في مقام الإنصات كانت لنا قراءات ثم إجازات


كُنّا نمضي على ذلك ما شاء الله، حتى إذا أزف الترحل وأيقنا أن قد وجب المجلس الأخير طلبت من كل منهم نسخته من الدلائل لأكتب له في حاشية الموضع الذي انتهينا إليه ووقفنا عليه: “قُرِئَ عَلَيَّ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي كَيْتَ وَكَيْتَ وَكَيْتَ”.

كنتُ قد دعوتُ تلامذتي بمجموعات التدريب الصغيرة الخاصة إلى التبكير حتى أطرح عليهم قبل المحاضرة مادة كتابي “مهارة الكتابة العربية”، فكانوا ربما جاؤوا ومعهم غيرهم، فأقرئهم، وأعلق لهم بما لا يجدونه فيما يتاح لهم من محاضرات وكتب مقررة وغير مقررة.
ولم يَلْبَثْ بعضُ نجبائهم أن رَغِبَ إليَّ أن أجلس لهم مجلسا مطلقا من كل قيد إلا ما يقتضيه طلب الفن والعلم العربيين. واحتالوا له حتى أَنْفَذُوه من مَنْفَذ أنشطة الأسر الرسمية ليستقر له مكان وزمان ثابتان. وسميته لهم “مَقَام الْإِنْصَات نَافِذَة عَلَى بَحْرِ التُّرَاثِ الْمُحِيط”.
استفتحت بدلائل الجرجاني، على أن تكون بين يَدَيْ كلِّ حاضرٍ نسخةٌ من طبعة أستاذنا أستاذ الدنيا محمود محمد شاكر -رحمه الله، وطيب ثراه!- وعلى أن يَتَلَبَّثُوا قبل البدء رُوَيْدًا لنصدح جميعا معا بقول الأصمعي: “أَوَّلُ الْعِلْمِ الصَّمْتُ، وَثَانِيهِ الْإِنْصَاتُ، وَثَالِثُهُ الْحِفْظُ، وَرَابِعُهُ الْعَمَلُ، وَخَامِسُهُ النَّشْرُ”؛ فكان له في نفوسهم مثل عمل السحر أَخْذًا وهَزًّا ووَخْزًا!
ثم أَختارُ منهم على الترتيب مَنْ يقرأ وهم صُمُوتٌ مُنْصِتون كأن على رؤوسهم طيرَ الفنِّ والعلمِ؛ فهم يخافون أن تَطيرَ عنهم بهما إلى غير رجعة، حتى إذا ما تَخَلَّلَ خلاياهم نَغَمُ الكلام الحكيم، وعرفتُ فيهم مَخايِلَ الطَّرَبِ العربي- ساءَلْتُهُمْ عن وجوه حكمته، ونافستُ بينهم، وأغريت بعضهم ببعض.
كُنّا نمضي على ذلك ما شاء الله، حتى إذا أزف الترحل وأيقنا أن قد وجب المجلس الأخير طلبت من كل منهم نسخته من الدلائل لأكتب له على حاشية الموضع الذي انتهينا إليه ووقفنا عليه: “قُرِئَ عَلَيَّ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي كَيْتَ وَكَيْتَ وَكَيْتَ”.

[صقر،1434=2013، في الطريق إلى الأستاذية (https://mogasaqr.com/?p=1562): 58-59].

(384) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment