الروائية الجزائرية فضيلة ملهاق تزلزل ضمير العالم، للدكتور سمير محمود


في روايتها حينما تشتهيك الحياة”: 

الروائية الجزائرية فضيلة ملهاق تزلزل ضمير العالم! 

لدى قراءتي لرواية “حينما تشتهيك الحياة”، الصادرة حديثا عن دار العين المصرية، للروائية والشاعرة الجزائرية المتجددة فضيلة ملهاق، لمست مساحات فضاء بكر للإبداع في التناول والعمق في الطرح والسرد والإشكاليات المتشابكة بين الذاتي والموضوعي، ومحوره الإنسان الكوني، لمحت تصادم خطوط الطول بخطوط العرض، وتلاطم أمواج الشمال العاتية ورياح البحار العالية وهي تهشم الرؤوس وتبتلع أحلام البشر أبناء الجنوب الذي يحتضر، لمحت المدينة العربية الرمزية، وكأنها مدينة كل العرب وعاصمة الأحزان والخيبات، فتلك الرواية هي بجدارة صوت بل صرخة الضمير العربي الواعي، ضد الفساد والظلم والقهر والاغتراب الذي صار تيمة تلاحق الإنسان في قلب وطنه قبل أن تأخذه بأحزانه إلى أعماق المنافي، في سردية غرائبية بديعة من الرومانسية الحالمة والواقعية النازفة. 

” أنْ تَشْتَهي الحياة فهذا هو المُعْتادُ في البَشَر، 

لكِنْ أن تَشْتهيكَ الحيَاة، فذلك هو السِّر الّذي يستحقُّ عَناءَ اكْتِشافِه.” 

بهذه العبارات الساحرة، تباغتنا الروائية والشاعرة الجزائرية فضيلة ملهاق عبر روايتها “حينما تشتهيك الحياة”، الصادرة حديثا عن دار العين المصرية، إذ تقدم للقراء منذ الوهلة الأولى غير المعتاد، فتدعونا إلى تجربة متفردة، تنقلب فيها الرهانات، طارحة السؤال السحري: أين تصبح الحياة هي التي تشتهينا وتسعى إلينا، بدلًا من أن نسعى نحن إليها ونركض خلف رغباتنا فيها؟  

بنت ملهاق النسيج السردي لروايتها على مجموعة من الوقائع والأحداث المتداخلة، التي أتقنت المؤلفة حبكتها وبنيانها بإحكام، ابتداءً من الانتقاء الرمزي لمكان الرواية مدينة “الليمونة”، مدينة من مدن الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، يمكن أن تتجسد في أي بلد من بلدان العالم الثالث، وتقفّي أثر مجموعة من شبابها الذين يقررون الهجرة السرية، هروبا من حياة تفتقد لمتطلبات أحلامهم، وتُزيّن لهم فكرة أن يلقوا بثقل تطلعاتهم في عرض البحر بلا بوصلة. 

   تكشف الرواية تدريجيا عن خارطة خَفيّة للوجود في عالمنا المعاصر، تبدأ معالمها في الظهور من فوق، على متن طائرة العودة إلى الوطن، وإلى الذات المطمورة، في إشارة إلى المصائر العالقة ما بين العُلو والسُّفل، وفي الأعماق، على مسافة من الأماني والأهداف، أين تقتطع لنا ذاكرة حميد حماد، الراوي وأحد أبطال الرواية، تذكرة لأحاسيس بعيدة، مختومة بهواجس الحاضر، يقول عنها:  

“تسحبُني مُخيِّلتي إلى الوراء، بينما عيناي يُسايران اندفاع الطّائرة نحو الأعلى! 

    أهمُّ ما يشغلُنا، منذ أن نولد، هو كيف نستمرُّ إلى الأمام، والحقيقة هو أن معظم حياتِنا ركضٌ إلى الخَلْف … كثيرا ما تقطعُ بِنا قراراتُنا مسافات وأشواطًا، بينما أعْيُنُنا مُثبّتةٌ في الوَراء. 

   قد تكون في ذلك مأساتُنا، مثلما قد تكون في ذلك سعادتُنا، فما الحياة سوى نظر، وما النّظر سوى انعكاسِنا في مرآة لحْظةٍ ما”.

    كلما توغل القارئ في أحداث الرواية يزداد شعوره بأنه يتعرض لعملية اختراق ناعم، لا مفر منها، وكأنه أمام مرآة متعددة الانعكاسات، أو ميكروسكوب عملاق، يكشف له تفاصيل جديدة عن الإنسان، فهي تستدرجنا خلال 429 صفحة من الحجم المتوسط إلى مخابر الحلم والواقع، بجرأة لا تخلو من الوعي، والانتقاء الدقيق للعبارات والمشاهد. 

    نحن أمام عمل روائي عابر للحدود، ومتعدد الأمكنة والأزمنة، والأحاسيس، ينطلق ببراعة متناهية بأحاسيس القارئ من عمق حي “العُلَّيْق”، حي بائس يقع في قلب مدينة (الليمونة)، ويجعله يجوب العالم بأسره، غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، ليتحدث بلسان المشرق العربي ومغربه، ويناقش مسلمات غربية، ويحضر مجالس مغلقة لقوى عظمى، ويخترق تنظيمات سرية .. وينشر خرائط الكهوف التاريخية البعيدة التي تحتفظ بها قصور العالم المعاصر، التي شُيدت من دماء الشعوب المطحونة وجيوبها. 

     العالم في قارب! 

      تتكئ الرواية على تحليل مجهري لظاهرة الهجرة السرية (الحَرْقة)، وتُصوّر بدقة كيف تتقاذف أمواج البحار، والتواطؤ، أبناء العالم الثالث، من عرب وأفارقة وقادمين من مختلف مناطق المعاناة، بلا هوادة ولا رحمة ولا بوصلة، وتكشف عن تلك العلاقات المتشعبة بين رموز فساد الداخل في الأوطان، يمثلها “منور” رئيس البلدية وشبكة من العاملين على تسفير الشباب في هجرتهم السرية، وصولا إلى وحوش الخارج من كل جنس ولون، رموز عولمة استعباد الشعوب وإذلالها.  

جاءت الهجرة السرية في هذه الرواية خلفية لموضوع أوسع، وأعمق، تتجاذبه ضفَّتان، تتقابلان جغرافيا وتاريخيا، وكل واحدة منهما تترصّد الأخرى وتترقّبها بعين الاشتهاء والرّغبة، والنّفور أيضا، في ترابط غرائبي لأدوار خَفيّة ومُعلنة، مَطيّتها الإنسان، فذلك القارب البسيط، الخارج ظاهريًّا عن المشروع، هو من جهة أخرى نقطة محورية، تدور حولها شرعية عالم غرائبي، يستثير أسئلة تطرح نفسها تدريجيا في الرواية التي تجعلنا نعايش عن كثب، حياة اللاجئين في أوروبا ومآسيهم، وما يعانونه من ارتباك وشعور بالقهر وعدم الاستقرار، جاء على لسان حميد في مشهد مربك جمعه هو ورفاقه بشخص غامض يدعى “لورانس” فرض عليهم موقفا مُريبا:  

 ” كان كل شيء يبعث على الرّيبة وأنا أقول لعقلي:  

 “لا تُحدّثني عن هذه اللحظة لأنني لا أملكها، ولا تسلني عن التي تليها لأنني لا أعرفها، لا تستعجل موتي بالهواجس”!

وفي رصد تراكمات العلاقة بين الشمال والجنوب، يقول حميد في إحدى إطلالاته على عالم الأحلام من الجو: 

“سويسرا المحايدة الجميلة الهادئة، ليست دائما كذلك بالنسبة لنا، نحن الشعوب المنهوبة الجيوب، المكتومة الأنفاس … المسروقة الآمال”.

الحكايات والشخصيات بُنيت ببراعة فائقة، يستوقفنا بعضها بأنين المهاجرين ونزفهم، يقول المهاجر الإفريقي (يارادو) في بوحه لرفاقه:  

“اعتبرني من أي منطقة من مناطق أفريقيا المنكوبة، التي قست عليها الطبيعة، وقلوب البشر. بالنسبة لي أجمل أماكن الدنيا هي تلك التي توفر لنا الأمن والبقاء”.

         تلك الرائحة! 

      تبرع الروائية في وصف العلاقة الثلاثية (الوطن، الاغتراب، الغربة)، وتجرّ أطرافها في مشاهد متسلسلة إلى ساحة الحصاد، حصاد الأزمنة، والظروف، والرّغبات، وتكشف عن حالات ارتباك قصوى، بين حب الوطن والشعور بالقهر، يتجلى ذلك في بوح حميد، بعد زمن من الأحلام والخيبات، في وطن لا يستوعب أحلامه، وغربة تتحايل عليه بأحلام المواطنة:  

“عشت معظم حياتي أقلب وجهي في المنافي، أبحث عن وطن، وها أنا ذا الآن مَنْفى في قلب الوطن”!   

 وجع الذات المثقل بأوجاع الوطن يتكرر وكأنه مستنسخ بطابعة،  في حكاية عاصم العراقي مع ( شيلافا) البولندية، وخيباته مع خطيبته زهرة التي أجبره أخوها هدام (في إشارة إلى الهدم والتشريد) على تركها، واستغلاله لها في تحقيق منافع شخصية، وفي وجع شحاتة المصري  على أرضه وأهله الذين اضطر للابتعاد عنهم، ومأساة  معتز  السّوري التي تتنقل معه حيثما ذهب، وموقف خولة زوجته الخليجية من مكان وضع مولودتهما، وفي ذلك دلالات عميقة عن ارتباك الأوضاع، وتباين الاختيارات والقرارات السائدة حاليًّا في الأمة العربية، والتي عبر عنها منجي التونسي، في مشهد فراق ذي دلالة، حين وضع ساعة يده في يد أحد رفاقه وقال:  

“قيل لي يوما إنها ساعة الحظ، وأظنّ أن الحظّ يد وليس ساعة، أرجو أنّ نبقى يدًا واحدة، مهما تفرّقت بنا السُّبُل! ” 

       الشعور بالاغتراب في هذه الرواية متعدد الأوجه، وعنه يقول (جون) الفرنسي ذو الأصول الهولندية، أحد المقيمين في الجناح الجنوبي من بنسيون “كوكي”: “كيف ستكون عاقبة هذه الحضارة العظيمة إذا استمررنا نتقدّم نحو الآلة، ونتراجع عن الإنسان”؟ رائحة الخيانة والفساد تزكم الأنوف والآمال؛ إذ يسيطر فساد الحاضر، وذبول والماضي، ليفرضا غموض المستقبل، تشهد على ذلك شجرة زيتون ضخمة غير مثمرة (الحوشية)، تتصدّر مدخل حي (العليق)، فهي تكتنز الكثير من الأسرار، عن الفرص الضائعة والأحلام المحطّمة والحقوق المهدرة، فهي شجرة للهوية المجروحة، والآلام المتجذرة، والأحلام التي تعيش في عقم مزمن، وعلى غرارها تحيط رائحة القاذورات والمخلفات بالمهاجرين السّريين في وسائل نقل وتهريب الشباب بين المدن الأوروبية.. ورائحة الموت ولون الدم، والعنف والقتل والاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، تسيطر على عموم أنشطة التنظيم السري الغامض، الذي يتفاجؤون بوجودهم في قلبه. 

     الفساد يصل في (الليمونة) إلى أعلى المستويات، يمثله “فاروق” وأمثاله، الذين يرعون ويدعمون نموذج “منور” الفاسد، ويؤسسون لأوضاع تنتهك فيها القيم بالمسميات، فيختبئ الزعيم (نافع) خلف قناع المصلحة الوطنية، وتبرّر (لورا) خداعها لحميد بالظروف، ويستبيح (إدوارد) قطعة من جسده، كُليته، باسم حمايته، في إشارة عميقة إلى الثمن الذي باتت تدفعه الشعوب المغلوبة على أمرها لقاء أمنها، ويعرض (زاك) على حميد التحالف، باسم التاريخ والعشرة، ويكون ضده، في إشارة إلى وهم المصير المشترك. 

      لكن رائحة الوطن والانتماء قوية وطاغية، فهو الملاذ والدرع والمبتغى، وفي ذلك يحتدم الصراع، على جميع المستويات، ويحاول حميد وموسى وسعيدة وسامي ومنعم وخولة ومعتز وعاصم  … النفاذ بمخزونهم من المبادئ وحب الوطن، إلى حياتهم المرغوبة بأخف الخسائر، فتظهر صعوبة المعادلة وتبدأ رؤوس الأثمان تطل من الأجندات المتوارية في الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. 

     الرمزية وإعادة بناء العالم   

    اللافت في هذه الرواية، من بدايتها إلى نهايتها، هو أنها مبنية على مجموعة من الألغاز والرموز، ويتعين على القارئ أن يواكب تسلسل الأحداث، ليصل إلى الحلقة المفقودة، ويفك الشّفرات التي تعرض عليه تدريجيًّا، فهي تخاطب عقله وقلبه في الوقت نفسه، وقد قامت الروائية من خلالها بتفكيك ظواهر واقعنا وخباياه، وأعادت تصفيفه كقطع البازل، باختلاق رموز ومستويات من السلطة لتنظيم سرّي غامض،  يتخذ التفاحة المنهوشة شعارًا له – لا حظ التّناص مع تفّاحة الخطيئة الأولى – هذا العالم يدير الأمور من خلال أدوات بسيطة ورموز، وقد جعلت لأعضائه مستويات ودرجات وتسميات، من نسيج فكرها وخيالها، بتشويق وإثارة تناسب غموض هذا العالم السّري: الأنبيدي والموزغ والكولوم والأوكولوس والمانيبوس، وميثاق الأكتيمو والأكتيموري.. 

          نجد في ذلك  الرمز الكاشف لعوار الليمونة وفسادها – نموذجا لأي مدينة عربية  أو مدينة من مدن العالم المسمى مجازا سائرا في طريق النمو- ابتداءً بانتقاء أسماء رمزية دالة لشخصيات الرواية بعناية فائقة؛ فالبطلة سعيدة رمز السعادة المفقودة، والبطل حميد حماد رمز الرضا والحمد والقبول، أما الإسقاطات الرمزية الدالة على فساد الداخل، فمعها برزت مسميات خاصة: حزب “نظافتنا” وعلى رأسه زهير رسلان فاسد قديم ومتورط في سلسلة قضايا ومخالفات مبانٍ، وحزب “القفزة” في دلالة على قفز الفاسدين على حساب عموم الشعب المطحون، وعلى رأسه إبراهيم الفار، المثقف الفقير الذي كان ينادي بإزالة الفوارق بين الطبقات، وفجأة انقلب وتحول إلى الرأسمالية بعد أن صار من أثرياء الليمونة! 

    على مستوى الأماكن “حي النعيم “، “العُلّيْق”، “الحرير”… وبنسيون “كوكي” رمز العدالة المفقودة والتمييز الفج بين شمال العالم وجنوبه، في صورة غرف وأجنحة وصفت الرواية ببراعة مستويات الإقامة فيها وأبعادها، ونوّهت بأن أسعارها تتفاوت حسب النزلاء. كما يظهر عمق وجع الانسان، في ظل تجاذبات المصالح بين الشمال والجنوب، في مشهد يقف فيه ناصر، أحد المستغلّين لحميد قهرا، أمام أحد أغلى محلات الساعات في أوروبا، ويعرض عليه أن يهديه إحداها، فيدير حميد ظهره للواجهة المرصّعة بالمعروضات المُغرية، ويقول بنبرة مُحبَطة: 

”   لست أميل إلى لُبْس السّاعات، خاصة الباهظة الثّمن، تُشعرني بما يُقتطع من أعْمارنا، برُخص”.

     تبرع الروائية في وصف حالة فايزة التي تواطأ عليها زوجها هو و(إدوارد) وجعلها تخسر ملامحها الطبيعية، لمجرد أن يحتفظ بابنها، وفي ذلك إشارة قوية إلى التواطؤ على الهوية واغتصاب ملامح الشعوب، بيد الأقربين قبل الأغراب، كما سلطت الرواية ضوءًا ناعمًا على بعض الطابوهات، مثل الدعارة والمثلية الجنسية والشذوذ، وانتهاك جسد المرأة ونهشها والعلاقات الحميمية، دون أن تصدم عين القارئ أو تفقد السرد جاذبيته وإثارته وواقعيّته وتشويقه، وتلك معادلة صعبة حقّقتها فضيلة ملهاق بنضج ووعي نادرين، وبشكل يخدم سياق الرواية. 

    تتواصل رحلة الهجرة السرية، وتتهدم بيوت وتسرق أحلام، ويفجع حميد بمقتل شقيقه سامي على يد التنظيم الغامض الذي يزعجه بروز عقل نابغ في عالمنا الثالث، ويرجع لأحضان الليمونة التي شهدت ما يشبه الصّحوة، عبر ثورة تطهير وملاحقة لرموز الفساد، وتبدأ أصعب لحظات مواجهة الذات كما في الرواية: 

” ينظر حميد لمرآة بيته القديم ويردد: “وجهي هذا أم غريمي؟ إنّه يُواجهني بلا حرج بالتّفاصيل التي أتحاشاها غالبا! الرّأس غزاه الشيب، والروح امتلأت بالندبات والأحلام تبخر منها ما تبخر، وتجسد كثير منها في شكل لم أقصده”.

        رُّومانسية حالمة وواقعيّة نّازفة!  

    لا تخلو الرواية من خط درامي ينتصر للرومانسية والعلاقات الإنسانية الراقية، بما فيها من علاقات أسرية واجتماعية، وفي ذلك تقفز صداقة موسى وحميد فوق الظروف والزّمن، وتتعزّز بصداقات أخرى تمتد إلى اختيار حياة مشتركة، وبدايات جديدة، في انحياز واضح  للتقدم الآمن والتعايش السّلمي، ونضج الهدف من الحياة. 

    تنسج الرواية في سياقها مشاهد للعواطف الصادقة والحب البريء، جمعت حميدًا بسعيدة، ومعتزًّا بخولة … وموسى بمهدية التي ظل يحارب من أجلها سنوات، من بعيد، ومن الرواية نقرأ: 

” انجذبت إليها انجذاب غوّاص إلى الأعماق البعيدة. 

   وجدت جمالا لم أكن أحسن النظر إليه، وأناقة لم تتأتّ لي قبلًا فرصة إدراكها، غير أناقة المظهر. إنها أناقة حسية … أناقة اللسان … والفكر …  والأسلوب.  كانت تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتفاعل مع أحاسيسي، وكيف ومتى تتجاهلها!  

كأنّها تَدارسَتْني في مخبر مُتخصّص، وأحسنت تشخيص سبب تيهاني، فوضى رغباتي، ثمّ عملت على إعادة ترتيبي قِطعة قِطعة”!

    اللافت أيضا أن الروائية فضيلة ملهاق قدّمت حكايات النّساء المقهورات اللاتي تدهس الظروف والذهنيات الرجعيّة أبسط حقوقهن، بعيدا عن شعارات المساواة الشكلية المضللة، فهي تستعرض جراح كل من المرأة والرجل باعتبارها جراح الإنسان، وترى المساواة المُثلى في احتفاظ كل واحد منهما بميزاته ومكانته، وقد برعت، في كل مواضع الرواية وفصولها الستة والثلاثين، في صك مقولات مفعمة بالقيم والمبادئ الإنسانية، منحوتة كدستور وميثاق مقاومة، مواده الحق والعدل والحب والخير والجمال. 

      نحن أمام عوالم سردية بديعة وقدرات كتابية فائقة لقلم من العيار الثقيل، مساحة إبداعية خصبة لم تكتشف بعد لإمعان صاحبتها في التخفّي، إلا أن أعمالها الإبداعية تضعها في قلب الضوء لتدل عليها، فقد صدر للروائية والشاعرة الجزائرية فضيلة ملهاق روايات منها : “ذاكرة هجرتها الألوان” ولعنة اليربوع” و” رميم” ومجموعات قصصية منها:  “الطباشير “وخارج مجال التعرية” و”للرسم … غير قابلة للعرض”، ومجموعات شعرية منها: “مارد من عصر الحجر”،” “قهوة باردة”، “سبورة أفلاطون”، “الفيفا تستحم في الجزيرة”، “امقورش في الجامعة”، “المذبوحة والمسلوخة… والمقطعة”، “رائحة البرميل”، “حُزنك أكبر منك ومنّي”، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في القانون وشهادة المدرسة العليا للقضاء وشهادة الدراسات العليا المتخصصة في الدبلوماسية، وشهادات عليا كثيرة من الجزائر وخارجها. 

د. سمير محمود 

Logo70@gmail.com 

(28) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment