لطائف مجمعية منقولة 3

هذا مقال وصلني لعل الفضلاء يكرمونا بالنقاش فيه
مقالة للغذامي في ثقافية الجزيرة نشرت في السبت 04 إبريل 2015
هناك علم.. وهناك تضليل علمي
د. عبدالله الغذامي
من عيوب البحث اللغوي سماحه لأسئلة عبثية من مثل: هل هذا تعبير فصيح وهل وردت هذه الصيغة في لسان العرب، أو هل هذه المفردة فصيحة أم عامية، وهل لها أصل فصيح.!
هناك مشكل معرفي يثوي خلف هذه الأسئلة وخلف كل إجاباتها (طبعاً سيقولون لي قل: خلف إجاباتها كلها.! حسب قانون قل ولا تقل، وهو من أغبى قوانين عصرنا)، والمشكل المعرفي هو أن هناك حساً مبيتاً أن المفردة الصحيحة هي ـ فحسب ـ تلك التي نطقها شخص ما قبلنا، ولذا يهرع الناس لنبش كتب التراث علهم يجدون أثراً للكلمة في سالف الزمن لكي يجعلوا ذلك سلم نجاة تؤهل الكلمة لتكون في معجم النخبة الصالحة، فإن لم نعثر على سابق لنا يشفع لها فهي حينئذ ستظل في الحضيض الثقافي تحت وصمة أنها عامية وليست من الفصيح.
يكفي أن نتتبع التراث اللغوي في العصر العباسي ونجرب أن نطرد منه كل كلمة أو صيغة لم ترد عند من سلفهم من عصور.! كم سيبقى من معجم لغة العباسيين في قائمة المعترف به.! ثم لننظر في عصرنا هذا، ولنفترض أننا نملك القدرة اليوم على تقييد حركة الناس مع مفردات لغتهم..ولننظر ما سيحدث لفنون الرواية والمسرحية والدراما وتحليلات السياسة والاقتصاد، وهذه كلها عناوين ومضامين ستكون غير فصيحة لأنها لم ترد عند أسلافنا، ولو جاء الجاحظ اليوم لاستعصى عليه فهم تعبيرات توريقتي هذه، ولكنه لن يقول عني إني عامي اللسان وركيك الأسلوب، وله الشكر مني في ظهر الغيب لأنه ليس بغباء لغويينا المعاصرين الذين يصرخون في فراغات الثقافة والتضليل العلمي حين يسوقون للفهم القاصر بأن الصحيح والفصيح هو ـ فحسب ـ ما نطق به شخص ما قبلنا وورد في أثر ما في كتاب ما أو مروي ما … ويظلون يغذون طلاب اللغة بهذا التضليل العلمي المناقض للمنطق أولاً وللواقع ثانياً، لا يوجد كاتب مبدع ولا متحدث مثقف يسمح بتسليم لسانه وقلمه للتضليل اللغوي والمفاهيمي.
ولا بد أن نشير إلى أن الفارق الجذري بين الفصحى والعامية هو النحو المعتمد في الفصحي ولو أخرجت إحدى الجمل العامية من نظامها النحوي العامي ثم طوعتها للنظام النحوي الخاص بالفصحى لصارت فصيحة، أي أن كتابتها أو نطقها حسب النظام النحوي المعين هو ما يقرر صفتها وليس سابق سيرتها عند سلف سابق لنا، كما أن المفردة بذاتها لا تعني أي شيء خارج سياق الجملة الواردة فيها والذي يوجه معناها هو تآلفها مع مفردات أخر لتشكيل معنى مشترك بينها، كما أنها ستظل معلقة في الفراغ الدلالي إلى أن تتصل بغيرها وتتشارك في صيغة دلالية ونحوية تمنحها موقعاً في الجملة، ومن هنا فلا معنى أبداً أن نسأل عن مفردة ما وهل وردت في الفصحي (صيغة أو معنى) تحت مظنة أنها إن لم ترد فهي في حكم المنفي، ولن يكون هذا علماً، إنما هو تضليل علمي.
والخلاصة العلمية والعملية هنا أن المفردة، أي مفردة، (أو صيغة) إذا دخلت في الاستخدام العام فهي بالتالي عنصر لغوي تبعاً لكون اللغة قيمة تداولية وتشاركية، وبالتالي ستتوثق المفردة بصيغتها الصرفية وبحالتها الدلالية كما تشيع في الأقلام والألسنة وهذا تحصين ظرفي لها، وأي محاولة لطردها من المعجم اللغوي التداولي ستكون ضرباً من إيهام المرء لنفسه ولن ينتج عن هذا سوى الخوض في منطقة الهدر الثقافي لأن لا أحد سيسمع منه، أما قاطرة اللغة فستتركه عند المحطة الأولى، وضحايا هذا دوما هو طلبة اللغة الذين يظنون أنهم بهذا التوهم يحرسون لغة الضاد، في حين أنهم يقحمون أنفسهم في مصارعة مع طواحين الهواء.
رابط المقالة:
http://www.al-jazirah.com/culture/2015/04042015/ttt20.htm

مقالة الدكتور عبدالله الغذامي في الصميم. وأنا أتعجب أشد العجب من اشتغال الكثيرين بمثل هذه الخزعبلات على أنها علم .. إن لذلك أهمية في الدراسات الللغوية التاريخية والتأثيلة فقط. أما خارج تلك الدراسات فيعتبر الاشتغال بذلك من الأمراض المزمنة في الثقافة العربية. وجميع من يشتغل بذلك إنما يشتغل بمتجاوز العلم وبما لا طائل منه وناهيكم بذلك خسارة للوقت والجهد والمال العام. وعبثا تبحث في رسائل الجامعات عن رسالة مفيدة معظم الرسائل المنشورة اجترار لا خير فيه.
لقد أبدع أوائلنا في أبحاثهم ونحن نكرر كلامهم دون إضافات معرفية تذكر. بل إننا نكرر كلامهم في الاحتجاج والمحتج بكلامهم وشبهه وكأننا نعيش في العصر الأموي في وقت تواجه العربية فيه مشاكل عويصة تهددها في وجودها.
تحياتي الطيبة.

كلام د. عبد الله الغذامي وجيه من حيث المبدأ والرؤية ومن حيث إعادة النظر في الإيقاع الذي تتحرك به اللغة العربية في مواكبة العصر، ولكن ينبغي التثبت في وضع منهاج التطوير وتأسيس مقاييس التوليد، وإلا فتصبح اللغة مستباحة للأجنبية والدوارج، ولا يكفين أن يقول القائل إن اللغة تتطور شئنا أم أبينا وإلا تجاوزتنا، وأن الأجدر بنا وبها أن نفتح الباب على مصراعيه لولوج كل جديد ولا حاجة إلى قواعد اشتقاق ولا إلى آليات وضع مفردات جديدة وتراكيب جديدة وصور بلاغية وأدوات بناء الدلالة… لأن القواعد عائق يحول دون انعتاق اللغة وتطورها،..
والحقيقة أن القول بتطوير اللغة شيء، والسؤال عن الطريقة شيء آخر، بل طريقة تطوير اللغة هي أم القضايا، وينبغي الكف عن الخطب الرنانة التي تملأ الدنيا وتشغل الناس من غير عمل، ينبغي الانتقال إلى الحديث عن منهج التطوير، وقواعده وأدواته ووضع خطط لذلك

ما يقوله الغذامي هو نفسه ما يقوله و يروج له كثير من المستشرقين و اللسانيين المحدثين من أن اللغة هي ما يجري على ألسنة الناس، دون قيود أو ضوابط أو قوانين لغوية، و أن هذا من لوازم الدرس اللغوي الحديث القائم على وصف ما يقوله أهل اللسان أي المتكلمون به ،سواء وافق القواعد أو الأصول أو لم يوافقها. فكل ما يرتضونه و يتعارفون على استعماله – صحيح و إن خالف كلام من قبلهم : أي و إن خالف القواعد … بل إن هذا النوع من النظر اللغوي لا يعتد بالقواعد اللغوية أصلا لأن اللغة عندهم عمل تلقائي عفوي إنساني فكل ما دار منه على ألسنة المتكلمين اكتسب شرعيته و إن فارق قواعد المألوف! إنه الفكر الحداثي الذي يؤمن بحرية الإنسان في أن يتحدث بما شاء كيف شاء متى شاء دون قيد من نظام أو أصل يرجع إليه !
و لا يخفى على كل له أدنى صلة بعلوم العربية وعلوم الإسلام خطر مثل هذا الفكر الغريب على اللغة و على التراث الإسلامي كله؛ لأنه متى تمكن في النفوس أدى إلى نقض الأصول و خلخلة الثوابت العلمية ؛ تحت دعوى البحث العلمي!
و الأمر فيه تفصيل كثير لا يخفى عليكم، فليس إنكارنا لمثل هذه الأفكار إنكارا عاطفيا إنشائيا، ولكن لأنها ذات خطر حقيقي على من ضعفت صلته بعلومنا العربية والإسلامية لما فيها من يهرجة القول و أسلوب السخرية بعلومنا؛ فإن المتبنين لمثل هذا الفكر يعلمون أنهم لا ينتقدون أفكارنا بل ينتقدون الأفكار التي هي أصول ثابتة في علومنا، و يصورون المتمسك بتلك الأصول بأنه يعيش في غير عصره، وأنهم يانتقادهم لهم يقودون حركة التحديث والتجديد في الفكر اللغوي والبحث العلمي!
و قد دأب مثل هؤلاء الناقمين على القواعد والثوابت والداعين إلى التحرر من القيود المكبلة للتقدم – زعموا – دأبوا على خلط الأمور و إدخال بعضها في بعض؛ فصوروا الموقف اللغوي عند بعض من برونهم من أصوليي اللغة – صوروه على أنه رفض لكل جديد في الألفاظ و التراكيب اللغوية على إطلاقه، وهذا غير صحيح؛ فإن التطور اللغوي سنة لا يمكن إنكارها ولا يملك أحد إيقافها،كما هو الشأن في كل شؤون الحياة، لكن لابد أن يكون ذلك التطور وفق معايير لغوية و أصول ضابطة، و معلوم أن التطور في كل شأن بلا ضوابط يؤدي إلى الفوضى و الفساد، فكيف به في اللغة التي بها تنضبط الأفهام و تستقر العلوم وتفهم المصطلحات والنظريات؛ بل بها يفهم مراد الله تعالى و مراد رسوله صلى الله عليه وسلم فتستنبط بها الأحكام و الشرائع!

أنا أؤمن بمعيارية اللغة كما تركها لنا الأوائل ولكن على المستوى النحوي والصرفي والصوتي فقط وليس على المستوى اللغوي أي مستوى المفردات فهذه لا يمكن تقييسها ومعيرتها نهائيا لأن المفاهيم والمعاني تتطور على الدوام. وأفهم من كلام الدكتور الغذامي أنه ينتقد هذه النقطة تحديدا.
إن الحديث في معيارية الألفاظ وقل ولا تقل بناء على كلام الأقدمبن – على مستوى المفردات فقط – عبث علمي محض يشتكي منه المعجميون واللغويون والمترجمون لأنه عندي بمثابة سور يضرب على اللغة ويحول بينها وبين الهواء الطلق فيخنقها .. هذا واقع قائم أخي الكريم ينبغي إدراكه.
ولعل غياب معجم تاريخي شامل للغة العربية يؤرخ لكل مفردة تأثيليا ويتتبع تطور معانيها دلاليا هو المسؤول عن انتشار هذا الضرب من المعيرة أو التقييس الانتقائي على مستوى اللغة.
وليس لرأيي علاقة بالمستشرقين كما يرى أخي الحبيب الدكتور علي الحارثي من ولا بمن يدعو إلى التخلي عن المنظومة النحوية والصرفية والصوتية المعيارية كما تناهت إلينا من أوائلنا لحجج واهية، فأنا أعتبر من يدعو إلي ذلك زنديقا هرطيقا ينبغي التصدي له. فأرجو التفريق بين الأمرين.

المفردات لايمكن تقييسها ومعيرتها… هذا رأي محترم يؤخذ بعين الاعتبار في تطوير اللغة، ولكن لا يتصور بحال من الأحوال أن يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لدخول مطلق الكلمات، من غير قيود تحافظ على نسق العربية الخاص، لأن هذه العملية في ذاتها عشواء لا تتناسب ونظامية اللغة، يتعين أن يكون توليد الألفاظ الكثيرة التي تعبر عن المفاهيم المتكاثرة، عملا اشتقاقيا او نحتيا أو تعريبيا منظما يحافظ على السمت الذي عليه اللغة، فلا ينكر أحد وجوب التطوير والمواكبة، وما قاله د. الغذامي صحيح بقيود، والكلام في المذهبيات أو التعلل بها ينافي العلم، وأقصد بذلك أن يتحول الكلام إلى دفاع عن الانفتاح المطلق أو ضده إلى الانغلاق المطلق، تحت مظلة التشبه باللغات المنفتحة أو مظلة الحمائية، فالكلام في النزعات مردود وينبغي أن يسقط من حساب الحجاج العلمي في القضايا الكبرى كقضية تطوير اللغة

أخي الدكتور عبدالرحمن بودرع
رأيك محل تقدير واعتبار وأراني متفقا كليا معه. ليس نقيضُ استحالة التقييس والمعيرة كشفَ ظهر اللغة لكل غاز من الخارج ومفرط من الداخل. اللغة أثمن ما نملك بعد الدين الحنيف ويجب أن نحافظ عليها. والحفاظ عليها يكون بتوفير أسباب الحياة لها وليس بوضعها ومفرداتها خارج الزمن.

موضوعات ذات صلة

Leave a Comment