بهاء طاهر في دفاتري القديمة، للدكتور سمير محمود


تأسرني الأعمال الإبداعية الكتابية من مقالات وأشعار وقصص وروايات، وأحتفظ بهوامش واقتباسات ومقولات أتوقف عندها وأعود إليها بدفاتري وكتبي القديمة، لأخلق لنفسي دومًا مساحات حرية في التفكير قبل التأويل، النقاش قبل الحكم والتصديق، الوعي ثم الوعي قبل التسليم والاستسلام، وهكذا تظل دفاتري القديمة جزءًا أصيلًا من صندوقي الأسود، أعود إليها مرارًا وتكرارًا لا بمنطق التاجر إن أفلس، إذ أرى فيها طاقة عابرة للزمن، تجدد الفكر وتشحن الخيال بتصورات تفوق كل خيالات العالم.

في عام 1988 تعرفت عوالم القاص والروائي الكاتب والأديب المترجم بهاء طاهر؛ بدأت العلاقة بدعابة في أوساطنا نحن طلاب كلية الإعلام جامعة القاهرة، وقتها كنا على موعد مع محاضرات في الأدب العربي، يمتعنا بها الراحل الناقد الكبير الدكتور سيد البحرواي، يعاونه في تفصيل ما استعصى على الفهم تلميذه المعيد البارز آنذاك خيري أبو دومة، والتطبيق على مختارات من الشعر والقصة والرواية.

سألني أحد زملاء الدفعة الدحيحة: “عندنا إيه في الأدب النهارده”؟

رددت بحماسة: “أنا الملك جئت”.

فرد بسرعة: ” وأنا الطالب اتفرست”!، تعبيرًا عن غيظه وضيقه بالنص الذي يبدو أنه لم يستوعبه في حينه وهو أبرز حفيظة الدفعة وأوائلها!

بهذه الدعابة التي علقت بذهني وذاكرتي حتى اللحظة، بدأت علاقتي ببهاء طاهر، علاقة قارئ مشغوف بأديب مبدع، واستمرت بمحادثات هاتفية كل حين عبر الهاتف الأرضي، سيد التواصل عن بعد في ذلك الزمان، ولم تنته العلاقة بموعد لقاء اعتذر عن إلغائه بهاء ولم يتم قطّ!

وقتها كنا ندرس بعض النصوص من المجموعة القصصية “بالأمس حلمت بك” و” أنا الملك جئت” ورواية “قالت ضحى”، تذكرت هذه الأعمال دون بقية مؤلفات صاحب “واحة الغروب” و”خالتي صفية والدير” و”الحب في المنفى” وغيرها، وكأنه لم يكتب إلا الأعمال الثلاثة التي درستها واختبرت فيها وحصلت على تقدير ممتاز، تذكرت شريط الذكريات حينما شرفني الزميل حسام مصطفى إبراهيم بدعوتي للكتابة عن راهب القصة والرواية، ليعيدني إلى ثورة وفورة شبابي محملًا ببساطة وعفوية تساؤلاتي التي لا تنتهي وتعليقاتي المحفورة على جدران ذاكرتي وهوامش كتبي وفاتري القديمة، فهرولت لها علها تسعفني، فتحت رواية “قالت ضحى”، فوجدت مصر هناك دائمًا وأبدًا لم تخلف وعدها ولا موعدها معي، تبوح بوطن الستينيات الحالم في أعقاب ثورة 1952، وما أكثر الأحلام التي تولد من رحم الثورات وتوأد على أطلالها، مخلفة خيبات أمل لا تبقي ولا تذر، تتوحش لتبتلع أمامها كل شيء: النقاء الثوري، وأحلام البسطاء والمقهورين، والغد المشرق، والنهوض، وبتر الفساد وقطع رأس الأفعى، وحالات الفرز التي تكشف الحالمين والطامعين كما تفضح المتفرجين، وصولًا لذروة الكفر بالأحلام، والثورة على الثورة نفسها، أي ثورة وكل ثورة وما أشبه الليلة بالبارحة!

من يبحر في عالم بهاء طاهر الروائي وبخاصة “قالت ضحى” يظن – وبعض الظن إثم – أنه خلافًا للصنعة الروائية المحكمة، واللغة الواقعية الساحرة، والفلسفة التي يؤمن بها ويضخها في مفاصل الأحداث وشرايين الشخصيات فتنعكس بهاءً على الحوارات والسردية البديعة، أن عجلة الزمان قد توقفت لعقود منذ الخمسينيات، أو أن التاريخ قد أعطانا ظهره ومضى ليعود إلينا بشحمه ولحمه وناسه وأحداثه وإن تغيرت الوجوه وتبدلت الأسماء، وقفز على السطح لصوص جدد، لسرقة الأعمار وقتل الأحلام، لصوص تمنحنا شعورًا وهميًّا بانتصارات زائفة في حياة لا تشبه الحياة.

من بين هوامشي أحتفظ بقراءات لما صاغه طاهر صياغة جواهرجي يغزل عقودا من الألماس في وصف الظلم والقهر والعدل الغائب، إلى حد سلب الحياة وحجب الجمال:

“آلاف الناس يصفعون كل يوم ولكن قليلا منهم من يشعر بالإهانة أو الغضب. قليل منهم يا سيد من يصيبهم ذلك المرض الذي أصاب أباك والذي يصيبك أنت الآن. مرض العدل”.

وتتحدث مصر أو ضحى لتعمق وعينا بالقهر والظلم فتسأل:

“قالت ضحى: وماذا تقصد أنت بالشر؟

لم أفكر في هذا من قبل الآن… ولكن أظن أنني طول عمري أكره القهر. قهر الإنسان بالفقر وقهره بالخوف، وأهم من ذلك قهره بالجهل. أن يعيش الإنسان ويموت دون أن يعرف أن في الدنيا علمًا فاته وجمالًا فاته وحياة لم يعشها أبدًا”.

وفي هذه الأجواء لا يجد البعض حلًّا سوى الهروب بالانتحار، لكنهم بهذا الفعل، يفصحون عن موتهم القديم الذي تفصح عنه رائحة الجثة، يقول طاهر:”عندما تقرر الانتحار تكون وقتها قد مُت بالفعل. ما ينقذونه بعد ذلك لا يكون هو أنت ولكن جثتك”!

طاهر الذي تفصح مواقفه السياسية المعلنة طيلة حياته الحافلة عن وطنيته وثوريته الكامنة، وإن أخفتها طبيعته البسيطة الهادئة، فقد تكرر خروجه ثائرًا ضد الاستعمار الإنجليزي في مصر والفرنسي في الجزائر وقبلهما ضد الاجتياح الصهيوني لفلسطين قبل عقود طويلة، كما أعلن رفضه لتلطخ يد الرئيس الراحل مبارك بدماء المصريين، الذي دفعه إلى رد جائزة مبارك – أرفع الجوائز الأدبية بمصر – والتي كان قد نالها في عام 2009، مؤكدًا شعوره بارتياح بالغ لرد جائزة تحمل اسم رأس النظام الذي أهدر دماء المصريين، وعن الثورة على الظلم أتوقف عند آخر هوامش دفاتري القديمة، بهذا الاقتباس من “قالت ضحي”:

“الظلم.. لا يبيد.. ما الحل؟

-أن تحدث ثورة على الظلم؟

نعم تحدث تلك الثورة… يغضب الناس فيقودهم ثوار يعدون الناس بالعدل وبالعصر الذهبي، ويبدأون كما قال سيد: يقطعون رأس الحية… ولكن سواء كان هذا الرأس اسمه لويس السادس عشر أو فاروق الأول أو نوري السعيد، فإن جسم الحية، على عكس الشائع، لا يموت، يظل هناك، تحت الأرض، يتخفى، يلد عشرين رأسًا بدلًا من الرأس الذي ضاع، ثم يطلع من جديد. واحد من هذه الرؤوس اسمه حماية الثورة من أعدائها، وسواء كان اسم هذا الرأس روبسيير أو بيريا فهو لا يقضي، بالضبط، إلا على أصدقاء الثورة. ورأس آخر اسمه الاستقرار، وباسم الاستقرار يجب أن يعود كل شيء كما كان قبل الثورة ذاتها. تلد الحية رأسًا جديدًا. وسواء كان اسم هذا الرمز نابليون بونابرت أو ستالين فهو يتوج الظلم من جديد باسم مصلحة الشعب. يصبح لذلك اسم جديد، الضرورة المرحلية… الظلم المؤقت إلى حين تحقيق رسالة الثورة. وفي هذه الظروف يصبح لطالب العدل اسم جديد يصبح يساريًّا أو يمينيًّا أو كافرًا أو عدوًّا للشعب بحسب الظروف”.

وهكذا وصف طاهر ببراعة حالات الاستقطاب والتخوين المصاحبة للثورة في الخمسينيات، وصفًا يليق بما حدث وبما يحدث وبما سوف يحدث بعد ألف ثورة وألف عام، فالرجل يؤمن إيمانًا يقينيًّا أن الحية لا تموت أبدًا، وأنه “لا يضيع الدنيا الذين مع أو الذين ضد.. لكن يضيعها المتفرجون”، لهذا لا يكل ولا يمل طيلة مسيرته الأدبية الحافلة، من طلب العدل بكل السبل حتى إنه يتشرف بكونه مرضًا اختص به الله بني البشر دون غيرهم:

“طلب العدل مرض، لكنه المرض الوحيد الذي لا يصيب الحيوانات”!

د. سمير محمود

Logo70@gmail.com

(87) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment