راوية المتنبي

وكم ذا بمصر من المُكرمات اللواتي يراعين حكم النهى
حفظن قصائد كانت مصايد لولا حصائد لُسن الهدى
ومهما وفيتُ ومهما أبيتُ ومهما عتوتُ طلبتُ الرضا

صباح السبت (1/3/1429=8/3/2008)، نافست بين تلامذتي طلاب ثالثة دار العلوم بجامعة القاهرة، في حفظ اثنتي عشرة قصيدة طويلة فاخرة من شعر أبي الطيب المتنبي، كنت قد سلكت لهم بها مسلكا طريفا في الجمع بين مسائل علم العروض ومسائل علم الصرف، على قلب مفكر عربي فنان شاعر واحد، راد لمن بعده مجاهل التفكير والتعبير العربيين، وهو ما خرج به عندئذ كتابي “ظاهرة التوافق العروضي الصرفي”.
اجتمع لذلك بمكتبي بضعة طلاب -منهم آيات أبو المجد، وشيماء عبد الراضي، وطالب كفيف لا أذكر اسمه- وأحسنوا ما شاؤوا، حتى أفضى التنافس إلى آيات وشيماء.
كانت آيات كاسمها ذكية ماهرة -وقد تحولت إلينا عن كلية العلوم- وكانت شيماء موهوبة مؤيَّدة، قد أشرفتْ على جمع القرآن كله، وكنت بينهما أحير من بستانيّ في حديقة بنفسج ساطع العبير.
خطر لي أن أتجاوز إلى أغوار بعض القصائد، وسألتهما التسميع منها؛ فلم تقم آيات لشيماء، التي كانت كأنما أوتيت حاسوبا ضابطا لا يخرم شيئا مهما كان موضعه!
حكمت لشيماء بالفوز، وأجزتها بكتبي كلها وعلى كل منها إهداء باسمها، يحفه ما تستحقه من التقدير والشكر. ثم تخرجتا جميعا معا في أوائل دفعتهما، لتعمل آيات في إدارة الكلية، وشيماء في وزارة التربية والتعليم، دون أن تنسيا الدراسات العليا.
ترى لو كان أبو الطيب اطلع على الغيب، وعرف مجلسنا هذا، وما كان فيه من الحفاوة بشعره ضبطا وحفظا وأداء- ألا يسره كثيرا، حتى ربما استبدل بابن جني قائلا: بل هذه!- وبسخريته من مضحكات مصر، قائلا:
وكم ذا بمصر من المُكرِمات اللواتي يراعين حُكم النُّهى
حفظن قصائد كانت مصايد لولا حصائد لُسْن الهُدى
ومهما وفيتُ ومهما أبيتُ ومهما عتوتُ طلبتُ الرضا

موضوعات ذات صلة

Leave a Comment