يا لغتاه (4)


أَيا جارَتا إِنّا أَديبانِ هاهُنا وَكُلُّ أَديبٍ لِلْأَديبِ نَسيبُ
لكأني بي واقفا على امْرِئِ القَيْسِ مِنْ قَبْلِ أن ينتهى إلى مُخَلَّدِهِ، أُحَرِّفُ له بيتَه؛ فيعجبُه التَّحريف، ويُدْهِشُهُ مَجْمَعُ ما بيني وبينه على انفراط الدهور؛ فأُذَكِّرُهُ ثلاثة الأعمالِ الكِبارِ التي نَظَمَ بها أَدَبَه، أَنَّني تمسكتُ بها أصولًا لغوية تفكيرية لا أزيغ عنها حياةً؛ فَدَفَقَتْهُ في أوردتي؛ فيستنكر الاستطالة عليه؛ فأفصِّلها له وكأنْ مجلسي بالجامعة قد انعَقَدَ، مُتَذَمِّمًا من انعكاس المقامين:
أولها التحديدُ-يا مولانا- وبه كنتَ تُقلّب مادة الكلام العربي حتى يظهر لك ما تريد. وثانيها الترتيبُ، وبه كنتَ تُقدّم من هذا الظاهر وتؤخر، حتى يستقر لك ما تريد. وثالثها التهذيبُ، وبه كنت تحذف من هذا المستقر وتضيف، حتى ينفرد لك ما تريد، رائدك في كلٍّ منها العَروض الذي طَرِبتَ له أوَّلًا؛ فأقبلتَ تُغَنّيه ومَعازِفُك مفرداتُ الكلام العربي المبين.
فيُقْسم بهواه – قاتله الله!-:
إنْ خطرَت لي تلك الأعمالُ ببال!
فأقسم بربّي -سبحانه، وتعالى!-:
إلّا تكن خَطَرَتْ لك أسماءً، لقد خَطَرْتَ بها أفعالا!
فيُطْرِقُ منشدا:
“بَكى صاحِبي لمّا رَأى الدَّرْبَ دونَهُ وَأَيْقَنَ أَنّا لاحِقانِ بِقَيْصَرا
فَقُلْتُ لَه لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمـوتَ فَنُعْذَرا”،
نَدَمًا أَنْ لم يَنْتَجِبْ للرِّحْلة؛ فَانْقَطَعَ، وأنْ كانت إلى قَيْصَرٍ؛ فَاسْتَعْجَمَ!
نعم؛ فمن مجلسي هذا الآن في عَيْلَم (مكتبي في جزيرة الروضة، من القاهرة الباهرة)، أستطيع أن أتلوَ ما تيسر من القرآن الكريم والشعر النفيس والنثر الشريف، فأسمعَ أصواتا عدد النجم والحصى والتراب، تُردّد ما أصبتُ، أو تكمّل ما نقصتُ، أو تصوّب ما أخطأتُ- وإن كنت أخشى أن تتبدَّل مخارجُها وصفاتُها، فتنتسخ -معاذ الله!- وتمتسخ!
ثم نعم؛ فقد درجَت هذه الأمة من قديم، على ألا يتجاوز أبناؤها طفولتهم حتى يستوعبوا من الكلام العربي المبين، ما يؤيدهم في مقامات الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة جميعا معا، ولعل من ذلك ما أُثِر عن العرب قبل الإسلام من إرسال أطفالهم مُدَّة مَديدة، إلى قبائلَ غيرِ قبائلهم، ينهلون من مناهلها صفو الفصاحة والبلاغة واللَّقانة، وهو ما جعلته من مناهج التأليف في العربية قبل القرآن الكريم، بهذه المحاضرة:
https://mogasaqr.com/…/%d9%85%d8%b3%d8%ac%d9%84-%d9%85…/
لقد انتجع المتنبي قديما بلاد فارس، وقال فيها نونيته البديعة:
“مَغَاني الشِّعْبِ طِيبًا في المَغَاني بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ
وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيَّ فِيهَا غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ”؛
فلم يكد يتجاوز بانبهاره بيت مطلعها، حتى نَغَّصَه فيما وَلِيَه بالاستيحاش من العُجمة! وهو بلا ريب ألطف ذوقا من ذلك البدويّ الذي قال في مثل حاله:
“لَعَنَ اللهُ بِلادًا لَيْسَ فِيهَا عَرَبٌ”!
ولعله لو مر اليوم في طريقه من إحدى المدن الأعجمية، فسمع العربية- لهربَ مِن متكلمها!

(23) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment