسه لله والرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
إن هذه العبارة غير القرآنية مقصورة على الحكم بخمس الغنيمة لمن يستحقها، على حين تستقل تلك العبارة القرآنية بالدلالة مع ذلك على أن خمس الغنيمة في أصله لله ثم على أن حق تقسيمه للرسول ومن يقوم مقامه.
ومن آثار ذلك التعبير القرآني الفريد، تمكين ولي الأمر في كل زمان ومكان، من تقدير المستحقين؛ فربما زال بعضهم، وربما اختلفت أحوالهم.
والله أعلى وأعلم،
والسلام!

شكرًا للدكتور محمد جمال صقر.
على فكرة أنا مصري، من الإسكندرية.
بالتأكيد التعبير القرآني هو غاية الدقة، لكن مراد الله -كما هو واضح- ليس ما ذهب إليه جمهور المسلمين.
الله بعث إلينا بكتابه لنعلم مرادَه، لا لكي نقول: الله أعلم بمراده.
شكرًا للدكتور صقر.

“لكن مراد الله -كما هو واضح- ليس ما ذهب إليه جمهور المسلمين. الله بعث إلينا بكتابه لنعلم مرادَه، لا لكي نقول: الله أعلم بمراده”.
بارك الله فيك أخي الكريم الفاضل، وحياك وأهل الإسكندرية جميعا، وأحيانا بكم، واستعملنا وإياكم في خدمة الفهم الصحيح والإفهام الصريح، آمين!
كأنك تنفي أن تدل العبارة القرآنية على أن الخُمُس المقصود من الغنيمة هو لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، من حيث ما يأتي:
أن التعبير في نفسه لا يدل على ذلك،
وأن الأقسام الخارجة ستة وهو خُمُس!
أما هذا الاستشكال الأخير فمردود سريعا، بأن الأقسام غير الخمس، ومهما تزايدت أو تناقصت لم يزد ولم ينقص!
وأما الاستشكال الأول فمردود بأن من أساليب العربية أن تقول لصاحبك -ولكلام الحق سبحانه وتعالى اليد العليا-:
لعمر هذا البيت ولعبد الله ولعثمان ولعلي ولحسن ولحسين،
لعمر هذا البيت ولعبد الله ولعثمان وعلي وحسن وحسين،
لعمر هذا البيت وعبد الله وعثمان وعلي وحسن وحسين،
وأن تقول:
هذا البيت لعمر ولعبد الله ولعثمان ولعلي ولحسن ولحسين،
هذا البيت لعمر ولعبد الله ولعثمان وعلي وحسن وحسين،
هذا البيت لعمر وعبد الله وعثمان وعلي وحسن وحسين،
تريد أن البيت لكل منهم جميعا معا، وأن عبد الله ابن عمر فالكلام عنهما كلام واحد، وأن عبد الله وحده هو الذي سيمكن كل ذي حق من حقه. ولكنك تختار العبارة الثانية من تلك العبارات الست لدلالتها الدقيقة على مرادك، ثم الأمر بعد ذلك للمتلقين عنك؛ فمنهم من يسوي بين تلك العبارات الست استبعادا لتكليف عموم الناس معرفة تلك الفروق الدقيقة، ومنهم من يفرق بينها اعتمادا على أن للراسخين في فقه الأساليب معرفتها وإطلاع غيرهم عليها.
والله أعلى وأعلم،
والسلام!

شكرًا دكتور محمد صقر لاهتمامك. أقول:
جيد أن حضرتك انتبهت إلى أني أتكلم عن معضلتين وليس معضلة واحدة:
1-معضلة التقديم والتأخير وأن الصياغة القرآنية لا تتوافق مع الفهم الإسلامي الشائع.
2-معضلة الستة أخماس الموزعة على ستة كيانات، والمنطقي أن تكون ستة أسداس على ستة، أو خمسة أخماس على خمسة.
وقد كنتُ أحب التنويه إلى ذلك حتى لا يحصل أدنى التباس.
هي ستة أخماس موزعة على ستة كيانات. وليس خُمُس موزع على ستة كيانات.
الأمثلة الستة التي جئتَ بها حضرتك، البيت فيها معرف بأل وبإسم الإشارة [هذا البيت]، فلا يوجد احتمال بيت آخر غيره. وبالتالي الأمثلة التي ضربتها حضرتك لا توازي وتحاكي العبارة القرآنية.
ماذا لو ضربنا المثل الآتي:
بنيتُ بيتًا لعلي وأحمد ومحمد محمود.
هذا المثال نأتي به على الستة أوجه التي ذكرتها حضرتك. كالتالي:
1-بنيتُ بيتًا لعلي ولأحمد ولمحمد ولمحمود
2-بنيتُ بيتًا لعلي ولأحمد ومحمد ومحمود
3-بنيتُ بيتًا لعلي وأحمد ومحمد ومحمود
4-بنيتُ لعلي بيتًا ولأحمد ولمحمد ولمحمود
5-بنيتُ لعلي بيتًا ولأحمد ومحمد ومحمود
6-بنيتُ لعلي بيتًا وأحمد ومحمد ومحمود
4 و5 و6 تعني وفق الفهم السليم أنه تم بناء أربعة بيوت، بيت لعلي وبيت لمحمد وبيت لأحمد وبيت لمحمود.
1،2،3 تعني أنه تم بناء بيت واحد لجميعهم.
المثال رقم 3 هو الذي يمنع اللبس مطلقًا.
الأمثلة التي ذكرتها أنا هي ما توازي وتحاكي العبارة القرآنية.
يمكن اعتبار ذلك قاعدة لغوية جديدة تضاف للقواعد النحوية. كمثل قاعدة نفي صيغة المبالغة.
هناك ثلاث اصطلاحات جديدة قد صككتُها، تعبر عن الموقف الذي نتعرض له الآن. وهي:
1-الإنضباط اللغوي
2-الإنضباط المنطقي
3-الإنضباط الجدلي
يمكن إضافة هذه الإصطلاحات الثلاث إلى المنطق وفلسفة اللغة والفلسفة عمومًا.
شكرًا، دكتور محمد.

بارك الله فيك أخي الكريم الفاضل، وشكر لك، وأحسن إليك،
ووفقنا وإياك إلى صحة الفهم وصراحة الإفهام،
آمين!
قلتَ:
“الأمثلة التي ذكرتها أنا هي ما توازي وتحاكي العبارة القرآنية”،
وهذا عجيب؛
إذ الكلمة في أمثلتك نكرة “بيتا”، وهي في الآية معرفة “خمسه”، والضمير عائد على “ما غنمتم من شيء”، الاسم الموصول المعرفة؛ ولهذا مثلثُ أنا بما مثلتُ “هذا البيت…”، والأمر في أمثلتي على ما بينت لك.
ومع ذلك إذا تأملتُ أمثلتك:
1-بنيتُ بيتًا لعلي ولأحمد ولمحمد ولمحمود،
2-بنيتُ بيتًا لعلي ولأحمد ومحمد ومحمود،
3-بنيتُ بيتًا لعلي وأحمد ومحمد ومحمود،
4-بنيتُ لعلي بيتًا ولأحمد ولمحمد ولمحمود،
5-بنيتُ لعلي بيتًا ولأحمد ومحمد ومحمود،
6-بنيتُ لعلي بيتًا وأحمد ومحمد ومحمود-
فهمتُ منها ما فهمتُه من أمثلتي، إلا ما كان من التعريف الذي يلفت المتلقي إلى بيت معين، وقلتُ فيها ما قلتُه في أمثلتي دون أن أخرم منه حرفا!
إن الموازنة -يا أخي الكريم الفاضل- إذا شئت الدقة، كان ينبغي أن تكون بين هاتين العبارتين (القرآنية، فغير القرآنية):
1= “وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَ
ى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ”،
2= وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ خُمُسَهُ”.
وإن من البيان العربي أنه إذا كثرت الفصول قُدّمت عليها الإضافة المتطرفة، لكيلا يثقل الكلام على المتلقي فينصرف عن فهمه. فإذا اتضح هذا وجب أن ننصرف إلى سر ذكر اللام مع بعض الأقسام دون بعض، وإن من البيان العربي أنه إذا كُررت لام الاستحقاق وكان ممكنا ألا تكرر دلّت على زيادة حق المقترن بها على حق غير المقترن بها، ودخول غير المقترن بها في جملة ما اقترن بها، وقد ذكرت لك في فتواي طرفا من هذه الأسرار.
وقلتَ:
“معضلة الستة أخماس الموزعة على ستة كيانات، والمنطقي أن تكون ستة أسداس على ستة، أو خمسة أخماس على خمسة.
وقد كنتُ أحب التنويه إلى ذلك حتى لا يحصل أدنى التباس.
هي ستة أخماس موزعة على ستة كيانات. وليس خُمُس موزع على ستة كيانات”.
وهذا عجيب آخر؛
إذ الآية واضحة في اختصاصها بخمس الغنيمة فقط، فأما أربعة أخماسها فللمقاتلين، وفي ذلك الخمس كانت الأقسام التي في الآية، خمسة كانت هذه الأقسام أو خمسين؛ فإنه لا يغير من أنها أقسام مستحقي خمس الغنيمة فقط!
وأعجب من العجيبين أن تظن بمتلقي القرآن عدم فهم مراده منذ كان إلى الآن!
وقلت:
“يمكن اعتبار ذلك قاعدة لغوية جديدة تضاف للقواعد النحوية. كمثل قاعدة نفي صيغة المبالغة”.
والذي في مقامنا هذا قاعدتان قديمتان، قاعدة ذكر لام الاستحقاق وحذفها من مستحقي الحقوق على صورهما المتعددة المختلفة، وقاعدة التقديم والتأخير على صورهما المتعددة المختلفة.
وقلت:
“هناك ثلاث اصطلاحات جديدة قد صككتُها، تعبر عن الموقف الذي نتعرض له الآن. وهي:
1-الإنضباط اللغوي
2-الإنضباط المنطقي
3-الإنضباط الجدلي
يمكن إضافة هذه الإصطلاحات الثلاث إلى المنطق وفلسفة اللغة والفلسفة عمومًا”.
ولما كانت هذه الاصطلاحات قديمة كذلك -و”انضباط” موصولة الهمزة لا مقطوعتها- كنتَ قد أردتَّ الكناية عن أنني لم ألتزمها لا فيما أفتيتك أولا ولا فيما راجعتك ثانيا!
ولعله تجلى الآن أنني بريء من ذلك،
والله أعلى وأعلم،
والسلام!

شكرًا مرة أخرى لاهتمامك، دكتور محمد.
خُمُسه تعني واحد من خمسة، وهو نكرة.
كنتُ أعلم أنك ستثير هذه الجزئية.
بالمثال يتضح المقال، انظر إلى الصياغة التالية:
1-وزعتُ المال على مستحقيه وبقي الخُمُس، لمن هذا الخُمُس؟…فيجيب المسؤول:
هذا الخمس لمحمد ولأحمد وعلي.
أو يقول:
2-لمحمد هذا الخمس ولأحمد وعلي.
لا فرق بين 1،2. هنا الخمس مُعرف ومعين ولا يوجد احتمال غيره.
الأمثلة التي ذكرتَها حضرتك توازي وتحاكي هذه الصياغة التي ذكرتُها أنا الآن.
الأمثلة التي ذكرتُها أنا في المشاركة السابقة [1،2،3،4،5،6] توازي وتحاكي الصياغة القرآنية.
أرجو أن تكون الصورة قد وضحت أكثر.
العبارة التي أخرتَ فيها لفظ خمسه إلى آخر العبارة هي هي إذا ما أتيتَ بها أول العبارة. أيْ:
1- فأن خمسه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. هي هي:
2-فأن لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل خمسه.
انضباط بهمزة موصولة. أما [الإنضباط] ففيها وجهان، الوصل أو القطع. على ما أعتقد.
أنا لم أقصد إطلاقًا التعريض عن عدم إلتزامك اللغوى الجدلي في الفتوى والنقاش. بل أنت مشكورًا تأخذ من وقتك لتفيدني.
هذه الإصطلاحات هي مفاهيم جديدة توصلت إليها في نسقي الفلسفي. يمكن إضافتها إلى حقول فقه اللغة والمنطق وفلسفة اللغة.
وهي ببساطة مَلَكات فطرية. المنضبط جدليًا [المتمكن من الجدل بصورة فطرية بدون التمرن والدراسة]، المنضبط جدليا هو بالضرور منضبط منطقيا ولغويا، لكن العكس ليس صحيح.
والمنضبط منطقيا هو بالضرورة منضبط لغويا والعكس ليس صحيح.
شكرًا دكتور محمد.

(22) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment