محمد عبد الحميد طحلاوي… بئر المعرفة، للدكتور سمير محمود 


هل تعرفون هذا الاسم؟ لا تستشيروا جوجل، فصاحب الاسم العملاق حاضر بحياء على الشبكة العنكبوتية، إذ يستعيض عن هذا الحضور الافتراضي، بحضور قوي في عقول وقلوب كل من يعرفه. هو كاتب أقوى الكلمات والخطب والأخبار والبحوث والدراسات والتحليلات والمقالات والتقارير، وكل فنون الكتابة على مدى يتجاوز الأربعة عقود، معجون هو بسر وسحر فنون الكتابة والإعلام، ورغم ذلك هو أبرز العازفين عن الإعلام، صوت أعماله وأصداء كتاباته، جواز مروره وترحاله في فضاءات الكتابة الرحبة للشخصيات البارزة؛ أصحاب السمو، أصحاب المعالي الوزراء، رؤساء الشركات، وكبار الشخصيات العامة في المجتمع السعودي. 

قلمه السيّال الرشيق هو سلاحه وجيشه، الذي إن شئت صنفته بين الأوائل في مجال الكتابة المتخصصة الواعية في العالم العربي، خاصة الكتابة في الاقتصاد والأعمال وشؤون النفط والغاز والطاقة والثروة المعدنية، ففي مجال الطاقة كتب نفائس تشبه حبات اللؤلؤ المنثور عبر محطات عمله وسنوات خبرته في مجال الإعلام والعلاقات العامة، التي بدأت منذ أواخر عام 1979م، ولكنها تبلورت منذ التحاقه للعمل بعملاق النفط العالمي شركة أرامكو السعودية في عام 1982م، بعد أربع سنوات فقط من تخرجه في جامعة الملك سعود، حيث عمل بإدارات العلاقات العامة والمطبوعات والنشر، حتى رأس تحرير مجلة القافلة الثقافية ذائعة الصيت، وأدار مجموعة البحوث والاستشارات بشؤون أرامكو السعودية وصار المستشار الأعلى بالمجموعة، وما زال يقدم خبراته حتى اللحظة، لبعض الوزارات، والشخصيات العامة التي حرر وألّف الكتب والسير الذاتية لبعضها. 

حين يحدثك عبر الهاتف، يحتضنك بدفء صوته فتشعر بالسكينة والطمأنينة، وتحس منذ اللحظات الأولى أنك في حضرة أب حنون، أو أخ أكبر، أو صديق ناصح أمين، وقبل هذا وبعده أنت في حضرة الخبير المتخصص، العارف ببواطن أمور موضوع الحديث. 

وحين تلتقي الأستاذ طحلاوي، الذي عبرت جذوره المملكة العربية السعودية، من شرقها إلى غربها، فهو ابن مدينة الخُبر، الغافية في هدوءٍ وجمال على ساحل الخليج العربي، بينما تعود جذور أسرته إلى مدينة ينبع الواقفة في أُبّهة التاريخ والعراقة على ساحل البحر الأحمر، عندما تلتقيه، يحوطك بالبشاشة نفسها، ينصت بتركيز، ويناقش بوعي، ويتحفظ بحياء، ويُعلّق بأدب جم، ويقدِّم، بتواضع، معلومات موثقة متجددة ومتدفقة تزن ثقلها ذهبًا. إذا نصح أخلص، وإذ وعد أوفى، وإن تحدث أستفاض، فلا توقفه مكابح الوقت في الندوات والمنتديات والمجالس. الرضا والقناعة والإيمان والمودة والإنسانية وحب الوطن، مبادئ عريضة حاكمة لمنهج الرجل الذي لخص الشاعر إيليا أبو ماضي مبدأه في الحياة بقوله: 

نظنّ لنا الدنيا وما في رحابِها      وليست لنا إلا كما البحرُ للسُفنِ   

تخصص في دراسة الأدب الإنجليزي، ووقع في عشق الكتابة والإعلام حتى أفترس كلاهما الآخر، افترست الكتابة جل وقته، والتهم هو كل فنون الإعلام والعلاقات العامة حتى صار من أبرز فرسانها. ورغم أن الأستاذ محمد عبد الحميد طحلاوي كتاب مفتوح، إلا أنك تحار في قراءته، وصدق المتنبي حين قال: 

وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً .. تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ 

تحار مع طحلاوي، من أين تبدأ وأين تتوقف لتفكر وتتأمل، هل تبدأ بصفحة اللغة العربية أم الإنجليزية، اللتين يتقن كليهما ببراعة تحدثًا وكتابة؟ أم تتوقف عند صفحة التاريخ، لتستكشف حكّاءً محققاً ومدققاً بامتياز، خاصة تاريخ صناعة النفط عامة، وتاريخ أرامكو السعودية ورموزها ورجالاتها على وجه الخصوص؟ هل تُقلِّب في صفحات الجغرافيا والعلوم والشعوب القبائل لتفهم عاداتها وتقاليدها وتعرفها حق المعرفة؟ أما تقفز لفصول العلوم والثقافة والفنون، وتبحر معه في عوالم الموسيقى والغناء والألحان؟ فالرجل بحر معرفةٍ هادر، يجيد المقامات الموسيقية وعوالم الأصوات والطرب، وبالقدر نفسه هو حارس أمين على سير أساطين مملكة التلاوة، يصنف قراء القرآن الكريم بوعي بامتداد البلدان العربية والإسلامية. 

حيرني أبو بدر! فهل أداعبه ببعض أبيات من الشعر الذي يجيد أوزانه وقوافيه فإن أتيح له المجال أغرقني في بحوره! 

إن تحدّث، تحول لعصفور رشيق يتنقل بين أغصان العلوم والفنون والمعارف بخفة ورشاقة وعمق، يضيف لحلاوة حديثه عذوبة لا تُمل، ويضيف للحضور والمنصتين معلومات جديدة عند كل حديث، يثري الفكر ويحرك الخيال ويبث جرعات من الأمل والتفاؤل والإيجابية تجدد نظرتنا للحياة. 

لقّبوه بذاكرة أرامكو الحية، وقاعدة بيانات متحركة لتاريخها وتطورها، وأحد فرسان منصات الإلقاء، وأبرز نجوم العلاقات العامة، لكنه عندي “عملاق الحرف العربي” المتأثر كثيرًا بـــإبداع وروعة لغة “عميد الأدب العربي”؛  الدكتور طه حسين وكتابه الأيام. أبو بدر، ببساطة، هو الحارس الأمين على الدقة والسلامة، صاحب الكتابات المسؤولة، والمحتوى الواعي المؤثر، والاستشارات الفذة في العلاقات العامة والإعلام، يصدق فيه قول أبو الأسود الدؤلي:  

فَما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمؤتيكَ نُصحَهُ … وَما كُلُّ مؤتٍ نَصحَهُ بِلبيبِ  

هذه أسطر كُتبت على عجل في رمز ثقافي سعودي من العيار الثقيل، جدير بالجامعات السعودية أن تَدرسه كحالة فريدة، وحري بكليات الإعلام والتواصل والعلاقات العامة، أن تقدم تجربته نموذجًا فريدًا في الممارسة الاحترافية الأخلاقية الإبداعية للعلاقات العامة، في الشركات والوزرات والمشروعات العملاقة، ولكل المطالبين بالاهتمام بالإعلام البترولي في المملكة ودول الخليج العربية، أقول: هنا في المملكة العربية السعودية، كشف بشري مذهل، بئر نفط من نوع آخر، بئر معرفة ووعي متدفق ومتجدد، كنز إنساني اسمه “محمد عبد الحميد طحلاوي”، فاغتنموه! 

(31) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment