مقام السرقة 


نصح خلف الأحمر لأبي نواس حين استدلَّه على سبيل الشعر، أن يحفظ من تراثه ثم أن ينسى ما حفظه؛ فإنه بعدئذ يجد الشعر. ولا أظن أنه أراد بنسيانه ما حفظه أن يفقد أثره من وعيه الباطن وكأنه لم يكن؛ كيف وقد نصحه من قبل أن يحفظ منه ما استطاع، وكلما ازداد محفوظه ازدادت مقدرته! ولكنه أراد أن يجعله خلفه لا أمامه؛ فعندئذ يرى رأي نفسه لا رأي غيره، فيقول شعر نفسه لا شعر غيره. ولعل اتخاذ النَّصِّيِّين المعاصرين ذلك عقيدة ثابتة فيما يرونه معايير النصية التي لا تقوم للنص قائمة ولا تنسب إليه قيمة إلا بها، أن يكون وراء اختصاص “التَّناصّ” بسُبع هذه المعايير السبعة؛ إذ فيه تتنادى النصوص وتتكامل، ويدل بعضها على بعض، وينصر بعضها بعضًا، وهو ما لم ينكره أدباؤنا القدماء شعراء وكتابا ونقادا، ولكنهم تعارفوا على تسميته “سرقة”، غير متحرجين من هذه التسمية، بل ربما افتخروا بها، ولاسيما أنها عندهم سرقات متعددة مختلفة، يجعل بعضُها السارقَ أصلح من المسروق! 

ولقد كنت عثرت في “أغاني” الأصفهاني على أخبار شديدة اللطافة، اشتجر فيها الفن والعلم، والسَّخَر والطرب، والهزل والجد، اصطفيت منها ما سلسلت به سلسلتي “منمنمات على جدران المجالس العربية”، التي لم أكن أجاوز فيها نقل النص وتدقيقه وضبطه وترقيمه وعنونته، حتى أغراني بعض قرائها بأن أجاوز ذلك، فبدأت بما سميته “عقوق الشعراء”، وكان في سرقة سلم الخاسر من شعر أستاذه بشار بن برد -وهو بمنزلة ما نصح خلف الأحمر لأبي نواس أن يحفظه ثم ينساه قبل طلب الشعر- وغَضَبِ بشار عليه ثم رِضاه عنه، وما بين غضبه ورضاه مما استبطنتُ من سروره به! وتتبعت موارد هذه السرقة، حتى وجدت ابن الأثير في “المثل السائر”، جعلها أُمَّ بابها القائم على “أَنْ يُؤْخَذَ الْمَعْنى وَيُسْبَكَ سَبْكًا موجَزًا، وَذلِكَ مِنْ أَحْسَنِ السَّرِقاتِ، لِما فيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بَسْطَةِ النّاظِمِ فِي الْقَوْلِ، وَسَعَةِ باعِه فِي الْبَلاغَةِ”، وجَمَعَ إليها فيه تسعة أمثلة أخرى، ردَّدتُّ بينها النظر حتى استصفيتُ منها أربعة (مثال بشار وسلم، ثم مثال أبي نواس وابن الرومي، ثم مثال ابن الرومي وابن قسيم، ثم مثال أبي العتاهية وأبي تمام). 

إنها إذن مسألة “إيجاز السَّبك بين بَسطة القول وسَعة البلاغة”، التي ينبغي فيها تأمل “مقادير المقاطع والكلم”، و”الخصائص العروضية الوزنية”، و”الخصائص العروضية القافوية”، و”بنية التقابل الواحدة المستمرة”، و”معالم بِنَى التقابل في الأمثلة الأربعة”، توصلا إلى تَجْلِيَةِ وجوهٍ من قدرة اللغة العربية على توليد أطوارها بعضها من بعض، تَوْليدًا صَحيحًا نافِعًا ناجِحًا- ووجوهٍ من تلاقي الأعمال الفنية العربية السالفة والخالفة على ما يقتضيه استيعابُ حركة الثقافة العربية الإسلامية، لا حركةِ غيرِها، مهما تكن عالَميَّتها أو عَوْلَمَتُها! تلك خطوة خامسة في سبيل التطبيق النصي العروضي، خرجتُ بها من ضيق الموازنة المغلقة -التي افتتنتُ بها، وما زلتُ!- إلى سعة الموازنة المفتوحة، إيمانا بالحضارة العربية الإسلامية، التي لا يؤمن بها إلا من يُخلص لثقافتها، ولا يُخلص لثقافتها إلا من ينقطع لاستيعابها، ولا ينقطع لاستيعابها إلا من يَدأَبُ على النظر في مسائل لغتها، لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ. 

(51) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment