عمي ياسين


  على رغم أمراضه البادية والخافية، دلف قبلي إلى محفل مناقشتة رسالتي للماجستير سنة ثلاث وتسعين وتسعمئة وألف للميلاد، متوكئا ذات اليمين على عصاه، وذات الشمال على أبي.
  عرّفته إلى ضيفي العظيم محمود محمد شاكر ، رحمه الله!
– عمي ياسين مندور، زوج خالتي، من قرائكم في الثلاثينيات.
– أسرها في نفسه، ثم أبداها.
– ألا تكفي “عمي ياسين مندور”!
– يا لها زلة!
  أين أخفي وجهي من سائر أهلي الذين يناديه فيهم بالأبوة من هم مثلي بل أكبر!
  يا ضيعة ما أدبني!
– ياسر أبر منك!
– أجل. غفر الله لي!
  ليت ياسرا ابنه يعلم ما قاله فيه، ويجهل ما فعله لي!
  لقد كان لي بحدائق الزيتون من القاهرة، معلما ودودا رحيما.
  لم يكن في ذاكرتي طفلا عن منزله المشرف على طريق القطار، إلا أنه شقة يسرى من أعلى طوابق مبناها الثلاثة، صغيرة المساحة، ضاحية للشمس، لينة للقطار، تمشي إليه بحذائه طويلا، أسرتي الآيبة من بني سويف إلى المنوفية، المتلبثة بالقاهرة للزيارة، فيصخب فيه اثنا عشر صوتا لو مادَ بها لعذرته المنازل!
  ثم لما أقمت بجمعية رعاية الطلاب، طالبا بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة، فارتحت إليه- أكثرت زيارته، حتى لتستقل بذاكرتي أحجار وأشجار وقضب قطار كان بخاريا عنيفا فصار كهربائيا لطيفا.
كانت بالمملكة السعودية أسرتي كلها إلا أنا وأختي الطالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعتي نفسها، فكنت مرة أمكث بمقامي، وربما زرت أختي بمقامها، ومرة أرحل إلى قريتي، ومرة أزوره.
  أملأ حقيبتي الرياضية الحمراء التافهة، كتبا قيمة وملابس متوسطة، ثم أذهب فأركب إلى رمسيس الحافلة الخامسة عشرة، حافلة دار العلوم (موقفها أمام بابها، وركابها طلابها غير القاهريين الذين موقف أحمد حلمي خلف ميدان رمسيس منتقلهم إلى بلادهم) ، ثم أمشي قليلا لأركب قطار عزبة النخل الذي يمر بحدائق الزيتون، فأعتلي في سبيل ذلك الجسر المحاذي لتمثال رمسيس الثاني، فأطاوله، فأعلوه:
– ها أنا ذا فوقك، أيها الفرعون العظيم!
  ولدت شاردا. قالت لي أمي مرة: كنت وأنت رضيع، إذا حملت بكيت، وإذا وضعت كففت! ربما قطع حملي شرودي، ووصله وضعي!
  “وأنا في رياض المثال الغريب أحاول سورة هاء الشهود بآية راء الشرود ” براء ص 62.
  لذلك سهلت علي آنئذ الحافلة، وصعب القطار؛ إذ أبقى فيها حتى موقفها (ميدان رمسيس)، فينزل بي منها الركاب والسائق والتابع، أما القطار فلو لم أتعلق بمعالم طريقه، لتنازعتني الجهات!
  أنزل من القطار، فأمشي بحذاء طريقه، سعيدا باتصال الحاضر والماضي، إلى شارع أبادير، ثم أختطف درج المبنى الثالث، إلى الطابق الأعلى والشقة المفتوحة الباب غالبا، وكأنه رسول أبواب دور قريتنا إلى أبواب شقق القاهرة، يدعوها إلى الانفتاح! ولو صادفته مغلقا، لجذبتني على ظهره لوحة نحاسية باسم الرائد ياسين مندور!
  أجل، معلمي الودود الرحيم، كان ضابطا بالجيش المصري. لكن ظن برجل عاقل عالم فنان ضابط.
  لقد بقيت سبع سنوات، منذ أن طلبت بالقاهرة إلى أن تزوجت فأقمت بمنوف، زوارا له دوارا عليه بما يحدث لي، أقص عليه كالسائل، فيقص علي كالمجيب، حتى اشتملت على طرف عزيز من علمه وفنه، كأنه أمنية مصطفى صادق الرافعي “أَنْ تُصَاحِبَ عَالِمًا عَامِلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَحْفَظَ مِئَةَ كِتَابٍ”، أخطأها، فأصبتُها هبةً لم أطلبها، جهلا بها، لا غنى عنها.
  كنتُ بجواب عينه أعرف قيمة ما قلت، ثم بجواب لسانه أعرف ما ينبغي أن أقول.
  كانت نظرته أفصح من مُحكَّكة الحكيم، وكلمته أشعر من حَوليَّة الشاعر.
– اخرج إلى موعدك قبله بزمان، فربما طرأ عائق.
  ثم يضبط لي منبهه، ويتفقد يقظتي إلى ما يعرف من مواعيدي.
– من لمعان حذائه يعرف الأنيق.
  ثم يقتطع لي من قطيفة عزيزة لديه، قطعة بوصية أن أحملها معي دائما ألمع بها حذائي، فأفعل، لأعرف قريبا أنه صنع ذلك نفسه لأخوي!
– لا يضر الأنيق عجزه عن تعديد الأثواب، فثوب واحد نظيف مكوي، فيه كفايته.
  ثم تختدعني خالتي إلى حقيبتي الرياضية الحمراء التافهة، فتستخرج أثوابي، فتغسلها وتنشرها، فلا أؤوب بها إلى مقامي إلا نظيفة مجهزة.
– استوثق من نظافة أدواتك.
  ثم يأخذ كوب شاي غسلته، فيريني كيف تتعثر بالماء على زجاجه دوائر الوسخ الخفي، ثم يدلكه بليفة مُرْغِيَة، ثم يغسله ويريني كيف يجري على زجاجه الماء لامعا كأنما صنع الآن.
– سوء الطعام من سبل الحِمية!
  ثم ينصح لزوجِهِ الصَّنَاعِ المراعية نصيحة الطبيب له، أن تسيء هي صناعة الطعام ليقلل هو أكله!
– الناس مختلفون طاقة.
  ثم ينصح لي ألا أهلك نفسي بحملها على ما يطيقه غيرها ولا تطيقه.
– ينبغي للمستمتع أن ينشط.
  ثم ينصح لي أن أرتاح في الجلوة.
– ليس في العري من جمال.
  ثم يستبعد لذلك أن تتجرَّد إغواءً الغواني.
– ليست الرقة من أوصاف الرجال.
  ثم يعيب علي وصفي له بالرقيق، في خلال إهدائي إياه مجموعتي الشعرية الأولى.
– من الرجال من لا يبوح بحبه.
  ثم ينصح لي ألا أنتظر بوح بعض الرجال بحبه.
– لكل كلامٍ رجال.
  ثم يحكي لي كيف انتظَمَهُ مرة صفُّ رجال يشترون خبزا، فسمع أحدهم يسيء القول في النساء، حتى لَيجعلُ المرأة منهن نعلا يلبسها الرجل! فعاتبه على ذلك بأنها التي يحتضنها كل مساء! فغضب الرجل: تقصد أنني وامرأتي نعلان! فأنشده:
  ليلى على دينِ قيسٍ فحيثُ مال تميلُ
  وكلُّ ما سَرَّ قيسًا فعند ليلى جميلُ
  فأنكر عليه الرجل أن يسب دينه، ولولا السن لربما ضربه أو سبه!
– والدك عالم فنان.
  ثم ينعى علي تقصيري عما ينبغي من ملازمته ومحاورته.
– كان العقاد فاتكا!
  ثم يحكي لي كيف كتب في الفلسفة فآخذه بقلة الاطلاع بعض الفلاسفة، فجاءه من مقالته التالية بما أعجزه مما قرأه بين المقالتين.
– إنما نبه الخولي إلى بنت الشاطئ اجتهادُها.
  ثم يحكي لي كيف سأل الخولي تلامذته عما قرأوه، فأدهشَتْهُ دونهم بما قرأت، بنتُ الشاطئ تلميذته التي تزوجها بعدئذ.
– القراءة أهم من الطعام.
  ثم يحكي لي كيف أنفق في الكتب مال الطعام راضيا بالجوع.
– للكتاب حرمة.
  ثم يعلمني كيف أعامله وأحميه، لا يسمح بإعارة كتبه، وإن أهداني منها.
– ينبغي للشاعر أن يختار الكلمات السهلة القريبة من الناس.
  ثم يعيب عليَّ في أوليتي وحشية كلماتي، ثم يضحك بعدئذ من تَحدُّرها سهلةً قريبة.
– ليس أعذب في الموسيقا من ضحك الأطفال.
  ثم يحتفي بأطفال أبنائه، يحدثهم ويسمع، ويستثيرهم ويثور.
– العصيان أدعى إلى الصدقة من الطاعة.
  ثم يرى السائلين على أبواب المعاصي أكثر وأحكم منهم على أبواب المساجد.
– ليست مراتب الخشوع لله، على حسب السلطان أو الجاه أو العلم.
  ثم يذكر سمّاكًا أشعث أغبر أذفر، صادفه حيث يصلي، أحسن منه صلاة.
  ماتت خالتي -رحمها الله!- بالقاهرة، فانتظرناها بقريتنا حيث مثواها، حتى وصل ركبها، ثم صلينا عليها ودعونا لها، ثم دفنّاها -لطَف الله بكل أسرة استردَّ منها سبب رحمتها!- رأيتُ صغيرتها تنظر إلى جثمانها الطاهر نحمله، فرأيتُ روحها يفرُّ من عينيها إليها، وادةً لو حيَّتْ به دونها! رأيت أميرها قد أعجزته قدماه فقعد، وأعجزته عيناه فبكى، حتى إذا ما رأى أبي انتحب:
– ماتت أم ياسر! رحمها الله!
  بقي عمي ياسين وحيدا إلا من رعاية أهله، حتى أخذه ابنه ياسر ليعيش معه في المملكة السعودية حيث يعمل.
  زارنا بعدئذ في منوف مرة، فهرعت إليه، وابتهجت به كمن انتبه من طول غفلة، فوجدته ملولا كمن تغافل من طول انتباه!
  مات عمي ياسين -رحمه الله!- هذه السنة الحادية والألفين للميلاد، في صحبة ياسر، وأنا بسلطنة عمان حيٌّ عجز عنه، فأف لها حياة دنيا!

(942) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment