تأليف المؤلفين


إنما أؤلف من يؤلفون!

أين ذهبت كتب الخليل بن أحمد؟
أين قراءته، وتفسيره، وحديثه، وفقهه، وسلوكه، وفلسفته، وأدبه، وتاريخه، وأصواته، وصرفه، وغريبه، ونحوه، وعروضه، وموسيقاه، ورياضياته…؟
أين؟
وهل اشتغل أبو عبد الرحمن بتأليف الكتب، ليصح لك سؤالك عنها!
أجل! لم يشتغل الخليل بتأليف الكتب فيما أرى قط!
كيف يؤثرها على التفكير الذي ملك عليه نفسه حتى ضاق عنه وقته وضعف جسمه وتبلبل باله!
كيف يضيع وقته في تحبير الكتب وعنده من نجباء تلامذته من يكفيه ذلك! وأنى له أن يشتري الأوراق والأقلام والأحبار، وهيهات أن يتسع لها خصّه القميء الذي عاش فيه ومات والناس يأكلون بعلمه ويشربون ويلبسون ويسكنون ويمرحون!
فليؤلف إذن من يؤلف! وليتفرغ إذا خلا منهم للتفكير في مشكلات العلوم الكثيرة التي اشتغل بها، ولاسيما أنهم يلزمونه ولا يمتنع عنهم، حتى إذا جلس إليهم وأطلق عن جنانه وبيانه، شقّق لهم من الأفكار ما لا تجاريه الكتابة. ولو اشتغل بالكتابة لكفكف من سيل أفكاره الهدار، ولخسر تأمل تدفيقه على نجباء تلامذته واختبار أثره عليهم ومحاورتهم فيه.
ولو كان سأله عن تأليف الكتب سائل لربما أجابه بما أجاب مثلَه غيرُه بعدئذ بزمان طويل:
إنما أؤلف من يؤلفون!
ثم أفضى الأمر إلى خلَفه، فأما تلامذته فتنادوا:
هلم نحي علم الخليل!
وانصرف كل منهم إلى إخراج ما تعلمه منه، ثم اختلفوا: فمنهم من نسبه إلى الخليل، ومنهم من نسبه إلى نفسه، ولا والله ما كذبوا في الأولى، ولقد صدقوا في الآخرة!
وأما غيرهم فكانوا ربما انتفعوا بتلك الحال، حتى ذكر الجاحظ أنه كان في أوليته يؤلف الكتب وينسبها إلى الخليل ترويجا لها! ولا يمتنع أن يكون من هذا كتاب الجمل المنسوب إلى الخليل، الذي ادعيتُ مرة دون بينة إلا من ذلك الفهم السابق، أن صاحبه هو الذي نسبه إلى الخليل ترويجا لمقالات الكوفيين التي فيه، وأن الدكتور فخر الدين قباوة الذي نسبه إلى الخليل، لو خطر له هذا الفهم ما عاتب سيبويه في منهجه الأفقي على أن لم ينهج في كتابه منهج الخليل الهرمي في الجمل!
ولم ينفرد بتلك الحال قديما أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي -رضي الله عنه!- بل قد جاء هو نفسه على أثر سلف صالح شغلتهم المشافهة عن المكاتبة، حتى استحصدت مُنَّتُهم الخطابية.
ولقد ينبغي ألا نستغرب ما ذكرت ونستبعده؛ فقد وجدناه من أنفسنا على قلّتنا، ومن غيرنا، حتى نصحتُ مرة لأحد أساتذتي القليلي التآليف، أن يتخذ من يسجل له محاضراته ويفرغها، وأنني زعيم أنها ستملأ له كتبا ذوات عدد. ولعلني ذكرت له ما صرت أذكره دائما لتلامذتي، من أن الدكتور إبراهيم الفقي عجب مرة لكثرة كتب الدكتور طارق سويدان، حتى قال له في ذلك، فأجابه:
سهر الليالي، يا دكتور إبراهيم!
وأن الدكتور إبراهيم تعقبه وكأنه استثقل استطالته، بأنه يستعمل على محاضراته من يفرغها لها، ثم يراجعها، وينشرها!

(580) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment