سردي والواقعية السحرية، للسيد شعبان جادو


!لايحسن بالكاتب أن يسطر عن عالم غريب عنه لم ينتم إليه، كل جزئيات الحياة تصلح أن تكون مفردات سردية، في عالمي كثير من الخيال، حكايات تداولها الراحلون زمن الضنى، كنت مستمعا فلم أعرف الحكي دون مبرر، اختزنت أساطير الأجداد.في القرى ملامح للحياة أوشكت على الاختفاء. حين يدونها أحدنا يحولها من الحكي إلى السرد، تصبح مادة لغوية يجري عليها الدرس، لاتعنى الواقعية السحرية بتلك الخرافات والأساطير في إطارها الموروث بل تعمد إلى مزج الخيال بالواقع، تهبه لمسة فنية جمالية ليكون أقرب إلى المتعة التى تظل حتى حين! حين أمسكت بالقلم لأسرد لم أكن أعي أنني أكتب على نهج الواقعية السحرية، كنت أعالج مادة مختزنة في عقول وعلى ألسنة الحكائين الذين أمدوني بالكثير منها، كانت الحياة الغافية وراء التلال وقريبا من مواطن الطفولة تجر أذيالها حيث غيلان التغير العبثي تلتهم صورة الماضي وآثاره، قلت لأمسك بقلمي بقايا الأجداد عل القادمين بعدا يقولون من هنا مر آباؤنا!رأيت رواد الكتابة السحرية في عالمنا العربي ينطلقون من عوالمهم، نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف وزياد مطيع دماج والطيب صالح، هؤلاء كتبوا عن عالم عرفوه وعايشوا شخوصه بل مرت عليهم أحداثه.ظل نجيب يدون وقائع الحارة في ثلاثينيات القرن الماضي متخذا من أسرارها وأحداثها نماذج للسرد فعل منيف في خماسيته مدن الملح مثله، خيري شلبي قدم شباس عمير في الوتد كذلك ماركيز حين ظل مائة عام يحكي عن ماكندو قريته التي عاشتها جدته أرسولا حكيا شفاهيا، نحن نسرد خشية عوامل التعرية للذات البشرية، ترى من يعرف بأجدادنا غيرنا؟ كفر مجر تلك القرية الغافية عند ضفة النيل ترى من يذكر ناسها وأحوالهم، أحداث وصراعات وحكايات وأجداد راقصوا الهموم ولاعبوا الفقر بعصيهم، مواسم الحصاد واجتماع في الموالد وحول كيمان القمح والنورج يهرس أعواد القمح، أغنيات الصبايا حين يقطفن لوزات القطن، والحياة تتوقد جمرا في صيف بؤنة، الزغبية والنهر والهراس وأبوطيفة والعمدة عبدالمجيد ودوار الهنادوة وقطار الدلتا، ألا تصلح حكاية السواقي العطشى والنهر يغازل بمائه شاطيء الكفر لتدون في سرديات؟تمتليء الحارات بنماذج من الحكي، حتى إذا ارتحل السارد إلى أمكنة أخرى كانت مادة جديدة، شارع شبرا ودسوق لاتنام وصفة دقاز ومصر عتيقة، ورسالة إلى ماركيز وسيدنا الخضر، كل هذه سرديات تصلح أن تكون تأريخا لكتاباتي وامتدادا لعوالمي بين بدو وحضر، لست خطيب منبر أقدم الوعظ بل أشبه بساحر يعبث بمفردات معجمه، يحلو للكثيرين أن يروني مجذوبا! ربما كانوا محقين في هذا؛ فالفتنة بعالم الحكي جنوح إلى الشاطيء الآخر، يحمل أحدنا روحه على سنان قلمه، ثمة متربص بالنص، يضع أدلة القيد على ظلال المفردات التي تتأبى على الردهات المظلمة والأقبية التي لاتزورها أشعة الشمس!غير أن سردي لايعني أنني الرواي العليم، ذلك ابتسار الحكاية يذهب بها بعيدا، ربما أكون من يحرك الدمى فوق خشبة المسرح لكنها في لحظة تنتمي إلى الجمهور، تلامس واقعهم وتخاطب أحلامهم، مفرداتي من لغة مختزنة آن لها أن تنطلق من أسر المعجم إلى امتداد اللغة.لا أجد من متعة تعدل ذلك السرد الذي يراقص الشفاة، يفتح كوة في الجدار لتدخل أشعة ذهبية تذيب الركام.لم يكن القلم مرضيا عنه في أي زمن، إنه يثير غضب ساكن القلعة الحجرية.شتان مابين السرد والسيرة الذاتية؛ فالأول قاعدي والثانية جنوح لايحده إطار. أجمل الأعمال الأدببة جاء من حياة صاحبها، لم يقلد غيره ولاتماهى في شكل لاينتمي إليه؛ تحمل بصمة صاحبة بل تدل عليه، أننكر أن محجوب عبدالدايم والسيد أحمد عبدالجواد، زهرة وإحسان شحاته رموز أبدعها العم نجيب محفوظ؟هكذا الروائع في السرد.

(8) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment