أنا حي أيها الأموات، لزهراء الخروصية تلميذتي العمانية النجيبة


   تمشي متثاقلًا، الهموم أضعفت خطاك، تبدو بطيئًا جدًا ولا طاقة لك لإكمال المسير،  تحاول جاهدًا الإسراع،  فالشمس بلا رحمة ترسل لك أسواطها الحارقة،  أو البرد القارس في ظلام الفجر أو العشاء ترَكاك مرتجفًا ضعيفًا فأنا لا أعلم الوقت لديك حقيقة،  ولا حتى الفصل الذي يحل عليك الآن،  ما أعلمه هو أنه يقسو عليك ليكسرك.

   تصل إلى المسجد وقد ظننت أنك لن تصله على بطئك،  لا يزال الجمع متفرقًا هنا وهناك،  وكل منشغل بما لديه.

   تختار لك طرفًا هادئًا وتسند رأسك المثقل بالهموم للجدار،  كم هو مزعج ثقله ذاك،  ومتعب للغاية…لا تعلم كم مر عليك من الوقت وأنت على هذه الحال،  ولكن ما تعلمه هو أنك وقفت متباطئًا عندما سمعت نداءات خصها الإمام للجميع.

   عندما تسجد تبدأ همومك بالانزياح…سبحان ربي الأعلى!.. يا لهذه القدرة الربانية العظيمة،  وأنت في أكثر خضوع للأعلى ساجدًا له،  موكلًا كل أمر له وحده ترى أن جميع همومك تبدأ في الانتقال منك…إلى أعماق سحيقة في هذه الأرض،  وربما إلى مكان آخر لا تعلمه،  حيث يصيرها جميعا إلى اللاوجود…سبحان ربي الأعلى!.. ما هذا الشعور! رأسك لا يزال يلامس الأرض وأنت مدرك لذلك،  لكن شعور الخفة والطيران يلازمك ويستولي على كيانك…سبحان ربي الأعلى!.. في أدنى انخفاض لك تشعر بالعلو،  بينما وأنت واقف تشعر وكأن أديم الأرض قد بدأ بالانقضاض عليك محاولًا جذبك إلى منازل دنيا في عمق الأرض،  “أيها الأعلى قدني لعلوك”،  الله أكبر… تصدمك العبارة و تخرجك من انسجامك،  تعود إلى الأرض الحقيقية…لكن لا يزال شعورك بالعلو باقيًا…تحاول جاهدًا أن لا ترفع رأسك… ولكن الإمام قالها!.. تتصنع عدم سماعك لها…لكنك قد سمعتها…بعد تردد تقرر رفع رأسك…ترفعه متباطئًا ورغبة شديدة تلح عليك وتحاول جذبك بقوة  خفية عظمى لتعيد رأسك المثقل بالهموم إلى تلك البقعة من الأرض،  لتلقي بجميع قلقك وحزنك إلى أعماق بلا نهاية،  وتشكو لرب رحيم كل ما يدور بعقلك وقلبك لتعود إلى منزلك كطفل ولد لتوه.

   يتكرر هذا السيناريو مرة بعد مرة…بين كل سجود وقيام…وبعد أن تتعب من كثرة تكراره،  أخيرًا تقرر أن لا تقوم…نعم أن لا ترفع رأسك من بقعتك المفضلة من الأرض…تنزاح جميع همومك إلى اللاعودة…خفة عظيمة تخالطك وتجعلك تطفو في طبقات عليا لا تعرف ارتفاعًا لها،  مع أنك مؤمن بأن جبهتك لم تفارق الأرض المقدسة بعد…الله أكبر…لا لن ترفعه،  سيظل مرفوعًا كما أردته…تخفت الأصوات للحظات طويلة…تسمع بعدها لغط الناس من حولك…أيظنون أنك ميت.. عجبا فهم لا ولن يفهموك،  ولن يفهموا سر تعلقك بربك الكريم…يحاولون إيقاظك ورفعك عن تلك الأرض المقدس…عجبًا لهم لِمَ المحاولة!

   تبتسم براحة،  وشعور خفة سرمدي يلازمك…تكرر بينك وبين نفسك ” أنا كنت ميتًا،  وهنا الآن حي “،  عجبا لأولئك الأموات كيف يهيمون حبًا لهذه الأرض والدنيا فانية!

الخامس من رمضان، 1440ه،

(مسجد الجامعة).

(135) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

2 Thoughts to “أنا حي أيها الأموات، لزهراء الخروصية تلميذتي العمانية النجيبة”

  1. عزان

    بارك الله فيك يا ابنتي الغاليه ورفعك الله الى العلى بالعلم

    1. آمين يا رب العالمين
      وفي سائر أبنائنا الكرام البررة
      الذين هم بهجة الحاضر وأمل المستقبل

Leave a Comment