المعرب والدخيل بين وادي المعاول والنخيل، للدكتور طارق سليمان


كان يوما جميلا حافلا بالأحداث والمواقف الطيبة، فقد لبيت دعوة أخينا الفاضل الكريم الدكتور خالد الكندي، لإلقاء محاضرة بدعوة من مدرسة القرآن، مدرسة الشيخ هلال بن ناصر المعولي، بجامع ناصر بن سيف المعولي، بمرتفعات حبراء، بوادي المعاول، في الثالث عشر من رمضان ١٤٤٣هـ، الخامس عشر من إبريل ٢٠٢٢م، بعد صلاة الجمعة. فاخترت موضوع “المُعَرَّب والدخيل في الحديث النبوي الشريف، دراسة في التأصيل اللغوي والدلالي” ورحب بهذا الموضوع الدكتور خالد. وقد اخترنا أخانا الفاضل الكريم الدكتور عمر صديق رفيقا للرحلة؛ فكان خير رفيق، وخير معين، وأفضل مشجع على الخير، وموجها أمينًا مأمونًا. وأراد صاحباي الحبيبان الدكتور عمرو راضي والدكتور طلال شعبان، الحضور وأعدا عدته، لكن حالت بعض المشكلات الصحية للدكتور عمرو بينه وبين الحضور، فعاد معه الدكتور طلال، وحرمنا من صحبتهما، وتشريفهما. وقد فاق توقعي ما لاقيت من احتفاء الدكتور خالد وأهل المسجد الكرام بنا وبشاشتهم وأخلاقهم الكريمة المعهودة من أهل عمان. وزادني دهشة وإعجابًا ما وجدت من امتلاء المسجد لاستماع المحاضرة كبارا وصغارا شبابا وشيوخا بالهيئة العمانية المهيبة الوقورة، وحالة الشغف والعطش لسماع العلم، فتشجعت من بعد هيبة، وتقويت من بعد توتر. واجتهدت في أن أبسط مضمون المحاضرة، وأن أتجنب الكلام الأكاديمي المعقد، وأن أنبه على ما يهم المسلمين من الموضوع، وما ينبغي لهم أن يلتفتوا إليه. وقد أطلت بعض الوقت – من وجهة نظري – ودخلت تقريبا في الدقيقة الأربعين، ولم ألحظ مللا أو انشغالا من الحضور الكرام. وما أن وصلت إلى ختام المحاضرة حتى وجدت إقبالا بالتحية والشكر والثناء من عدد من الحاضرين، جنبا إلى جنب مع أعضاء إدارة المسجد والدكتور خالد والدكتور عمر، وجاءني بعضهم بأسئلة دقيقة جديرة بالاعتبار عن بعض ما أثارته المحاضرة؛ فزادني إعجابا وامتنانا لدقة الملاحظات وعظيم الاهتمام. وكان من طرائف هذا اليوم أننا ذهبنا في صحبة الدكتور خالد، بعد أربع ساعات تقريبا من انتهاء المحاضرة، إلى بعض محلات بيع الحلوى العمانية، فإذا بصاحب المكان يتوجه إليَّ وكأنه يعرفني، وحياني وأثنى على المحاضرة، فقد كان ممن صلوا صلاة الجمعة، وحضروا المحاضرة في المسجد، فحمدت الله تعالى على توفيقه وعظيم منته وتأييده. وكان برنامج الدعوة حافلا فقد زرنا المدرسة القرآنية، الصرح العلمي الكبير، مدرسة الشيخ ناصر بن هلال المعولي، رحمه الله وجعل هذه الأعمال ثقالا في ميزان حسناته؛ فعجبنا من ضخامة المبنى وفخامته كأنه كلية من الكليات الكبرى، وبهرنا الإنفاق السخي خدمة للقرآن وللمسلمين. وبعد الصلاة سرنا على منهج برنامج الزيارات لمعالم مدينتي وادي المعاول ونخل، فزرنا القلعة، ولكن كانت مغلقة للصيانة، وزرنا بعض المعالم السياحية مثل الحارة القديمة، التي اصطحبنا فيها الشاب الخلوق إمام المسجد الفاضل الكريم أحمد بن حمد معولي الذي لا يقل شأنا وذاكرة ولباقة وعلما عن المرشدين السياحين. وصاحبنا على مدار الرحلة الشاب الخلوق الإمام والإداري المعلم الفاضل الكريم أبو شيماء وشهد، حمد بن عبد الله بن صبحي، الذي استضافنا في بيته وأكرم وفادتنا وأفطرنا عنده إفطارًا شهيا وسخيا، تسبقُ قِراهُ بشاشتُهُ وجميلُ خُلُقِهِ. وكان مما زرناه العين الثوارة بجمالها وسحرها وأتحفنا الدكتور خالد بحكاياته الجميلة الممتعة وذكريات طفولته وشبابه في المكان، ورأينا بيت العائلة الكريمة العريقة، وبيوت بعض الأخوال الكبار القامة من ذوي الشأن، وبعض المزارع لذوي الأرحام. ثم حان وقت صلاة العصر، فذهبنا إلى مسجد السلطان قابوس الأكبر، رحم الله صاحبه وطيب ثراه، وجزاه عن شعبه والمسلمين خير الجزاء، فلم يُثْنَ على سلطان أو ملك بعد وفاته، كما يُثْنَى على السلطان قابوس، ولم أر حبا، ووفاء، كحب العمانيين لسلطانهم، ووفائهم له، وهو جدير بذلك وأهل له، ولا أدل على الحب والوفاء أكثر من رحيل المحبوب، وانتفاء الشك أو النفاق. وصلينا العصر خلف إمام شاب جميل الوجه حسن الصوت، ظهر جمال صوته أكثر في قراءته لدرسه بعد الصلاة، وبعد ختام الصلاة والدعاء، إذا بالدكتور خالد يعرفنا بالإمام الخنجري، وإذا به من ذوي رحمه، ومن أهله الطيبين؛ فأطلعنا على مكتبة المسجد العامرة، وجلسنا بين كتبها بعض الوقت، كما بهرتنا قاعة الدرس في المسجد، وكيف جُهزت على أعلى طراز تقني، فجهاز العرض في السقف لا تراه ولا يظهر إلا بجهاز التحكم عن بعد، وكذلك لوحة العرض بالتحكم الإلكتروني، والكراسي فخمة حنوة، والمكان مريح للأعصاب، مؤنس للنفس، جنبا إلى جنب مع سبورة إضافية للكتابة اليدوية للمعلم أو المعلمة، ناهيك عن فخامة كل شيء في مساجد السلطان قابوس، فإنك قد تقف عند كل باب على حدة تتلمسه بهدوء لتشعر بنعومته، ودقة صنعته، وكأنك أمام لوحة فنية قائمة بذاتها، لتشعر بالفخامة والبهاء من نوع الأخشاب التي صنعت منها هذه الأبواب. وبعد الإلحاح على إكمال البرنامج، خرجنا من مسجد السلطان قابوس، وما كنا نريد، ثم مررنا بالزيارة على بعض مصانع الحلوى العمانية الشهية الفاخرة. كما زرنا بعض الوديان ونظرنا واستمتعنا بمناظر الخضرة وأنواع الأشجار النادرة والأفلاج ومنابع المياه من العيون المتدفقة. وقبل صلاة المغرب اصطحبنا أبو شيماء إلى داره العامرة الجميلة، وأطلعنا على مكتبته المليئة بكتب الفقه والتفسير والتراث، ثم أفطرنا وذهبنا إلى الصلاة في المسجد القريب – بالسيارة – من البيت، وبعد صلاة المغرب عادوا بنا إلى العشاء، وكنتُ أظنني قد أفطرت وانتهى الأمر، لكنها العادات العمانية، فما كان كل ما قُدِّمَ من تمر وقهوة وعصائر وفاكهة متنوعة من بطيخ وبرتقال وجوافة وبرقوق ومانجو وغير ذلك ومن سمبوسة وجلاش ولقيمات الحلوى؛ إلا مقبلات أو فاتح شهية لا غير، أما العشاء فكان لحم غنم بالأرز والمكسرات، وما يتعلق بها من مرق أو عصير الطماطم المفلفل غالبا. ولو كنت أعلم ذلك لما أكثرت من المقبلات، ولكن لحم الغنم لم يسلم مني على الرغم ذلك، ولم ننس الدعاء لأبي شيماء بعد كل هذا الحفل الحافل. ولم ينته الاحتفاء عند هذا الحد، بل فوجئنا بهدايا الحلوى العمانية من الدكتور خالد في انتظار توديعنا. فماذا نملك، مع كل هذه الأخلاق الكريمة والكرم والذوق واللباقة واللياقة، أن نفعل أو نقول؟ فما نوفيهم شكرا ولا جزاء ولا مكافأة! فجزاهم الله عنا خير الجزاء، وشَكَرَ لهم جميعا، وجعله في ميزان حسناتهم ثقيلا يوم القيامة، ونفع بهم، وبأخلاقهم وبعلمهم وبعملهم، المسلمين؛ وشَكَرَ لرفيق الرحلة الدكتور عمر خير معين، وخير صاحب، وخير رفيق، الذي أعانني على صلاتي العشاء والقيام في الطريق، ودون انتظار الوصول إلى مسقط، خوفا من فوات وقتهما في جماعة، فصليناهما في مسجد بركاء الصناعية. فجزى الله الجميع: الداعي، والرفيق، والمضيف، والمرشد، وإدارتي المسجد والمدرسة، والمصلين الحضور الكرام من أهل وادي المعاول ومرتفعات حبراء، ومن أهل نخل، والعمانيين جميعا؛ خير الجزاء، وحفظ لهم وفيهم وعليهم هذه الأخلاق الجميلة والكرم، ورضي عنهم وأرضاهم، هو نعم المولى ونعم النصير.

(122) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment