ضمير المخمل للعماني عبدالله الكعبي: قصائد شعرية في الغزل والعاطفة للمرأة، لحسام معروف


يركز الشاعر العماني عبدالله الكعبي، على نقل الحس العاطفي من خلال قصائده الممزوجة بالغزل والوصف لجماليات الجسد الأنثوي، مبينا التيه والتعلق، ويُظهر اللجوء للتلاحم بالأقرباء من بعد ذلك في مجموعته الشعرية الرابعة ”ضمير المخمل“، الصادرة عن دار شمس للترجمة والنشر 2021.

ويقدم الكعبي في مجموعته على طريقة التفعيلة، تأملاته حول الحب، واللحظة التي تمضي بسرعة البرق خلاله، ويكتب عن الجنون وانفلات العقل بشكله الجمالي، كما يوصف مشاعر الحالمين، الذين يطالهم الصوت البعيد، ويناديهم إلى عالم مغاير للواقع.

ويطال نص الكعبي الحنين إلى الماضي من خلال استعادة الصور المخزنة في الذاكرة، والإضافة عليها بأدوات خياله، فيعود لوقت الطفولة ومشاهدها النقية النابعة من قلب لم يتعكر بالشوائب.

دفء العائلة

ويتحدث الشاعر عن المسافات والعمر، حيث يبين كيف أن العمر يمضي سريعا، بينما تبقى المسافات هي الفواصل العنيدة، وتبعد الإنسان عن شبابه، وترمي به إلى شيخوخته وحيدا، معبرا عن ذلك بالتساؤلات بما فيها الوجودية.

كما ويلمح الشاعر إلى خصوصية الدفء بمرافقة العائلة، بما اعتمد عليه من عناصر شعرية بما في ذلك الحنين للحظات التلاحم الاجتماعي، ناقدا بشكل تلميحي التباعد الطبقي، وانهيار فكرة الضمير الإنساني.

الرجال جبال

ويظهر الكعبي النظرة الاجتماعية الشرقية تجاه الرجل، بما يوصف به من قبل المجتمع، بأنه ”جمل المحامل“، فيكون السائد في وصف الرجل بصفات الشموخ والكبرياء والقدرة على التحمل، حيث يؤكد في شعره على أن ”الرجال جبال“، لربما لم يكن إقرارا منه بذلك، وإنما نقد للفكرة.

ويكثر الشاعر من التمني في قصائده، وهو ما يظهر في كثرة استخدامه لأسلوب النداء خلال النص، كما واستخدم كلمات أخرى تدلل على الإرادة في الحب والوصول للحبيبة.

لغة مفخمة

ولطالما اعتمد الشاعر على اللغة الجزلة المفخمة، لكنه حافظ في ذلك على وضوح المعنى، فعلى طريقة ”السهل الممتنع“، أتاح للقارئ التوغل فيه والإبحار في تأويلاته الخاصة.

كما وداوم الكعبي على التعمق بالروح والعاطفة، بتوصيف الربط العذري بين الحبيبين، فيما استخدم في قصائده التقاطات الغزل الجسدي القائم على وصف مفاتن الجسد، على طريقة الغزل العاطفي، الذي يوصف حبيبته فقط دون امرأة غيرها، من خلال تأملاته الخاصة على مدار 50 قصيدة توزعت على 72 صفحة من القطع المتوسط.

غنائية

ويميل الكعبي في جانب من قصائده إلى الغنائية، حيث تبرز موسيقى النص، في القوافي المستخدمة للكلمات آخر الجمل. كما ويركز على الجانب الحسي في نقل البؤرة الشعرية لديه، حيث تتركز في نصه المشاعر الثقيلة تجاه الآخر، بما يمتلكه النص من معاني التمني والحنين والدعوة للرجوع، كما ويسترجع النص ذاكرة شفافة في خيال الشاعر حول الحبيب، وتأملات لتفاصيل شديدة الخصوصية لدى الأنثى، تتجلى من خلالها الدفقات الشعورية الغزلية الغالبة على النص.

ويكتب الشاعر في نص ”غزليّات“:

”بشعرك عطر جميل ومحبس،
بحضنك قلبي وروحي،
عناق لطيف سيعجز فينا الكلام كطفل توجس،
عيونك كل المعارك كل الصحاري،
وكل الجبال وكل الأراضي،
فهيا تعالي ولفّي اليدين وخلي الشفاه تذوب،
وعودي إليّ بشَعر طويل بجسمي تنفّس“.

سينمائية

وفي قصيدة ”مشاهد“، يعتمد الشاعر تقنيات السينما في عرض نصه، وكأنما مادة فنية بين يديه تخضع لديكوباج فني، حيث تتقطع المشاهد خطوة خطوة، وفي كل مشهد يقدم الكعبي من خلال الجملة الشعرية، توصيفًا لغويًا مكثفًا للمشهد.

حيث يقول في المشهد 4:
”يزور القبور،
ويحثو رمالًا وورودًا،
قراءة ما كتب الأقدمون
تنعّم بوقتِك“.

ففي المنطقة الفاصلة ما بين الموت والحياة، في المقبرة، هنالك فرصة للقاء الأقدمين الذين غادروا هذا العالم، هذه المساحة من التأمل، يقدمها الشاعر كأداة إيحاء حول الموت والحياة، ويترك المجال للقارئ بأن يتخيل معه، ويكمل المشهد السينمائي الذي صنعه، فماذا يقول الحي للميت، والعكس؟

وفي المشهد الخامس من النص، يعود الشاعر للحظة الأبدية مع الحب، وعلى الرغم من اختصاره العالم بكلمة واحدة، إلا أنه يستهل المشهد بمساحة هيولية تعرض كافة سياقات الحياة، من خلال تشبيه الكلمات بالجبال، والتأكيد أن لكل شخص دوره على مسرح الحياة الهيولي، تظهر أجساد وتختفي، وتأتي أصوات وتذهب، فيما هو يؤدي دوره الخالص بالحب.

ويكتب الكعبي:

”على خشب المسرح،
الكلمات جبال،
سأحفظ دوري القصير،
أحبّك“.

الشاعر والبيئة

ويتضح تأثر الشاعر بالبيئة المحيطة، إذ تبرز صفات الطبيعة الصحراوية في النص، من خلال استخدامه كلمات مثل النخل، والرمال، والقطة.

ويعتمد الكعبي في نصه على الدمج بين الشعور البشري وأدوات الطبيعة لتوصيف مشهد التأثر، مستخدمًا ضمير الغائب في ذلك، كأنه مشهدًا حركيًا صامتًا، الحركات في الصورة هي أداة الشعر، فهي الموصفة للحيرة والتيه والاشتياق والشرود، الحالة التي أراد الشاعر نقلها شعريًا.

حيث يكتب الشاعر في نص ”نخلة وبعد“:

كالنخلة مُتجّه،
وكالقبلات مرتبك
يحيط شروده
تلك الرمال وحيدة،
ما بين إصبعه حكايا قطة
هل تخنق الأحلام ما تجد؟
بسباته عرافة تاهت،
كأن قيامة الأوقات قافلة،
كأن ملاذها الأحشاء والكبد“.

(24) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment