اللغة والهوية بين الاستلاب الحضاري واستعادة الوعي (خصائص اللغة العربية الشاعرة)، لمعتز زاهر


خصوصية اللغة العربية:

اللغة- كما قال ابن جني في خصائصه-: أصوات يُعبر بها كُلُّ قومٍ عن أغراضهم”([1])، وهي (فُعلةٌ) من (لغوت) أي تكلمت، أصلها (لُغوة)، وقيل أصلها (لُغَي) أو (لُغوٌ)، والهاء عِوض، وجمعها (لُغىً)، وفي المُحكم: الجمع (لغات) و(لُغون)… والنسبة إليها (لُغويّ)، ولا تقل: (لَغويٌ)…”([2])

https://ruyaa.cc/Page/8581/

ولم يَرِدْ لفظ اللغة في القرآن الكريم بهذا المعنى الاصطلاحي وإنما ورد بمعنى (اللغو)، وهو ما لا يُعتد به من كلامٍ وغيره، كما ورد بمعنى الإثم في الحلف والأيمان، أو هو ما لا يُعقد عليه القلب، قال تعالى:” لا يُؤاخِذُكم اللهُ باللَّغْوِ في أَيمانكم”. أما اللفظ المأثور المعتمد في القرآن للغة فهو(اللسان)، قال تعالى:”وهذا لسان عربي مبين”، وقال:” لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين”، وقال:” وهذا كتاب مصدِّق لساناً عربياً”.

وقد أرجع بعضُ الباحثين سبب تسمية لغة القرآن باللسان العربي المبين إلى أن لغة القرآن الكريم ليست في الواقع (لهجة) عربية واحدة- وإن غلبت عليها لهجة قريش- بل هي مجموعة اللهجات العربية التي استخدمت أداة التعريف (أل) في بداية الاسم، ومثلت طوراً متقدماً من أطوار التطور اللغوي من حيث الفصاحة والبيان، وهي الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وصارت- بعد تسيد لهجة قريش عليها- لغة عربية موحدة أُطلق عليها فيما بعد: اللغة العربية الفصحى.([3])‏

وقد أثرت خصوصيةُ اللغة العربية روحياً وتركيبياً تأثيراً كبيراً في خصوصية الثقافة العربية والأدب العربي؛ فقد كان استيعاب اللغة العربية للقرآن الكريم عاملاً روحياً بعيد الأثر في صبغ الثقافة والحضارة العربية بصبغة دينية دنيوية منقطعة النظير، كما كانت خصائص اللغة العربية التركيبية عاملاً بعيد الأثر في تفرد الأدب العربي بجماليات يندر وجود مثيل لها في آداب الأمم الأخرى حتى كاد الأدب العربي أن ينفرد بمنهج (التذوق) الذي يقوم أول ما يقوم على أساس من استعذاب الكلمة المفردة والجملة المنسقة ومراعاة نظم الكلمات لفظاً ومعنى.

واللغة في الأمة أساس وحدتها ومرآة حضارتها، هي الوعاء الذي يستوعب فكرها وثقافتها، وهي السلك الذي ينظم ما أنتجه شعبٌ من نفائس وصور، وهي الجسر الذي تعبر عليه التجارب الإنسانية من جيل السلف إلى جيل الخلف، وهي الصورة الثابتة لثروات الأمة الفكرية والحضارية والدينية، وهي المقوم الصلب الذي لا تقوم حضارة أمة أو ثقافة شعب دون أساس ثابت منه؛ فرقي لغة من اللغات هو عنوان رقي أصحابها، كما أن انحطاط لغة من اللغات هو عنوان انحطاط أصحابها أيضاً.([4])

ولا يصدق هذا الأمر على أمة صدقه على الأمة العربية؛ فاللغة العربية هي التي حملت علم العرب الأول الذي لم يكن لهم علمٌ أصح منه، وهو الشعر الذي حوى مفاخرهم وأخلاقهم، وسجل وقائعهم وأيامهم، وعبر عن آمالهم وآلامهم.

إلا أن هذه اللغة على ما كانت عليه من الاستواء والقوة لم تتجاوز شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم تصل في أغلب الأحيان إلا إلى أطراف تلك الجزيرة مع رحلات العرب التجارية في الشتاء والصيف؛ وعلى هذا فقد ظلت تلك اللغة في العصر الجاهلي وما قبله حبيسة الجزيرة العربية محصورة فيها، وقد كان ذلك عاملاً من العوامل التي ساعدت على نضجها واكتمالها لسلامتها من الاختلاط بغيرها من اللغات التي تمتلك قوة حضارية ضاربة، فكأن الله جل وعلا- لأمرٍ سبق في علمه- حفظها من تأثيرات اللغات الحضارية التي ربما كانت ستسلبها بعض خصوصيتها فتضعف أو تذوي قبل أن يشتد عودها وتمتلك أسباب المقاومة بظهور الإسلام ونزول القرآن.

فلما جاء الإسلام وقدر الله للعرب أن يخرجوا من عزلتهم وجاهليتهم وأن يقرعوا باب التاريخ وأن يتسلموا مشعل الحضارة الإنسانية ، خرجوا يحملون عقيدتهم ولغتهم التي اكتمل نموها وبلغت الغاية في البيان. وفي أقل من قرن من الزمان استطاعت هذه اللغة البدوية أن تواكب باكتمالها هذا مسيرة الحضارة التي خطا أهلها فيها خطوات واسعة، وأن تتصدى لكل التحديات التي جابهتها في الأقطار المجاورة، وأن تدحر كل اللغات المحلية التي لا تقوى على مجابهتها والصمود لها، وأن تفرض سيادتها على منطقة الشرق الأدنى والأوسط وأطرافهما.([5])

واللغة العربية تتميز عن لغات الأرض قديمها وحديثها بميزتين أساسيتين هما: القِدَمٌ والحفظ؛ فليس ثمة لغة من اللغات الحالية هي أقدم من اللغة العربية بصورتها التي وُلدت بها وثبتت عليها، وليس ثمة لغة من اللغات الحالية تكفل الله بحفظها حين تكفل بحفظ كتابه الكريم الذي نزل بها سوى اللغة العربية، وليس ثمة لغة من اللغات الحالية يقرأ أبناؤها ما أنتجته قرائح أسلافهم- شعراً ونثراً- منذ ما يقارب الألفي سنة أو يزيد؛ فيفهموه على وجهه الصحيح سوى اللغة العربية، ولو لم يكن لها من الفضل سوى هاتين الميزتين لكفاها ذلك فضلاً ورفعة وشرفاً على كل اللغات.

وقد كانت هاتان الميزتان دافعاً قوياً لكثير من الباحثين لاعتبار اللغة العربية أصل اللغات كلها وأُمَّاً لها، وأن اللغات جميعها قديمها وحديثها كانت بمثابة لهجات تفرعت عن العربية كما تفرعت الشعوب والقبائل عن أصل واحد. ونحن- وإن لم نكن نؤمن بذلك إيماناً قاطعاً لصعوبة إثبات هذه الفرضية الآن إثباتاً علمياً- إلا أننا لا نُغفل أهمية بعض الأدلة التي قدمها هؤلاء على صحة هذه الفرضية وصوابها من خلال مقارنة كلمات الطبيعة والإنسانية البحتة في اللغة الإنجليزية بما اعتبروه أصلاً عربياً لها، معتمدين في ذلك على لغات قبائل العرب القديمة ولغة قريش. ([6])

وقد كان لنزول القرآن بلغة قريش فضل عظيم عليها مما عزز من سيادتها وثبت دعائمها وقوى سلطانها وزادها ضبطاً وإحكاماً؛ فغزرت مادتها واتسعت أغراضها وارتقت معانيها وأخيلتها وأساليبها، ووعت ما في القرآن من حكم وأحكام وتشريعات ونظم ومواعظ وأخبار، وصار القرآن حافظاً لها من الضياع مما جعلها أهلاً لأن تحمل هذه الرسالة السامية إلى شتى بقاع العالم.([7])

ولو فُرض أن القرآن الكريم نزل كغيره من الكتب المقدسة أحكاماً وأوامر ونواهٍ ووعداً ووعيداً، ولم يتحر هذا الأسلوب الراقي والبيان المعجز والبلاغة الفائقة لكان من الممكن أن تزول هذه اللغة بعد أن يضعف العنصر الذي يتعصب لها على أنها لغته القومية، وفي اللغة العبرية ما يؤكد هذا؛ فإنها- وهي لغة كتاب مقدس- صارت إلى ذمة التاريخ لأنها لم تكن تملك في ذاتها قابلية للتطور من جهة، ولم يكن نسق التوراة التي نزلت بها كنسق القرآن الذي نزل بالعربية من جهة أخرى.([8])، وليست اللغة اللاتينية عنا ببعيدة؛ فقد كانت لغة حضارة وسطوة وقوة فبقيت أثراً بعد عين. وذلك عكس العربية التي لم تكن لها هذه القوة وتلك المنعة، ولم تكن لغة حضارة وصناعة، إنما كانت لغة صحراء وأمية بكل ما تفرضه بيئة الصحراء من بساطة وضيق عيش وبُعدٍ عن العلوم والمعارف، ثم إن العرب قد تعرضوا للحروب والدمار كغيرهم ولكن ما زالت لغتهم قوية ساطعة تنبض بالحيوية والنشاط، وما ذلك إلا بفضل القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه فحفظ به اللغة التي نزلت به، ولم يتكفل بحفظ غيره من الكتب المقدسة فبادت اللغة التي نزلت فيها واندثرت.(‏[9])

وعند البحث المقارن في تاريخ اللغات العلمية سنجد أن العربية الفصيحة كان لها أكبر نصيب عرفته لغة في سعة الانتشار في العالم منذ فجر التاريخ حتى عصر النهضة الأوروبية الحديثة؛ ففي عصور ازدهار الحضارة الإسلامية ومنذ أن تألقت تلك الحضارة فغدت درة في مفرق الزمان؛ استوعبت تلك الحضارة في هذه الفترة كل ما سبقها من حضارات

وعند البحث المقارن في تاريخ اللغات العلمية سنجد أن العربية الفصيحة كان لها أكبر نصيب عرفته لغة في سعة الانتشار في العالم منذ فجر التاريخ حتى عصر النهضة الأوروبية الحديثة؛ ففي عصور ازدهار الحضارة الإسلامية ومنذ أن تألقت تلك الحضارة فغدت درة في مفرق الزمان؛ استوعبت تلك الحضارة في هذه الفترة كل ما سبقها من حضارات؛ فانصهرت في بوتقتها حضارات الشرق كلها؛ كالحضارة الفارسية والهندية والصينية، وحضارات الغرب كلها؛ كالحضارة اليونانية والبيزنطية والرومانية الغربية، وامتد مع هذا السلطان الحضاري السلطان اللغوي فسادت اللغة العربية أغلب بقاع العالم القديم وبرزت لغة عملاقة تضاءلت أمامها كل لغات الأمم خلال فترة لا تقل عن خمسة قرون، وفي هذه الفترة ترجمت إليها خلاصات الفكر اليوناني والفارسي والهندي فاستوعبتها جميعاً وأبرت بها.([10])

ولا يعود ذلك للفرضية المشهورة عن تغلب لغة الغالب على لغة المغلوب؛ ولكنه يعود لخصوصيةٍ وقوةٍ انفردت بها هذه اللغة في تاريخها وبنيتها وسعة مفرداتها واشتقاقاتها عما سواها من لغات العالم. وقد كانت خصوصية هذه اللغة عاملاً مهماً في خصوصية الحضارة والثقافة العربيتين حيث صبغتهما بخصائصها وطبعتهما بطابعها وأمدتهما بمدد من روحها الحية المتجددة التي لم تقف عاجزة في مرحلة من مراحل تطورها عن مواكبتهما وإمدادهما بما يحتاجان من مصطلحات علمية وفكرية شكلت بنية الثقافة العربية وروح حضارتها.

وقد كان من الفوائد التاريخية لهذه اللغة أنها لم تُكتب أو تسجل؛ لأنها لغةُ أمةٍ أمية لا تَقرأ ولا تَكتب ، وقد يظن المتعجل أن ذلك عاملٌ سلبيٌ في تاريخ اللغة، إلا أنه عند النظر المدقق سنجد أن عدم كتابة هذه اللغة حفظها من الضياع؛ فلو كتبت لما تغيرت أو تطورت، ولثبتت على نسق واحد، شأنها في ذلك شأن لغات الحضارات القديمة التي ثبتت على نمط واحد دون تطوير؛ لأن أهلها كتبوا قواعدها وأصولها، فأصبح من الصعوبة بمكان أن تدخل هذه اللغات تحت سنة التطور والتدرج للأفضل.([11])

أما العربية فلم تُكتب وإنما التصقت بألسنة أهلها على مر الزمن وتتابعت التطورات فيها منذ يعرب بن قحطان الذي يُروى أنه صاحب التهذيب الأول فيها،  مروراً بإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام الذي أدخل التهذيب الثاني إليها، وانتهاءً بقريش التي أدخلت التهذيب الثالث تدريجياً بانتخابها أليق الأساليب من لغات قبائل العرب التي كانت تفد عليهم كل عام حتى باتت لغة قريش لغةَ الأدب والشعر والخطابة بين العرب، وأصبحت بلا منازع أفصح تلك اللغات، ثم كان التهذيب الرابع الذي جرى على يد علماء البصرة والكوفة في العصرين الأموي والعباسي وما صاحب ذلك من وضع قواعد النحو والصرف لضبط الاستخدام بقوانين تحتذي عند القياس وما شذ عن ذلك جعلوه سماعياً.([12])

وقد بلغت قريش بالتهذيب الثالث للغة ذروة البيان والفصاحة والوضوح والبلاغة ، ولم يعد بعد الذروة إلا الهبوط والانحطاط؛ فنزل القرآن الكريم ليحفظها ويمنعها من تشعب اللهجات القاتل، واختلاف مناحي الكلام كما نرى في اللهجات العامية التي تباينت تبايناً شديداً- رغم أنها من أصل واحد- حتى كادت أن تُخفي هذا الأصل العربي الواحد، فكان القرآن بمثابة الكتابة التي حُرمت منها اللغة في القديم لأنها لم تكن استوت بعد على سوقها، فلما استوت نزل القرآن بحفظ هذا الاستواء وذلك الكمال.([13])

وقد شغلت خصائص هذه اللغة العبقرية الباحثين والعلماء عرباً وعجماً، قديماً وحديثاً حتى أفردوا في خصائصها مؤلفات يكاد يضيق عن حصرها العد، وما ذاك إلا لأن خصائص هذه اللغة في ذاتها تحمل من الأسرار التركيبية والصوتية ما يصعب على الباحثين إدراكه وحصره، حتى قال بعض الفقهاء: “كلامُ العرب لا يحيطُ به إلاّ نبيٌّ”، ويَنسبُ السيوطي في كتابه المزهر لابن فارس قوله حول هذه العبارة:” وهذا كلام حَريٌّ أن يكوَن صحيحاً وما بَلَغَنا أن أحداً ممنْ مَضَى ادَّعى حفظَ اللغة كلّها”.([14])

وهي بعد ذلك لغة توفر لها من الدقة والمنطقية والبيان والمرونة والوفاء بالمعاني ما لا يعرف له نظير في غيرها من اللغات. وقد أدرك هذه الحقيقة العلماء العرب واعترف بها المنصفون من جهابذة الغرب، يقول الجاحظ: ” ولابد من ذكر الدليل على أن العرب أنطق، وأن لغتها أوسع، وأن لفظها أدل، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر، والأمثال التي ضربت فيها أجود وأسير”.([15])، ويقول في موضع آخر: “والبديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة.” ([16])، والجاحظ يشير هنا إلى عدد من خصائص العربية مثل: سعة الألفاظ، ودقة الدلالة، وجودة الأمثال، والبديع.

ويقول ابن جني:”.. إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك على جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر”.([17])

ولم يكتف العلماء القدامى بالكلام عن فضيلة العربية؛ بل تطرقوا إلى الحديث عن عدد من الخصائص التي تجعلها من أفضل اللغات، وقد لخص بعض الباحثين بعضَ خصائص اللغة في الخصائص التالية ([18]):

أولاً: سعة المدرج الصوتي:

حيث تمتلك العربية أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات؛ فتتوزع مخارج الحروف بين الشفتين إلى أقصى الحلق توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات، مفارقةً في ذلك لغيرها من اللغات التي تمتلك حروفاً أكثر من الحروف العربية إلا أن مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر.([19])

كما اختصت العربية ببعض الأصوات مثل: الهمزة، والحاء، والطاء، والضاد. وقد قال ابن فارس عن الهمزة:” والعرب تنفرد بها في عرض الكلام، مثل” قرأ “، ولا يكون في شيء من اللغات إلا ابتداءً ([20])، وقال:” ومما اختُصت به لغة العرب الحاء والطاء، وزعم قوم أن الضاد مقصورة على العرب دون سائر الأمم.” ([21])، وقال الباقلاني عن هذه الخاصية:”.. ولضيق ما سوى كلام العرب أو لخروجه عن الاعتدال يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيراً، كتكرر الطاء والسين في لسان يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك”.([22])

وهذا ما يقرره علماء اللغة المعاصرون أيضًا إذ يذكرون أن العربية أكثر أخواتها احتفاظًا بالأصوات السامية؛ فقد اشتملت على جميع الأصوات التي اشتملت عليها أخواتها السامية، وزادت عليها بأصوات كثيرة لا وجود لها في واحدة، منها: الثاء والذال والغين والضاد.([23])

ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزعها وترتيبها فيها حدوث الانسجام الصوتي والتآلف الموسيقي؛ فمثلاً: لا تجتمع الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال، ولا تجتمع الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد، ولا الحاء مع الهاء، ولا الهاء قبل العين، ولا الخاء قبل الهاء، ولا النون قبل الراء، ولا اللام قبل الشين.

وللأصوات في اللغة العربية وظيفة بيانية وقيمة تعبيرية؛ فالغين مثلاً: تفيد معنى الاستتار والغَيْبة والخفاء كما نلاحظ في: غاب، غار، غاص، غال، غام. والجيم: تفيد معنى الجمع: جمع، جمل، جمد، جمر.. وهكذا… وليست هذه الوظيفة إلا في اللغة العربية.

ثانياً: التخفيف:

قال ابن فارس:” ومما اختُصت بِهِ لغةُ العرب قلبُهُم الحروف عن جهاتها ليكون الثاني أخفَّ من الأول، نحو قولهم: ميعاد ولم يقولوا: موعاد، وهما من الوعد، إِلا أن اللفظ الثاني أخفُّ، ومن ذَلِكَ تركهم الجمعَ بَيْنَ السَّاكنَينِ، وقد تجتمع فِي لغة العجم ثلاث سواكن، ومنه قولهم: “يَا حار” ميلاً إِلَى التخفيف.” ([24])، ومن مظاهر التخفيف البارزة في العربية غلبة الأصول الثلاثية عليها، وقد أشار إليها ابن جني حين قال: “إن الأصول ثلاثة: ثلاثي ورباعي وخماسي؛ فأكثرها استعمالاً وأعدلها تركيباً الثلاثي، وذلك لأنه حرف يُبتدؤ به وحرف يُحشى به وحرف يوقف عليه” ثم يقول مبيناً الحكمة من غلبة الثلاثي:” فتمكن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه”.([25])

وقد أشار بعض المعاصرين إلى أن غلبة الألفاظ الثلاثية من خصائص العربية ولا تكاد لغة أخرى تشاركها في هذه السمة الواضحة، وكان الأصل الثلاثي عمدة الاشتقاق الذي هو من أبرز خصائص العربية”. ([26])

ثالثاً: سعة المفردات:

والعرب يعبرون عن الشيء الواحد بأسماء كثيرة، يقول ابن فارس:” ومما لا يمكن نقله البتة أوصاف السيف والأسد والرمح وغير ذلك من الأسماء المترادفة، ومعروف أن العجم لا تعرف للأسد أسماء غير واحد، فأما نحن فنخرج له خمسين ومائة اسم.”([27])، وقد ذكر ابن سيده أن الفيروز آبادي كتب كتابًا في أسماء العسل ذكر فيه أكثر من ثمانين اسماً، وقرر مع ذلك أنه لم يستوعبها جميعها، كما يرى أنه يوجد للسيف ألف اسم على الأقل.([28])

وهذا الذي يصرح به ابن فارس والفيروز آبادي يقرره علماء اللغة المعاصرون من الشرق والغرب؛ فقد ذكر الدكتور علي عبد الواحد وافي أن الأستاذ دوهامر جمع المفردات العربية المتصلة بالجَمَل وشؤونه فوصلت إلى أكثر من خمسة آلاف وستمائة وأربع وأربعين مفردة، كما يقرر أيضاً أن من أهم ما تمتاز به العربية أنها أوسع أخواتها السامية ثروة في أصول الكلمات والمفردات؛ فهي تشتمل على جميع الأصول التي تشتمل عليها أخواتها السامية أو على معظمها  وتزيد عليها بأصول كثيرة احتفظت بها من اللسان السامي الأول، وأنه تجمع فيها من المفردات في مختلف أنواع الكلمة اسمها وفعلها وحرفها، ومن المترادفات في الأسماء والصفات والأفعال ما لم يجتمع مثله للغة سامية أخرى، بل ما يندر وجود مثله في لغة من لغات العالم. ([29])

رابعاً: الاشتقاق:

وإليه ترجع وفرة المفردات في اللغة العربية، وهو خاصية إنتاج عدد كبير من الكلمات من جذر واحد؛ مثل اشتقاق كاتب ومكتوب ومكتب ومكتبة وكتاب ومكاتبة … إلخ من الجذر كتب. كما أن للمادة الواحدة في اللغة مصدر للدلالة على المعنى مجرداً عن الزمن، وأفعال بعضها يدل على المعنى مقترناً حدوثه بالزمن الماضي، وبعضها يدل على المعنى مقترناً حدوثه بالزمن الحاضر أو المستقبل، وبعضها يدل على المعنى مقترناً بالأمر بفعله، كما أن للمادة أيضاً صيغة تدل على الشخص الذي فعل ذلك المعنى أو قام به، وتسمى الفاعل، وصيغة أخرى تدل على المفعول به، وثالثة تدل على زمانه ورابعة تدل على مكانه، وخامسة تدل على النسبة، وسادسة على التفضيل، وسابعة على التعجب، وثامنة على التصغير، وهكذا.. وليس في أي لغة من لغات العالم هذا الانطلاق اللغوي المترابط في ميدان الاشتقاق اللفظي، كما أن معظم مشتقاتها تقبل التصريف إلا فيما ندر منها، مما يجعلها أكثر تلبية لحاجات المتكلمين من غيرها ([30]) ، يقول جورج سارتون:” إن اللغة العربية من أجمل اللغات في الوجود، إن خزائن المفردات في اللغة العربية غنية جداً ويمكن لتلك المفردات أن تزاد بلا نهاية، ذلك لأن الاشتقاق المتشابك والأنيق يُسَهِّل إيجاد صيغ جديدة من الجذور القديمة بحسب ما يحتاج إليه كل إنسان على نظام معين. خذ الجذر: سلم (س ل م) سلم معناها نجا وحيا وألقى السلام أو التحية، (سالم) دخل في السلم، (أسلم) انقاد وخضع، ومنها الإسلام والخضوع، (تسلم) أخذ شيئاً من يد غيره، (السلام) التحية، (السلم) خلاف الحرب، (السليم) الصحيح غير المريض، (التسليم) الرضا والقبول، (الاستلام) لمس الحجر الأسود أي: التقبيل، وهناك مسلم ومسالم وغيرها.. مما يُعيى أحياناً عن الحصر، ثم إن الاشتقاق يجري على نظام معين حتى إن القارئ إذا مرت به صيغة جديدة فإنه يفهم معناها من القرينة”.([31])

خامساً: الإعراب والتمييز بين المعاني بالحركات وغيرها:

ويرى ابن فارس أن من العلوم الجليلة التي اختصت بها العرب (الإعراب) الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ.. ولولاه ما ميز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منصوب، ولا تعجب من استفهام، ولا صدر من مصدر، ولا نعت من توكيد.([32])

وقد أشار علماء اللغة المعاصرون إلى هذه الخاصية للغة العربية؛ فقال الدكتور علي عبد الواحد وافي اعتمادًا على أقوال المستشرق رينان:” تمتاز اللغة العربية في شؤون التنظيم بتلك القواعد الدقيقة التي اشتهرت باسم قواعد الإعراب والتي يتمثل معظمها في أصوات مد قصيرة، تلحق أواخر الكلمات لتدل على وظيفة الكلمة في العبارة وعلاقتها بما عداها من عناصر الجملة، وهذا النظام لا يوجد له نظير في أية أخت من أخواتها السامية، اللهم إلا بعض آثار ضئيلة بدائية في العبرية والآرامية والحبشية”.([33])

سادساً: العروض:

وهو علم بأصولٍ وقواعد يعرف بها صحيح أوزان الشعر من فاسدها، قال ابن فارس:” ثم للعرب العروض الذي هو ميزان الشعر، وبه يعرف صحيحه من سقيمه”([34]) ، وأشار غير واحد من المستشرقين إلى اختصاص العربية بعلم العروض، يقول العلامة المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في بحث له بعنوان (مقام الثقافة العربية بالنسبة إلى المدينة العالمية):” وأما في علوم اللغة فإن الفكر السامي لم يصل إلى علم العروض إلا عند العرب”.([35])

سابعاً: الإيجاز:

وهو خاصية بلاغية ولغوية واضحة في العربية، ولأجله قالت العرب: (البلاغة الإيجاز)، وليس الإيجاز مقتصراً على علوم البلاغة فحسب؛ بل اللغة كلها لغة إيجاز، وكثيراً ما تسلك الأساليب العربية مسـلك الإيجاز في صـياغتها للكلام وحروفه ومفردات الجمل وتراكيبها، ويتجلى الإيجاز بوضوح في مباحث لغوية مثل: النحت، والضمائر، والحذف اللغوي، والإدغام، والاستفهام، والشرط، كما يتجلى في مباحث بلاغية مثل: إيجاز القصر، وإيجاز الحذف بأنواعهما وأقسامهما المختلفة. كما أن في العربية أيضاً إيجاز يجعل الجملة قائمة على حرف، مثل: (فِ) من وفَى يفي، و(عِ) من وعى يعي، و(قِ) من وقى يقي، فكل هذه حروف تشكل في الحقيقة جملاً تامة لأنها أفعال استتر فاعلها وجوباً.

ثامناً: صعوبة استيفاء معانيها بالترجمة:

وهذه الخاصية متعلقة بخصائص اللغة العربية السابقة وغيرها عموماً؛ فلأن اللغة العربية تمتلك كل هذه الخصائص فإن الترجمة منها إلى غيرها ترجمة دقيقة معبرة عن ذات الصور والأخيلة والظلال تكاد تكون مستحيلة؛ لأن اللغات الأخرى لا تملك من الخصائص ما تملكه هذه اللغة وإنما يُكتفى في الترجمة إلى غيرها بترجمة مفهوم النص أو معناه، ثم لا تسلم ترجمة المفهوم أو المعنى من الصعوبة أيضاً، يقول السيوطي:” وقد قال بعض علمائنا.. وكذلك لا يقدرُ أحدٌ من التَّراجم على أن ينقلَه (يعني القرآن الكريم) إلى شيء من الألْسِنة كما نُقِل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزَّبور وسائر كتب الله عز وجل بالعربية؛ لأنَّ غيرَ العرب لم تتسع في المجاز اتساعَ العرب، ألا ترى أنك لو أردتَ أن تنقلَ قوله تعالى:” وإما تَخَافَنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذْ إليهم على سواءٍ” لم تستطع أن تأتي لهذه بألفاظ مؤدِّية عن المعنى الذي أودِعَتْه حتى تبسط مجموعها وتصلَ مقطوعها وتُظهرَ مَسْتُورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هُدْنة وعَهْد فخِفْت منهم خيانةً ونقضًا، فأعْلمهم أنك قد نقضتَ ما شرطته لهم، وآذنْهم بالحرب لتكونَ أنتَ وهم في العلم بالنَّقْض على الاستواء، وكذلك قوله تعالى:” فَضَرَبْنَا على آذانهم في الكَهْف”. وقد تأتي الشعراء بالكلام الذي لو أراد مريد نَقْلَه لاعْتاصَ وما أمكن إلا بمبسوط من القول وكثير من اللفظ، ولو أراد أن يُعبِّر عن قول امرئ القيس: (فدع عنك نَهْبًا صِيحَ في حَجَراته) بالعربية فَضْلاً عن غيرِها لطالَ عليه، وكذا قول القائل: والظنُّ على الكاذب، ونِجَارُها نارها، وعَيَّ بالأسْناف … وهو كثير بمثله طالت لغةُ العرب دون اللغات، ولو أراد معبِّرٌ بالأعجمية أن يعبر عن الغنيمة والإخْفاق واليقين والشك والظاهر والباطن والحق والباطل والمُبين والمُشْكل والاعتزاز والاستسلام لعيَّ به، والله تعالى أعلم حيث يجعل الفضل”.([36])

إن هذه الخصائص في اللغة العربية- وغيرها كثير- تدفع المتذوق إلى الدهشة من طبيعة هذه اللغة صوتاً وصورة وحركة وتركيباً، وتوقعه في حيرة شديدة حين ينظر فيها متعمقاً فيحس باكتمالها وجمالها وجلالها، ثم لا يستطيع أن يدرك سبباً لكل هذا الجمال والجلال والكمال سوى ما يشعر به منعكساً على صفحة روحه من سمو ونشوة وسعادة حين يردد آية كريمة أو حديثاً شريفاً أو شِعراً متقناً، ولا يدل هذا على شيء قدر دلالته على أن أهل هذه اللغة الأوائل كانوا أصحاب أذهان صافية حُرموا من الكتابة فاضطروا إلى الإبداع في ألفاظهم، وطي المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، والاكتفاء باللمحة الدالة والإشارة الموجزة والكناية الرائعة والتفنن في أساليب القول على وجوه شتى ومذاهب كثيرة. وقد تعجب أرنست رينان من أمر هذه اللغة قائلاً:” من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حل سره انتشار اللغة العربية؛ فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء؛ فبدأت فجأة في غاية الكمال، سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها إلى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة، مِن أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمّة من الرُّحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم عُلمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغيير يذكر، حتى إنه لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى”.([37])

أثر خصائص اللغة العربية في الأدب:

وقد كان لكل خصيصة من هذه الخصائص أثر بارز في الأدب العربي قديمه وحديثه؛ حيث شكلت هذه الخصائص مجتمعةً مدداً (لغوياً وذوقياً) محورياً في مسيرة الأدب العربي، وطبعته بطابع متفرد مستمد من طبيعة اللغة ذاتها حتى لا نكاد نرى ميزة في اللغة إلا ورأينا أثرها في الأدب، بل إن خصائص اللغة العربية هي ذاتها خصائص الأدب العربي؛ فكأن الأدب روح اللغة واللغة جسد الأدب؛ فهما وجهان لعملة واحدة، وما يتصف به أحدهما يتصف به الآخر؛ فاتساع المدرج الصوتي مثلاً يمنح الأدب والأديب قوة في البيان ووضوحًا شديدًا في السمع وجمالاً في التعبير وانسجامًا في التركيب، والتخفيف يمنح الأدب السلاسة والسهولة واليسر، وسعة المفردات والاشتقاق يمنحان الأدب مخزوناً هائلاً من الكلمات التي تفتح أبواب المعاني أمام الأديب ليؤسس عليها بناء النص الأدبي ويختار للمعنى ما يوافقه من اللفظ، كما تمنح هذه السعة في الألفاظ تعدداً في المعاني؛ فاللفظ المشتق في ذاته يوحي بمعنى زائد عن معنى اللفظ المشتق منه؛ فإذا اشتق من لفظ واحد عشرة ألفاظ فهي بالضرورة عشرة معان جديدة يربطها رابط واحد. والإعراب والتمييز بين المعاني بالحركات يتيح للأدب قدرة هائلة في التعبير عن المعاني والتفنن في الأساليب، ويجعله أكثر مرونة وتصرفًا في بناء التراكيب، وليس أوفق للشعر الموزون- كما يقول العقاد-” من العبارات التي تنتظم فيها حركات الإعراب وتتقابل فيها مقاطع العروض وأبواب الأوزان وعلامات الإعراب؛ فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية وتستقر في مواضعها المقدورة على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع، ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير في كل وزن من أوزان البحور؛ لأن علامات الإعراب تدل على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة فلا يصعب على الشاعر أن يتصرف بها دون أن يتغير معناها، إذ كان هذا المعنى موقوفاً على حركاتها المستقلة الملازمة لها، وليس هو بالموقوف على رَصِّ الكلمات كما ترص الجمادات، وإن هذه الموسيقية لتعلم النحاة أحياناً كيف ينبغي أن يفهموا الشعر في هذه اللغة الشاعرة؛ لأن هذه المزية الشعرية في قواعد إعرابها أسبق من المصطلحات التي يتقيد بها النحاة والصرفيون”.([38])

وقد عد العقاد اللغةَ العربية كلها لغةً شاعرة وعنون كتاباً له باسم (اللغة الشاعرة) مردفاً العنوان بقوله: (مزايا الفن والتعبير في اللغة العربية)؛ فجعل اللغة كلها فناً تعبيرياً جميلاً؛ لأن خصائصها خصائص فنية تعبيرية في الأساس” ولا يكفي أن يقال عنها إنها لغة شعر أو لغة شعرية، وجملة الفرق بين الوصفين أن اللغة الشاعرة تصنع مادة الشعر وتماثله في قوامه وبنيانه إذ كان قوامها الوزن والحركة، وليس لفن العروض ولا للفن الموسيقي كله قوام غيرها.”([39]). ثم يوضح مفهوم اللغة الشاعرة بقوله:” اللغة التي بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية؛ فهي في جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء. وهذه الخاصة في اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها على حدة، إلى تركيب مفرداتها على حدة، إلى تركيب قواعدها وعباراتها، إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد”. ([40])

فاللغة لغة شاعرة في حروفها قبل أن تتألف منها كلمات وقبل أن تتألف من الكلمات تفاعيل وقبل أن تتألف من التفاعيل أبيات وبحور. وللحروف في ذاتها معان تحدد معاني كلماتها، وللكلمات دلالات شعرية مجازية ودلالات علمية واقعية، ولا يصعب الجمع بين التعبير الواقعي العلمي والتعبير المجازي الشعري؛ فلا لبس بين قول القائل: (إنه يقيد شوارد الأفكار)، وقول غيره: (إنه يقيد السجين أو الأسير)، ولا لبس بين القلب بما يحتويه من الحدس والشعور والعاطفة، وبين القلب من قلب الشيء يقلبه إذا أُريد به تغيير وضعه وموضوعه، وسليقة اللغة الشاعرة هي التي تجعل السامع العربي يفهم المعنى المقصود الذي يحار في فهمه أبناء اللغات المحرومة من هذه المزية. ([41])

وهذا الذي يقرره العقاد بحديثه عن شاعرية أجزاء الكلام العربي- حرفاً وكلمة وعبارة- وموسيقاها الداخلية، وظلالها وأخيلتها، ومعانيها المفهومة من أصوات حروفها وألفاظ كلماتها؛ هو ذاته الأساس الفني الذي يقوم عليه المنهج العربي الأصيل في تذوق الأدب شعراً ونثراً؛ فهو روح الأدب كما أن الأدب روح اللغة، وقد اختاره الأصلاء والتأصيليون من نقاد وأدباء العرب قديماً وحديثاً وعدوا مواجهة الأدب بمنهجٍ غيرِه عبثاً وفساداً.

وهذا ما سنعرفه في المقال القادم- إن شاء الله- حين نتناول (منهج التذوق)، ذلك المنهج العربي الأصيل الذي يليق بخصائص هذه اللغة الشاعرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ الخصائص ـ أبو الفتح عثمان بن جني ـ تحقيق : محمد علي النجار ـ المكتبة العلمية ـ القاهرة ـ 1952م  ـ ج 1ـ ص 33 .

[2]ـ لسان العرب ابن منظور ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ ط٣ ـ مادة (لغا) ج 15 ـ ص 251ـ 252 .

[3] ـ أصالة اللسان العربي ـ د.جعفر دك الباب ـ مجلة التراث العربي ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ العدد العاشر ـ ربيع الثاني 1403 ـ كانون الثاني يناير 1983م – السنة الثالثة .

[4]ـ دراسات في اللغة والأدب والحضارة ـ محمد الربداوي ـ القسم الأول ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1980م ـ ص7ـ8 .

[5]ـ دراسات في اللغة والأدب والحضارة ـ محمود الربداوي ـ ص 33 .

[6]ـ انظر بتوسع : اللغة العربية أصل اللغات كلها ـ عبد الرحمن أحمد البوريني ـ دار الحسن للنشر والتوزيع ـ عمان 1998م ـ ط1 .

[7]ـ تاريخ الدعوة إلى العامية وأثارها في مصر ـ نفوسة زكريا ـ دار المعارف  ـ القاهرة ـ 1980م ـ ط2 ـ ص 4.

[8]ـ أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ـ أحمد حسن الباقوري ـ دار المعارف ـ القاهرة 1996م ـ ص 33 .

[9]ـ أثر القرآن الكريم في اللغة العربية والتحديات المعاصرة ـ د.محمد يوسف الشربجي ـ مجلة التراث العربي- اتحاد الكتاب العرب- دمشق  ـ ع 90 – السنة الثالثة والعشرون – حزيران ـ يونيو 2003 م .

10ـ  دراسات في اللغة والأدب والحضارة ـ محمود الربداوي ـ ص 10 .

[11]ـ تاريخ آداب العرب ـ مصطفى صادق الرافعي ـ مكتبة الإيمان أ القاهرة ـ1997م ـ ج1ـ ص 76 .

[12]ـ خطبة حفني بك ناصف ـ مجلة المنار ـ عدد أبريل 1908م ـ ج11 ـ السنة الثانية ـ  ص 123ـ 125 .

[13] ـ تاريخ آداب العربية ـ الرافعي ـ ج1 ـ  ص 80 ـ 83 .

14ـ المزهر في علوم اللغة وأنواعها ـ السيوطي ـ مرجع سابق ـ ج1 ـ ص 52 .

[15]ـ البيان والتبيين- الجاحظ ـ ج1 ـ ص 384 .

[16]ـ نفسه ـ ج4 ـ ص55 .

[17]ـ الخصائص- ابن جني ـ ج 1 ـ ص 47 .

18ـ خصائص العربية بين القديم والحديث ـ د . مصطفى أحمد عبد العليم ـ نسخة إليكترونية.

19ـ فقه اللغة وخصائص العربية ـ محمد المبارك ـ دار الفكر ـ بيروت 1995م ـ ط6 ـ ص 17 .

20ـ الصاحبي  في فقه اللغة العربيةـ ابن فارس ـ تحقيق: السيد صقر ـ مطبعة الحلبي ـ القاهرة 1977م ـ ص 123ـ124 .

21ـ ـنفسه ـ ص124 .

22ـ إعجاز القرآن ـ أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ـ دار المعارف ـ القاهرة 1981م ـ ص 78 .

23ـ فقه اللغة ـ علي عبد الواحد وافي ـدار نهضة مصر ـ القاهرة 1997م ـ ص 164 ـ 165 .

[24] ـ الصاحبي ـ ابن فارس  ـ ص 20

25ـ الخصائص ـ ابن جني ـ ج1ـ 65.

26ـ خصائص العربية ـ محمد المبارك ـ ص26

[27] ـ الصاحبي ـ ابن فارس ـ ص 12 .

[28] ـ المخصص في اللغة ـ علي بن إسماعيل بن سيده ـ دار الفكر ـ بيروت 1978م ـ ج3 ـ ص9

[29] ـ فقه اللغة ـ علي عبد الواحد وافي ـ ص 168ـ169.

[30] ـ أجنحة المكر الثلاثة ـ عبد الرحمن حبنكة الميداني ـ دار القلم ـ دمشق1986م ـ ط5 ـ ص364ـ366.

[31] ـ اللغة العربية بين حماتها وخصومها ـ أنور الجندي ـ ص22 .

[32] ـ الصاحبي ـ ابن فارس ـ ص76 .

[33] ـ فقه اللغة ـ علي عبد الواحد وافي ـ ص210 .

[34] ـ الصاحبي ـ ابن فارس ـ ص77 .

[35] ـ فقه اللغة ـ علي عبد الواحد وافي ـ ص248 .

[36] ـ المزهر ـ السيوطي ـ ج1ـ ص64 .

1ـ اللغة العربية بين حماتها وخصومها ـ أنور الجندي ـ مطبعة الرسالة ـ بيروت ـ ص 25 .

[38] ـ اللغة الشاعرة ـ العقاد ـ ص 26 ـ 27 .

[39] ـ نفسه ـ ص 8 .

[40] ـ نفسه ـ ص11 .

[41] ـ نفسه ـ ص 15 ـ 21 .

(31) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment