طه حسين الثاوي في محمود شاكر: قراءة في تلاقح الأضداد، لسامي العجلان


ما لنا كلُّنا جَـوٍ يـا رسولُ

أنا أهوى، وقلبكَ المتبولُ !

أبو الطيب المتنبي

طه حسين الثاوي في محمود شاكر: قراءة في تلاقح الأضداد – منصة معنى الثقافية (mana.net)

أ – مدخل:

بقدر من التأمل في حياة الأعلام والكتّاب، وبشيء من التدقيق فيما كتبوه قد نتمكن من الوصول لعدد من بواعث توجههم الفكري واهتماماتهم المعرفية، ومن أبرز الوسائل الـمُعينة على هذا: تتبُّع الأساتذة الذين تتلمذ العالِم أو الكاتب على أيديهم، أو اختار المضيّ على دروبهم المعرفية، ستسمع مثلاً أبا عمرو بن العلاء يُوسوس لك وسط أحاديث الأصمعي وآرائه النقدية، وستصادف روح أبي إسحاق النظّام وعقليته المتسائلة في كثير من وقفات الجاحظ المباغتة لك، وقد تتعرف على نبرة المعري الميّالة لمخالفة المألوف وأنت تتصفح آراء تلميذه: ابن سنان الخفاجي الجريئة، كتأييده مثلاً للقول بالصرفة في إعجاز القرآن.

في المقابل هناك بعض المؤلفين والكُتّاب لن تجد محرضه الأكبر على الكتابة متمثّلاً في أساتذته الذين ارتضى نهجهم، واقتفى أثرهم، بل في كاتبٍ سابق له ومخالف له في التوجه الفكري اصطدم بأطروحاته -ربما دون قصد مسبق- فرجّته رجّاً جعله يعيد النظر في كل ما تلقّى وقرأ، ولكن روح التحدي والمقاومة داخله دفعته إلى أن يشقّ طريقه الخاص والمتجافي، لكي يسجّل أمام نفسه أولاً، ثم أمام عصره ومُجايليه ثانياً قدرته على اتخاذ موقف مستقل وضدي من هذه الأطروحات الصادمة له، وربما أمضى عمره كله وهو يحاول إقناع نفسه بصواب توجّهه الناقض لتلك الأطروحة، وغالباً ما نرى هذا التوجه الجذري في ضدّيته، والذي يكاد يختصر حياة بأكملها لدى الكّتّاب الأكثر حساسيةً في استقبال الأفكار، والتيقّظ للوازمها، والاستشراف اللمّاح لمآلاتها.

هذا يعني أننا نتحدث عن تلاقح خلاق بين الأضداد -أو بين ما يبدو للعيان أنهم أضداد- وهنا يحتاج الأمر إلى حفر أعمق لاكتشاف هذا التلاقح الخفيّ الذي يظهر أمام الناس بصورة: هجوم سافر، أو صِدام عنيف، أو اعتراض مشاكس، أو تحفّظ حذِر، أو تجاهل مُكابِر، أو سخرية مُستخِفّة.

هكذا ستجد مثلاً القاضي عبدالجبار ثاوياً في عقل عبدالقاهر الجرجاني الذي جعل همّه أن ينقض آراء هذا العالِم المعتزلي الكبير، مجيّراً فكرة النظْم ذات الجذور الاعتزالية/الجاحظية، لتغدو فكرة أشعرية تنتصر لأطروحة (الكلام النفسي).

وسترى ابن سينا يمتحن بـ(شفائه) طمأنينة الغزالي، ويُدخله سرداب الحيرة، وينازعه نفسه التي بين جنبيه، فيندفع أبو حامد ليُحامي عن ذاته المحاصرة وعالمه المهدّد وسكينته المفقودة بتصنيف (تهافت الفلاسفة)، مقرّراً ضلالهم وكفرهم في ثلاث مسائل كُبرى -وابن سينا على رأسهم- فيما كان الغزالي في الوقت نفسه يواجه -وحيداً- “ثورة الشك” العاصفة والمتوارية وراء ثباته الظاهر، ويسبح جاهداً ضد التيار الفلسفي الجامح الذي رماه ابن سينا بين أمواجه، ليجد أخيراً مرفأه (المنقِذ من الضلال) يتخايل أمامه على مشارف جزيرة التصوف.

بعد قرن تقريباً ستصادف الغزالي مرةً أخرى يومئ إليك بالتحية وسط مؤلفات الفيلسوف ابن رشد التي كان ينقض فيها آراء أبي حامد، مقرّراً (تهافت التهافت)، ومشنّعاً في (فصل المقال) عليه وعلى سائر المتكلمين هذا الاضطرابَ الواسع الذي أحدثوه في عقول العوام، نتيجة توسعهم في التأويل المجازي للشريعة، بينما كان ابن رشد في الوقت نفسه يعتمد في مُرافعته التي دافع بها عن الفلسفة على ثنائية الغزالي المفضّلة التي يميز فيها بين: ظاهر العوام، وباطن الخواص.

وفي زمننا المعاصر سترى محمد عابد الجابري يُطل عليك خلف نظارات جورج طرابيشي التي أراد أن يتفحّص بها أخطاء الجابري وسقطاته في (نقد العقل العربي)، فإذا هو يكتشف قبيل وفاته أن كل ما كتبه من مؤلفات متعاقبة ضد مشروع الجابري لم يكن سوى إقرار ضمني بأثره الهائل في تكوينه الفكري، وفي انعطافه الاستكشافي الأخير نحو التراث.

سيطلع لك الجابري أيضاً ومجدداً من وراء عباءة طه عبدالرحمن الضافية، وسترى أن هذا المشروع الطاهوي الضخم، الطامح لتأثيل الأفكار والمفاهيم ضمن السياق التداولي العربي لم يكن ليتحقق لولا المسافة التي أراد طه عبدالرحمن أن يقطعها انطلاقاً -وافتراقاً- من عتبة (المفكّر فيه) عند غريمه الجابري.

وبعيداً هناك: ربما يتسنى لك أخيراً أن تتأمل الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر وهو يعزف مقطوعته المفضلة على مسمع من نيتشه الذي يُشيح بنظره المتعالي بعيداً وفي صدود ظاهري، بينما تهتز خلجاته لكل نقرة في الإيقاع الآسر.

ب-النموذج:

من بين هذه المواقف الـمُجافية التي تصنع من التجافي حياة كاملة: موقف محمود شاكر من أطروحات طه حسين، ويمكن أن نقول ابتداءً: إنك لن تفهم إنتاج محمود شاكر، وتستوعب بواعث صاحبه وغاياته منه، ما لم تقرأ المحرّض الأكبر له: طه حسين.

في الواقع فإن المشروع العلمي لمحمود شاكر يكاد يكون -وبإقراره المتناثر والمتواتر في كتبه- تفنيداً طويل الذيول وممتد الحواشي لأفكار طه حسين وأطروحاته المفارقة.

1-الصدمة:

لطالما تحدث شاكر عن (الزلزال) الذي أحدثه طه حسين في نفسه حين كان طالباً في الجامعة يستمع إليه وهو يشكّك بنبرته الساخرة في كل شيء، يقول شاكر مثلاً: “ومضت سِنون، حتى دخلتُ الجامعة، وسمعتُ ما يقوله الدكتور طه في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي رجّ حياتي رجّاً شديداً زلزل نفسي … فُوجئنا جميعاً بالدكتور طه، وبصوته الجهير، وبألفاظه العذبة، وبحسن تعبيره عن مقاصده، ثم بإنكاره صحةَ الشعر الجاهلي … وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرّعتُ الغيظ بحتاً، ووقعتُ في ظلامٍ يُفضي إلى ظلام، وفي حيرةٍ تجرّني إلى حيرة، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمّتي، وفي رُواتها، وفي نُحاتها، وفي مفسّري القرآن ورُواة الحديث، وبقيتُ أتلدّد يميناً وشمالاً زمناً متطاولاً “([1].

ويصف شاكر في آخر مقاله (المتنبي ليتني ما عرفته) هذه الفترة العصيبة من حياته، وكيف وقع في “محنة قضية الشعر الجاهلي”، وكيف تجرّع أهوالها التي كادت تُفضي به إلى الهلاك، يصف هذه المحنة وبينه وبينها خمسون سنة، ولكن سخونة الوصف وحرارة التعبير تُشعرك بأنه يتحدث عن تجربة ما تزال حيّة متوقّدة في داخله، وكأن مرور السنين الطويلة لا يزيدها إلا تلظّياً: ” فمنذ خمسين سنة قذفتني القواذف في المعمعة، فأنا أخوض الغمرات في قضايا الفكر والنظر، وأطأ على أشواك الاختلاف والتناقض، وتتخطّفني خطاطيف الشكوك والريب، وأقف على شفا حفرة من النار، لو زلّت بي قدم لهويتُ على نار لا قرار لها سبعين خريفاً”([2]).

ولا يملّ محمود شاكر من تكرار الإشارة في معظم مؤلفاته إلى هذه العشْرية المظلمة من حياته: “اعلمْ أني قضيتُ عشر سنوات من شبابي في حيرة زائغة، وضلالة مُضْنية، وشكوك ممزِّقة، حتى خِفتُ على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، مُحتقِباً إثماً يقذف بي في عذاب الله بما جنيت، فكان كلّ همّي يومئذ أن ألتمس يصيصاً أهتدي به إلى مخرج يُنجيني من قبر هذه الظلمات المطْبِقة عليّ من كل جانب”([3]).

فهل اهتدى إلى المخرج من هذه الظلمات؟ هل تجاوز تلك الحيرة الزائغة؟ هل نجا بنفسه من الوقوع في الهاوية؟ عن هذه الأسئلة يجيب محمود شاكر: “نعم، قد نجوتُ قديماً -بحمدالله وبرحمته- من غوائله، ولـمّا أكَد”([4]). ولك أن تقف طويلاً عند الجملة الأخيرة من كلامه: “ولـمّا أكد”، فهي التي تكشف لك لماذا يتحدث محمود شاكر عن هذا (الماضي) دائماً، وكأنه حاضر مستمر ومتجدد أبداً. نعم، هو ممتنّ لسلامته المستردّة بعد طول غياب، ولكنه مدرك أيضاً أنها سلامة أسيفة لا تفارقها ذكريات الغرق، أو كما يقول: “وسلمتُ -بحمده سبحانه- بعد مخالطة العطب”([5]).

2-توابع الزلزال:

أمّا لماذا كان لقضية أدبية مثل قضية (التشكيك في صحة الشعر الجاهلي) كل هذا التأثير المزلزِل في نفس شاكر، والذي دفعه إلى قطع دراسته في الجامعة، ثم إلى الهجرة من مصر بالكلية؟ فإن ذلك راجع إلى المآلات اللازمة التي كان يرى أنها تُفضي حتماً إليها: “محنة الشعر الجاهلي، حين أخذتني قديماً، فقذفتْني قذفاً في الأمر المخوف المهوب، الذي تنخلع عنده القلوب، وهو: إعادة النظر في شأن إعجاز القرآن”([6]).

ولعله يقصد أن نسف الشعر الجاهلي من الوجود يعني حرق الوثيقة الأهمّ التي تُظهر تفوُّق الجيل الذين تنزّل عليهم القرآن، وتحدّى بلاغتهم الفائقة ببلاغته المعجِزة، “لأن أصحاب هذا الشعر الجاهلي هم الذين نُزّل عليهم القرآن العظيم”([7])، فإذا زالت هذه الوثيقة الشعرية البليغة، فما الذي يجعل الأجيال اللاحقة تسلّم بتحقق الإعجاز في مناطه؟ أي أن اطّراد الإقرار بإعجاز القرآن عند الأجيال اللاحقة مبنيّ على الإقرار بأن الجيل الذي تنزّل عليه القرآن هو الجيل العربي الأبلغ، فإذا كان قد عجز عن مُجاراة بلاغة القرآن، فمَن بعده من الأجيال سيكون أكثر عجزاً.

هكذا -فيما يبدو- تصوّر محمود شاكر العلاقة التاريخية الوثيقة بين الشعر الجاهلي وإعجاز القرآن، متأثراً ببعض البلاغيين المتقدمين، وإن تحفّظ على استعمالهم تعبير (الإعجاز)، مفضّلاً تعبير (الآية)، لأسباب يطول شرحها([8]).

3-فلسفة المحنة:

في محطات معينة من حياته، وأمام إلحاح الأسئلة والتعليقات حول أسباب هذه الصدمة العنيفة التي تبدو للآخرين أضخم بكثير من باعثها، سيحاول محمود شاكر أن يُفلسف محنته الذاتية، ويضع لها إطاراً عاماً مستمداً من بعض الملابسات التي أحاطت بتجربته في الجامعة، فيتحدث عن (فساد الحياة الثقافية) التي تسمح للكبار أن يسطوا على بحوث الآخرين وينسبوها إلى أنفسهم، كما صنع طه حسين حين استمد كثيراً من مقولاته التي أسس عليها كتابه (في الشعر الجاهلي) من بحث سابق للمستشرق البريطاني مرجليوث كان قد نشره بعنوان (نشأة الشعر العربي)، ثم يتناهى خبر هذا السطو المكشوف -في نظر شاكر- إلى الجامعة وأساتذتها، فلا يحرّك أحد منهم ساكناً تجاه هذا الإخلال المنهجي الكبير الذي وقع فيه زميلهم، وهو ما حدا بشاكر إلى العزوف النهائي عن الدراسة في جامعةٍ بهذا المستوى من الفساد والتدليس([9]).

ولكن هذه القضية الثقافية والأخلاقية تظل -على أهميتها- أعجز من أن تفسر “الغمرات” الخانقة التي أحاطت بهذا الشاب، و”خطاطيف الشكوك” التي اجتاحت قلبه الغض، و”قبر الظلمات” الذي أطبق على صدره، منذ استمع إلى محاضرات طه حسين في الجامعة.

في الواقع لقد هاله أن يرى هذا الأستاذ المصري (بل الصعيدي مثله) الذي تربطه به صِلات ممتدة، ويعرف ألمعيته وتأسيسه الأزهري، وتضلّعه من التراث، ويعرف أيضاً أنه درس قبله على يد الشيخ  نفسه الذي يدرس شاكر عنده ويقدّره كثيراً، وهو الشيخ سيد المرصفي، ومع هذا كله تصل به الجرأة المستحدثة إلى أن يهزّ العلْم القديم هزاً عنيفاً دون أن يُبالي، بل وأن يرى أن (المنهج) الحديث يستدعي أن يُقلَب العلْم القديم رأساً على عقِب، وألّا يبقى منه إلا أقلّه، وقد ينتهي إلى تغيير التاريخ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ([10]) !

4-العودة إلى الذات:

فماذا كان موقف محمود شاكر من هذا (الزلزال) الذي أصابه به طه حسين؟

لقد اتخذ الموقف الذي يجب أن يتخذه أيّ عقل مستقل لا يُسلم مِقْوده لأحد، وإنما يسبُر أبعاد ما يسمع ويقرأ، ويخلص من الحاضر إلى الغائب، ومن الجليّ إلى الخفيّ، ويتجاوز انتفاش الدعوى إلى امتحان البرهان، ثم يرصد القرائن المتماثلة مهما تباعدتْ، كما يميّز بين الظواهر المتباينة وإن تداخلتْ جذورها، وتشابكتْ فروعها، وكي يحقق شاكر هذا (السبْر) المتأنّي الدؤوب كان عليه أن يخوض رحلة طويلة في مصنفات الأقدمين -بشتى علومها- وكان من لوازم الاستعداد لهذه الرحلة أن يحتجب عن محيطه المألوف ويعتزل ضجيجه وصوارفه، وقد كان.

وبعد سنوات عاد محمود شاكر من هذه الرحلة الممتدة وهو أصلب عوداً وأقوى شكيمة، وأشد عناداً وضدّية للزلزال وصاحبه، لاحقاً سيتذكر محمود شاكر أنه استهلّ هذه الرحلة الطويلة بقراءة متأنّية لدواوين الشعر العربي ومجاميعه، لتنعطف القراءة بعد ذلك نحو أهمّ الحقول المعرفية في التراث، متلمّساً في هذه النصوص جميعاً روح العربي ونُسغ اللغة الجامعة: “كلّ إرث آبائي وأجدادي كنتُ أقرؤه على أنه إبانة منهم عن خبايا أنفسهم بلغتهم، على اختلاف أنظارهم وأفكارهم ومناهجهم”([11]).

وكان نتيجة هذا التطواف الطويل أن تبدّتْ له أخيراً ملامح الطريق، فكان (ما قبل المنهج) هو الخطوة الأهمّ في سبيل التحقق، للوصول إلى المنهج التراثي الأصيل، وكان (التذوّق) الناقد المدقق هو أبرز متّكأ يمكن أن يُستمسك به ويُعتمد عليه لاستنباط معالم هذا المنهج، ولتطبيقه على النصوص في آنٍ معاً.

هكذا يبدو أنه لولا طه حسين ما كان محمود شاكر الذي نعرفه، لا بمعنى أن طه حسين هو الذي صنع محمود شاكر، وكوّن محصوله العلمي، بل بمعنى: أن أفكار طه صادفتْ من شاكر قلباً غضّاً فأوقدتْ جذوته، وعقلاً موّاراً فاستفزتْ كبرياءه، ونفساً مطمئنة إلى ما لديها، فأقلقتْها وأفزعتْها، ودفعتْها إلى الاستقراء الجذري للأصول، بغية الوصول إلى المنهج التراثي الخبيء الذي يوحّد شتات العلوم، فكانت “رحلة طويلة جداً، وبعيدة جداً، وشاقّة جداً، ومثيرة جداً”([12]).

هذا على الرغم مما يشُوب شرح شاكر المطوّل والمكرر لهذا (المنهج) التذوّقي الذي عُني به من عُسر في الاستبانة، وضبابية في الإبانة يُقر شاكر نفسه بهما إذْ يقول “فأنا أُوثر اليوم أن أعاود السير فيه وحدي، بيني وبين نفسي، لأني أخشى أن تكون معالمه عندي قد درستْ وامّحتْ، وخفي عني مَدبُّ أقدامي قديماً فيه، وتهدّمتْ بعض الصُّوى التي كنتُ نصبتُها مناراً حيث سرت، لكي أهتدي بها وأستدلّ على مذاهبي التي بلغتْ بي يومئذٍ طريقاً قاصداً، كان لي موئلاً ومفازاً ونجاةً وسلامة، ولذلك فأنا أخشى عليك أن تكون لي فيه صاحباً”([13]).

بالإضافة إلى افتقار هذا (المنهج) الشاكري إلى الأدوات الإجرائية المنظّمة التي تكفل تماسكه وتيسّر استثماره، عِوضاً عن الاعتماد على إطلاقات إنشائية تفخيمية عصيّة على التطبيق.

ومع كل (اكتشافاته) التراثية التي أعادت الطمأنينة إلى نفسه، والرحلة الطويلة التي قطعها للوصول إلى رؤيته المستقلة، والمنهج الخاص به، ظلّ محمود شاكر يحتفظ بهذه المسافة المحسوبة من الحذر القلِق والهيبة المتغلْغلة تجاه معلمه الجامح القديم، مع النأي بنفسه –في الوقت ذاته- عن أفكار طه حسين ومواقفه.

5-دفاعاً عن (القوس العذراء):

استمرّ طه حسين يُناكف شيوخ العلم المحافظين ذوي الطراز القديم، مبشّراً ببزوغ (عصر الأنوار) العربي المتحرر من سطوة التقاليد العتيقة، وهو التحرر نفسه الذي رأى فيه محمود شاكر أوضح دليل على (فساد الحياة الثقافية) في عصره ومسارها المنفلت الأهوج، بعيداً عن استيعاب الأصول.

واستهان طه حسين بالشعر الجاهلي، وشكّك في صحة نسبته لعصره، فصار توثيق هذا الشعر وتعظيمه -إلى ما يقارب التقديس أحياناً- ركناً أساسياً في المشروع العلمي لمحمود شاكر، بل غدتْ عظمة التراث الإسلامي كله مبنيةً على الإقرار الأوليّ بحقيقة الشعر الجاهلي وعظمته: لغةً، وأدباً، وبلاغة([14])، وبعد أن ملأ يده بمنهجه التذوقي الذي مكّنه من تمييز السمات الخاصة بالشعر الجاهلي، لم يعد لأحاديث طه حسين المشكّكة فيه أيُّ قيمة علمية عنده، إذْ “لم تزد قطّ على أن تكون ثرثرة فارغة، كما استيقنتُ ذلك فيما بعد”([15]).

وتهوّر طه حسين مِراراً في إصدار أحكام متعجلة على التاريخ الإسلامي والثقافة العربية القديمة، والتقليل من أصالة الأفكار عند أعلام التراث المشهورين، حتى ليبدو وكأنهم مجرّد مرايا عاكسة للثقافة الهيلينية المهيمنة على العالم القديم، فجعل محمود شاكر وكْده أن يُحامي عن التراث العربي كحارسٍ لبوّابته، وأن يعظّمه في نفوس قُرائه إلى حدّ الترهيب، وأن يجأر بالشكوى المرّة من شيوع (داء الاستهانة) في العصر الحديث، ثم أن يتندّر بعد ذلك وقبله من سذاجة الثقة المفرطة لدى بعض الكتّاب المعاصرين عند تناولهم نصوص الأقدمين الحاذقة، وعبثهم الطفولي المتطاول على كنوز معارفهم المرصودة.

ورأى طه حسين أن (مستقبل الثقافة في مصر) إنما يتأسس عبر انتمائها لثقافة البحر الأبيض المتوسط: هكذا كانت دائماً: عبر التلاقح المتبادل بينها وبين اليونان، وهكذا يجب أن تكون: عبر الإقرار بـ(الجوهر الواحد) الذي ينظِم العقل الأوروبي بالعقل المصري! وأن من الأوهام التي لا يعرف من أين جاءت: اعتقاد المصريين أن ثقافتهم شرقية، وليست غربية، فهل الصين واليابان والهند والشرق الأقصى البعيد أقرب إلى مصر من جيرانها الأوروبيين؟ وجواب هذا السؤال –عند طه- لا يحتاج إلى بيان([16]).

في المقابل رأى محمود شاكر أن امتداده الوثيق هو امتداد ثقافي، لا مكاني، وأن مصريّته مؤسسة على عروبته، فهو عربي أولاً قبل أن يكون مصرياً، لأن العروبة هي لغته التي يتكلم بها، وثقافته التي يفكر من خلالها، وإرثه الحضاري الذي ينتمي له ويُحامي عنه، وأن هذا الإرث الحضاري مخالف تماماً للإرث الحضاري الأوربي: معتقداً، وقِيَماً، وتاريخاً، وهُويّة، وأن مستقبل أيّ ثقافة إنما يُؤسَّس بالاستناد إلى ماضيها، أي أن ينشأ نشأة طبيعية من داخل الثقافة، لا أن يُفرض من الخارج عليها، وأن الوعاء العظيم الذي يستوعب مستقبل الثقافة كما استوعب من قبل ماضيها هو: اللغة العربية، وتحديداً لغة العرب الجاهليين، لأن كل ما جاء بعدها مبنـيٌّ عليها([17]).

6-عقابيل الجرح القديم:

ومع هذه المواقف المستقلة كلها ظلتْ جرأة طه حسين -التي تصل أحياناً إلى حد التهوّر- في مساءلة الأصول والمسلّمات الأدبية والتاريخية، وقد اكتسبتْ زخماً مضاعفاً بتناسل التلاميذ والـمُريدين والمؤيدين، ظلت هذه الجرأة المستهينة هي داء محمود شاكر الوبيل، والصخرة الجاثمة على صدره، والمشرط الأثيم الذي ينكأ جرحه القديم.

كان محمود شاكر في الواقع يجاهد طوال حياته، وبمشقة ظاهرة هذا (الطه) المتشكّك اللعوب، المتسرب فيه حتى الأعماق، ويراه ماثلاً في كل مستهينٍ بالتراث ومجترئ عليه، وقد دفعته هذه المجاهدة المتطاولة ليمدّ عنقه أكثر، محاولاً تأريخ هذا التشكيك، ومتتبعاً الجذور الأولى لفساد الحياة الأدبية -بحسب تعبيره- منذ عصر (النهضة)، وصولاً إلى وقته الراهن، ومحللاً “داء الاستهانة” الذي عصف بتراثنا العربي على يد كبار الكُتّاب بدءاً من الإمام محمد عبده، وتلامذته، وصولاً لقوافل الكتّاب اللاحقين([18]).

وهَوناً ما كان محمود شاكر يواجه اندفاعات معلّمه الجَموح، وإنك لتعجب: كيف يستحيل هذا الغاضب أبداً من كل ما لا يلائمه، العنيف غالباً مع من يخالفه إلى مُفاوض مهذّب لا ينسى لوازم التوقير والاحتشام حين يناقش أطروحات طه حسين مهما اختلف معه، هاهو ذا مثلاً يستهلّ حديثه عن كتاب (الفتنة الكبرى) لطه حسين بعد سنوات طويلة من (منعطف الجامعة)، فيقول: “وأنا أعرف للدكتور مكانه من العلم والتحقيق، وحسن تأتّيه في تخريج الكلام، فمن أجل ذلك أيقنتُ أنه سيملأ هذا الكتاب علماً… وقلتُ لنفسي قبل أن أتجاوز الكلمة الأولى من الكتاب: إن طه خير من يصوّر للناس هذه الأحداث المختلطة المضطربة، وخير من يهديهم في شِعابها إلى مفصل الرأي ومقطع البيان”([19]).

وبعد أن يناقش شاكر بعض أطروحات الكتاب يعود فيقول: “وهذه الخمسة أشياء كنتُ أستحي أن أحدّث الدكتور بها أو أناقشه فيها، لأنها من الوضوح والجلاء بحيث لا تخفى على رجل مثله خرّاج ولّاج، بصير بالعلم أحسن البصر”([20]).

تقرأ هذا الكلام: أوله، وآخره، فيثير فيك التساؤل عن سرّ هذا التودد والاحتفاء، ومبعث ذلك التوقير والتبجيل الذي يُكنّه شاكر لطه، مهما تباعدتْ شُقّة الخلاف بينهما في الرأي، ومهما بلغتْ خطورة القضية التي يناقشها معه، وهي هنا: (الفتنة الكبرى) بقضّها وقضيضها.

نعم، تابع محمود شاكر مقالاته لتفنيد بعض ما ذكره طه حسين في هذا الكتاب بدأب علمي وتحقيق لافت، ولكن هذا كله لم يمنعه من إظهار التوقير والتقدير لطه حسين كلما سنحتْ له الفرصة: المرة تلو الأخرى، وهو التوقير الذي لم ينسَ شاكر إظهاره في مناسبة أخرى، حين كان في أوج معركته الحامية مع لويس عوض، دفاعاً عن أصالة أبي العلاء المعري، فحين يعرض هناك لذكر طه حسين لا ينسى أنه “أستاذنا الكبير”، وأن يدعو له بأن: “أطال الله بقاءه”، وأن يُثني على ما يتسم به أستاذه القديم من “حبّ الأوبة إلى مقالة الحق”([21]).

ومع هذا التوقير لطه حسين ظلّ محمود شاكر محتفظاً في الوقت نفسه بحقه الدائم في التعبير عن اختلافه معه، ولكن دون الوصول لحدّ الخصومة، على الرغم من أن هذا الخلاف -كما يصرح شاكر في موضع آخر-: “خلاف بعيد الجذور، يبلغ حدّ التباين الكامل في الأصول”([22]).

ولعل مقاله المعنْون بـ(لا تسبُّوا أصحابي) هو من المواضع القليلة التي تجرّأ فيها محمود شاكر على نعت طه حسين بأوصاف حادّة، وإن لم يذكر اسمه، مُكتفياً بالإشارة إليه بأنه “صاحب كتاب الفتنة الكبرى”([23])، كما تضمنتْ مقالاته -التي دافع فيها عن أصالة كتابه (المتنبي) عبر موازنته بكتاب طه حسين عن المتنبي- أوصافاً حادّة أخرى([24]).

ومحمود شاكر يجيب بنفسه عن سبب هذه الفلتات المتناثرة تجاه أستاذه القديم، وحدود مُراده منها فيقول: “كلّ ما قلتُ من ذلك محدود بمواضع نقدي لنصوص من كلامه، لا ينسحب شيء منه انسحاباً مطلقاً على كل كلامٍ يكتبه، ولا على شخصه، من حيث هو أستاذ من الأساتذة الكبار”([25]).

7-نزهة مع الغضب:

وإذا كان محمود شاكر يتوخى -إجمالاً- الأدب والترفّق مع طه حسين، والتخفيف -بقدر ما يُسعفه الطبع- من بدوات التعالي والغضب، فإن هذه الكفْكفة الصبورة لا تُبذل مع أي أحد، وقد نستثني أسماء قليلة جداً بدا على شاكر تقديره لها علمياً، أو مُراعاته لسابق معرفته بها على الرغم من إعلانها الاختلاف معه، مثل الناقدين: محمد مندور، وعبدالعزيز الدسوقي، والمحقق سيد صقر.

عدا هذه الاستثناءات القليلة، فإنه كثيراً ما كان يُصلي مخالفيه بأسنّة من لهب حين يبدو له أنهم خالفوا ما يراه الصواب كله، ولن أقف مطولاً هنا عند ما صنعه مثلاً مع لويس عوض في كتابه (أباطيل وأسمار)، فهي معركة لاهبة يستحق عوض (بعض) ما أصابه من شَررها، لتعالمه في التراث ومصادر التاريخ على غير علم.

كما لن أُفيض في الحديث عن الأسلوب المتعالي والمستخِفّ الذي ناقش به محمود شاكر اعتراضات كل من: شوقي ضيف، ومحمد رجب البيومي عليه([26])، فهذا هو الأسلوب المفضّل لديه عند احتدام الخصومة على صفحات مجلة (الرسالة).

ولكن مما يلفت النظر حقاً ذلك الاندفاع المحموم الذي أصاب محمود شاكر في السنوات القليلة التي أعقبتْ نشر بحثه الأول عن المتنبي عام ١٩٣٦م، فصار يتتبع فيها -بحماسة الشباب- كل كاتب يدرس المتنبي، بوصفه (سارقاً محتملاً) منه، وقد خلص من هذا التتبع إلى أن بحثه استحال حِمى مستباحاً لكثير من الدارسين الذين يعتمدون على (استعارة) الأفكار و(تلخيصها) دون نسبتها إلى صاحبها الأحقّ بها، ولكنه ركّز على شخصين مهمين، وهما: عبدالوهاب عزام، وطه حسين، اللذان سرقا منه -بحسب تعبيره- أهمّ ما في كتابيهما عن المتنبي من أفكار، ولن يبقى في الكتابين بعد ذلك سوى تخليط وثرثرة لا طائل من ورائهما([27]).

كما أن هذا الاندفاع المحموم نفسه هو الذي جعله لا يصبر على أي نقد يُوجّه لبحثه، ولا يُسلّم بوقوع أي خطأ أو سهو فيه، مهما بلغ هذا النقد من الرزانة والاتساق والاتزان، كالنقد الموضوعي المتمهّل الذي كتبه سعيد الأفغاني عن مسألة (علوية المتنبي) التي أسس شاكر بحثه عليها، وقد نشر سعيد هذا النقد ضمن بحث مستقل نشره في مجلة (الرسالة)، ثم تتابعتْ مقالاته في المجلة نفسها، تجاوباً مع ردود شاكر عليه([28]).

بل بلغت الحماسة بشاكر تلك الأيام إلى أن يرى نفسه مقصوداً بأي إشارة عامة يذكرها أحد الكتّاب عندما يتحدث عن دراسةٍ ما حول المتنبي، كما يشِي بذلك مقاله المتعجل في الردّ على الشيخ الأزهري المعروف علي عبدالرازق، فقد افترض فيه أنه هو المقصود بفكرة عامة وعابرة وردتْ في مقال لعبدالرازق، وهي أبعد ما تكون عنه وعما جاء في كتابه([29]).

ولكنّ بوادر الحميّة والغضب عند شاكر تبدو أكثر غرابة حين تتعلق بمسائل تُعد من أقرب المسائل (العلمية) احتمالاً لقبول الاختلاف، ومدعاةً للتريث الوقور والمتواضع عند مناقشتها، كاختلاف الباحثين في الوسائل الأنجع لأداء التحقيق العلمي لكتب التراث على أفضل وجه، ورصد بعضهم على بعض هفوات علمية لا يخلو أحد من الوقوع فيها، وتأمّلْ مثلاً كيف تعامل محمود شاكر بغضب جامح مقرون باستخفاف وسخرية وهو يردّ -في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن سلام الجمحي- على اعتراضات وجيهة جداً لأساتذة محققين من أبرزهم: علي جواد الطاهر، فقد وصف شاكر مقال علي الطاهر في نقد تحقيقه بأنه “في الحقيقة كدفاتر اليهودي كما يُقال في المثل”([30])، وأنه كان ينوي إهمال ما كتبه “هذا الآتي”، وتجنُّب الرد عليه، لولا أنه أراد -في نغمة أستاذية معهودة في شاكر- أن يُبلي “عذراً في إرشاد الأجيال الجديدة التي كُتِب عليها أن تعيش في رَدَغة هذه الحياة الأدبية الفاسدة التي أطبقتْ بفسادها على الأُمّة العربية والإسلامية… والسكوت عن هذه الردغة مشاركة في آثامها وجرائمها”([31]).

وهكذا يكفي أن تكتب معترضاً على بعض اجتهادات محمود شاكر في التحقيق، ومنها: إقحامه كلمة (فحول) في عنوان كتاب ابن سلام: (طبقات الشعراء)، لأسباب غير مُقنعة، أو أن تُدقّق في بعض النقول التي توسّع شاكر في إضافتها للكتاب، أو أن تُبدي رأيك في بعض مصادره التي اعتمد عليها في التحقيق، تكفي هذه الاعتراضات العلمية وحدها حتى يكون صاحبها أحد الشواهد على “الحياة الأدبية الفاسدة”، وأن يُشنَّع -في ردّ انتقامي صريح- على بعض أخطائه اللغوية، وأن يُستهزَأ به فيُوصف بأنه “يقرأ غير ما أكتب، ثم يفهم غير ما يقرأ، ثم يكتب غير ما يفهم”([32])، وبأن كلامه “ركيك وفاسد، وغير صحيح، ومدخل في الهذيان”([33])، ثم أن يخلص شاكر بعد هذه المناقشة اللجوجة الممتدة إلى أن مقال علي الطاهر الذي أعاد نشره: “عبث محض، واستهزاء بالقرّاء، وإهدار لقيَم الأشياء، وغشّ للمجلة التي نشرتْه”، وأنه: “عمل سيء، يُغري به قصد سيء، يخرج صاحبه من حيّز الأمانة”([34]).

والمغزى من هذه (النزهة الغضبية) عند شاكر أن نقول: إنك قلّما تجد مثل هذه النبرة المتعالمة والمتأفّفة عنده حين يتحدث إلى طه حسين، هذا مع تنوُّع ردوده على كتابات طه، وطول عهده بها، وكثرة مؤخذاته عليه فيها.

في مقدمة كتابه (المتنبي)، وفي مواضع أخرى من مؤلفاته حاول محمود شاكر أن يقدم بعض الأسباب التي كانت تمنعه من مجابهة طه حسين بشراسة تتناسب مع ما يجده في نفسه من ثورة عارمة تجاه أفكاره، وبخاصة في أثناء تدريسه له، فهو أولاً أستاذه في الجامعة، وهو ثانياً صاحب فضل عليه، فهو الذي شفع له عند مدير الجامعة آنذاك (لطفي السيد) كي يتجاوز التطبيق الحرفي لنظام القبول الذي يمنع أي طالب يحمل شهادة القسم العلمي في المرحلة الثانوية من دخول الكليات الأدبية، ثم إن بينهما ثالثاً صلات قديمة تجعله ينظر إليه دائماً كأخٍ أكبر له([35]).

هذه هي الأسباب التي ذكرها شاكر، ولكنه لم يذكر السبب الأهمّ الذي كان تأثيره يزداد رسوخاً مع الأيام، وهو ذلك الحذر المتوجس داخله من استعادة مشاعر شديدة التهيّج والانفعال تجاه (ماضٍ لا يمضي)، وتلك الهيبة النفسية من المواجهة الطائشة مع جرح عتيق لا يكاد يندمل.

8-رباعية محمود شاكر:

كم يبدو محمود شاكر آسِراً عند مُحبيه حين يكون مجروحاً، وهل خلا من هذا الوصف يوماً؟ وإذا لم يكن شاكر هو أوضح مثال على الإنسان العربي المعاصر المجروح في لغته وحضارته وقِيَمه، فمَن يكون إذن؟ مجروح؛ بكل ما في الجرح من جاذبية الألم وفتنة المعاناة، ومن بين كتّابنا المعاصرين يبدو شاكر استثنائياً في قدرته على استهواء قرائه واستقطاب مشاعرهم تجاهه، ونحو الموضوع الذي يعالجه، بأسلوبه الفريد الذي يزاوج بين: التهويل، والازدراء، والتفخيم، والصراحة الكاشفة.

فأمّا التهويل فيظهر في ذلك التهيّب القلِق الذي يُبديه شاكر عند تناول كثير من الموضوعات، وبخاصة عند سبر المصطلحات والمفاهيم، وتمييز الفُروق بين الألفاظ المتقاربة، وما يزال يُبدئ في تهيّبه ويُعيد حتى يُعديَ القارئ، ويملأ قلبه توجّساً وقلقاً ورهبة، وتطلّعاً –وهذه هي الثمرة- إلى القول الفصل الذي يهدي إلى سواء السبيل. كما يتبدّى التهويل أيضاً في إشاراته المتواترة إلى المخاطر المحدِقة التي هي في كثير من الأحيان مخاطر حقيقية، ولكنها بقلم شاكر تبدو دائماً موشكة على الانفجار والتشظي.

ولا أعني هنا أنه يصطنع هذا التهويل والتهيّب لمجرد التأثير في القارئ وجذب اهتمامه، فالأقرب أنهما صفتان طبيعيتان وملازمتان لشاكر منذ بداياته المتوجّسة مع الشعر الجاهلي، ثم مع نسب المتنبي، وانتهاءً بالسطور الأخيرة الوجِلة والمرتجفة التي كتبها قبل وفاته عن إعجاز القرآن: “وكلما أردتُ ذلك، أُحيط بي، يأخذني ما يأخذني من القلق والحيرة والتردد، هيبةً لما أنا مُقدِم عليه”([36]).

وبهذا التهيّب الذي يضخّمه طبع التهويل عنده يمكن تفسير فترات الصمت والانقطاع الطويل عنده عن الكتابة لسنوات ممتدة، حتى يكاد يفقد ثقته في قلمه وقدرته على معاودة الكتابة، وانظر مثلاً حديثه الاستهلالي المتلجْلج عن صدأ القلم وثقل محمله عليه، والهُوّة السحيقة التي تفصله عنه بعد طول انقطاعه عن الكتابة، قبل بدء معركته مع لويس عوض في (أباطيل وأسمار)([37]).

وبهذا التهويل الفطري أيضاً يمكن تفسير ما قدّمه في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، وفي مواضع أخرى من مؤلفاته من قراءة خاصة للتاريخ العربي والإسلامي، مبنية على رصد سردي مشحون لمراحل الصراع مع الغرب الأوروبي، مع التركيز بخاصة على الأحداث الجسام التي واكبتْ ما يُسمّى بـ(عصر النهضة) -وهي التسمية التي لا يرتضيها شاكر بالطبع- منذ احتلال نابليون لمصر أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ثم الاحتلال الإنجليزي بعده، وما عاصرَ ذلك وأعقبه من (تفريغ ثقافي) للأجيال، بحسب تعبير شاكر([38]).

هذا عن سمة التهويل في أسلوب شاكر، وأمّا سمة الازدراء المتأفّف فيحرّضها الواقع البائس المحيط به ومعظم (الفاعلين) فيه، وهنا يأتي تعبيره المفضّل الذي لا يكفّ عن تكراره، حول: (فساد الحياة الثقافية) الذي تحدّر -في رأيه- من جيل (النهضة)، ثم استشرى في جيله والأجيال اللاحقة له.

ولعل أبرز تجليات الازدراء التي تمنح لحديث شاكر جاذبية شديدة ورواجاً كبيراً عند قرائه ومُريديه: ما يحرص على إظهاره دائماً من اعتزاز وترفُّع تراثيين مصحوبين بازدراء كبير تجاه كل ما هو غربي أو ما ينتمي لأوروبا، أي تلك “الرقعة الشمالية التي فيها هذا الهمجُ الهامج”([39])، وكثيراً ما يكرر شاكر هذه النغمة المتعالية -النادرة هذه الأيام- تجاه الغرب، خاصة عندما يتحدث عن الاستشراق وما كتبه هؤلاء المستشرقون (المجنّدون) من دراسات مغرِضة عن التراث العربي والإسلامي، وهم لا يملكون الشروط الثلاثة اللازمة لاستيعاب هذا التراث: بلغته، وثقافته، وصدق الانتماء إليه([40]). وينسحب الازدراء الشاكري أيضاً على كل ما اصطنعه هؤلاء المستشرقون (الأعاجم المساكين) من رسوم شكلية وقواعد بالية في (منهج التحقيق) لكتب التراث العربي([41]).

وبهذه السمة: سمة الازدراء المتأفّف أيضاً يمكن تفسير ولع محمود شاكر بشعر أبي العلاء المعري وتزيينه أغلفة بعض كتبه ومتونها بأبيات (شيخ المعرّة) المستخِفّة بالناس، والناقمة على كل شيء! وتعلُّق شاكر بالمعرّي، واحتفاؤه به، واستحضاره الدائم لأشعاره وحِكَمه يحتاج وحده إلى وقفة مستقلة، فهذا التراثي السلفي لم يجد غضاضة في مصاحبة المعري، والتغني الدائم بأشعاره، بل والمنافحة عنه وعن أصالته في معركةٍ هي الأشهر والأكثر إيذاءً من بين معارك محمود شاكر الثقافية، فقد قبِل شاكر إذنْ صاحبه أبا العلاء المعري، متجاوزاً ما في أشعاره –وبخاصة اللزوميات- من شكوكيات وجنوح فكري، بينما لم يقبل شكوكية أستاذه طه حسين، وفي تأمُّل هذا التباين بين الموقفين يتبدى لك أحد الأسرار الشاكرية، فمحمود شاكر يُولي تقديراً كبيراً للأصالة الذاتية والانتماء للثقافة العربية، وهذا ما يجسّده أبو العلاء المعري، فهو الشاعر المتمكن والأديب المتفنن واللغوي المتبحِّر، وهو أيضاً العربي الخالص في ثقافته ورؤيته، وإن شابَ هذه الرؤية بعض الجنوح الذاتي، أمّا طه حسين، فشكوكه مُجتلبة من الخارج، ومُحاكية لأبحاث المستشرقين، ومنهجه –كما صرّح في كتابه- هو منهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت، أي أنه بمعيار شاكر: مجرد ناقل عن الغرب، ومقلِّد لأساطينه.

ومن هنا نستطيع تفسير السُّخط العارم الذي ألـمَّ بشاكر حين اطّلع على مقالٍ للويس عوض اتكأ فيه على بعض المرويّات التاريخية، للقول بأن المعري تأثّر فكرياً براهب مسيحي، وبهذا انطلقت معركة (أباطيل وأسمار) التي شهدتْها الصحافة المصرية أواسط الستينات الميلادية، لقد آذاه هذا الربط (الحضاري) أشدّ الإيذاء، وكأنّ لسان حاله يقول: حتى تراثنا العريق وثقافتنا العربية الخالصة تريدون أن تُشاركونا فيها، لتقولوا لنا: إنه ليس هناك ثقافة عربية حية خالصة لكم، فنحن موجودون فيكم من قبل ومن بعد ! ومن هنا أيضاً نعرف لماذا كان شاكر يرفض مفهوم (الثقافة العالمية)، والإرث الإنساني المشترك، لقد رأى أن محصّلته هي: الترويج للثقافة الغربية وحدها: ثقافة المنتصرين المهيمنين([42]).

وهذه العروبية التراثية هي ما يفسّر لك أيضاً لماذا انحاز محمود شاكر في شبابه لمصطفى الرافعي، دون عباس العقاد، وطه حسين من جيل الشيوخ، مع أن الرافعي كان أضعف الثلاثة، وأقلَّهم قدرةً على إبداع الأفكار والاحتجاج لها، وأكثرهم تكلُّفاً في الأسلوب وتزويقاً فارغاً للألفاظ، فقد كان يكفيه شرفاً عند شاكر: التصاقه بالتراث وعشقه له، ومنافحته الدائمة عنه.

وبهذه العروبية التراثية أيضاً يمكن أن نفسّر لماذا كان محمود شاكر غير منسجم مطلقاً مع النزعة التطهُّرية التي سادت الأجواء حيناً، واتخذت مواقف ناشزة تجاه بعض الأعلام والشعراء القدامى، وسعتْ إلى محاكمة المصنّفات التراثية أخلاقياً وفكرياً، لتقرر المقبول منها وغير المقبول، فقد هاجم شاكر أصحاب هذه النزعة بضراوة، ورأى أنهم في صف واحد مع أعداء التراث والمستهينين به، أيّاً كانت بواعثهم وأهدافهم.

وأمّا سمة التفخيم عند محمود شاكر فتتجلّى في حديثه المتكرر -الذي لا يخلو من نَفَس رسالي- عن المهمة الجليلة التي نذر نفسه لأدائها، وعما يلاقيه من مشقة وعنت في سبيل النهوض بهذه الأمّة الغافية، والمنافحة عن تراثها العظيم، والإبانة عن المنهج الكلي الناظم لعلومها ومعارفها: “فصار حقاً عليّ واجباً أن لا أتلجلج، أو أُحجِم أو أُجمْجِم أو أُداري، ما دمتُ قد نصبتُ نفسي للدفاع عن أمّتي ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً… ثم صار حقاً عليّ واجباً أن لا أُعرّج على بُنيّات الطريق، إلا بعد أن أجعل الطريق الأعظم الذي تشعّبتْ منه واضحاً لاحباً مُستبيناً”([43]).

وهذه الإشارة الأخيرة إلى (الوضوح والاستبانة) تقودنا إلى السمة الرابعة لأسلوب شاكر، وهي: الصراحة الكاشفة، وبالاعتماد عليها خاضَ جميع معاركه مع خصومه، وكان يُدِلّ كثيراً بشجاعته الصريحة في المواجهة وثباته الكاشف في مواطن التحدي.

أمّا غايته الكبرى التي كان يروم الوصول إليها في كل قضية يتناولها فهي: الوضوح والاستبانة، وأمّا أسلوبه المفضل لأداء (رسالته) الثقافية، فقد كان أيضاً: الوضوح المبين والصراحة الكاشفة، وهو في هذا يستجيب لتأصيله التراثي ورؤيته لطبيعة البيان العربي في عصوره المزدهرة، وكيف يستحق (البيان) اسمه إن لم يكن واضحاً جليّاً لا لبْسَ فيه؟

ومن هنا لم يكن غريباً أن ينفر شاكر من الأسلوب الرمزي في التعبير، وأن يعدّ “اللجوء إلى الرمز ضرباً من الجُبن اللغوي! فاللغة إذا اتسمتْ بِسِمة الجُبن، كثُر فيها الرمز، وقلّ فيها الإقدام على التعبير الصحيح الواضح المفْصح… وأنا أستنكف من الرمز في العربية، لأن للعربية شجاعةً صادقة في تعبيرها، وفي اشتقاقها، وفي تكوين أحرُفها، ليست للغةٍ أخرى”([44])، ومن يجهر بهذا الرأي الباتّ الحاسم، لن يعبأ كثيراً بآراء اللسانيين المحدثين حول المزالق العلمية للتورط في المقارنة (الأخلاقية) بين اللغات.

وهذه المزاوجة الرباعية بين: التهويل، والازدراء، والتفخيم، والصراحة الكاشفة هي مزاوجة فريدة الإيقاع لا يتقنها سوى محمود شاكر وحده، بصياغته الجزلة المصقولة، ومرجعيته التراثية الرحبة، ونكهة السخرية المتعالية التي يعرف متى يلجأ إليها، للتنكيل بخصومه، أو الاستقواء على مفارقات الواقع، مع قدْر غير قليل من التباهي اللغوي المتفاصِح، و(المتباصِر بالغريب) كما عبّر مرة بشّار بن بُرد في وصفه لسلْم بن قتيبة([45])، وهذه كلها أسلحة أدبية ولغوية طالما استثمرها محمود شاكر في معاركه مع الخصوم، وفي سعيه لاستقطاب المزيد من المؤيدين والـمُريدين.

وقد تُصادف كتّاباً آخرين تتّسم كتاباتهم ببعض هذه السمات الشاكرية، وخاصة التهويل والتفخيم -كنجيب البهبيتي مثلاً- ولكنهم لا ينجحون نجاح شاكر في الاستيلاء على قُرّائهم، والقدرة على استهوائهم بهذا (النمط الصعب) من البيان الرفيع.

9-الشاكريُّون ومعلّقات التبجيل:

لهذا كله لم يكن غريباً أن يكثر الأتباع المنبهرون بمحمود شاكر، ولكن حين تتأمل صورة شاكر لدى الكثير منهم، تدرك إلى أيّ درجة يمكن أن يسيء الأتباع المتحمسون لحقيقة العالِم أو الكاتب، فمحمود شاكر عندهم هو: حارس التراث، وشيخ العربية، وأستاذ الأجيال الذي يتمتع بصفات مثالية لا تُضاهى من: سعة العلم، وعبقرية الفكر، والإحاطة بكتب التراث، والجهاد بالقلم، وقوة العارضة، وثبات الجأش، وهو في الوقت نفسه مثال ناصع على التواضع الجم، والنبل الفياض، واللطف الغامر مع أصحابه ومحبّيه.

ولا اعتراض على اتصاف شاكر -رحمه الله- بعدد من هذه الأوصاف المتميزة، ولكنّ السرد الأحادي والتبجيلي للصفات المثالية فقط يُلغي فرادة الإنسان الذي تُشكّل عيوبه ووجوه القصور عنده جزءاً مهماً من كينونته الخاصة وبصمته الفردية غير المكررة. أمّا ضجيج التهويل وصخب المبالغات فلا يقدّم شيئاً سوى تشويه الحقيقة الإنسانية الأعمق للكاتب، هذا بالإضافة إلى الأثر الوخيم جداً لمثل هذا التهويل التبجيلي المتواصل في تقليم الحساسية النقدية عند القارئ تجاه ما تضمّه مؤلّفات محمود شاكر من آراء وانطباعات وانفعالات ومواقف.

واقرأ مثلاً ما كتبه أحد أشهر الأتباع المتأثرين بمحمود شاكر، وهو محمود الطناحي رحمه الله، حيث يصفه في مقال منشور، فيقول: “إن محمود شاكر قد رُزِق عقل الشافعي، وعبقرية الخليل، ولسان ابن حزم، وشجاعة ابن تيمية، وبهذه الأمور الأربعة مجتمعة حصّل من المعارف والعلوم العربية ما لم يحصله أحد من أبناء جيله”([46]).

وما كان أغنى محمود شاكر عن هذه الإطلاقات التبجيلية ذات النكهة الشعرية، على طريقة أبي تمام: (إقدامُ عمروٍ في سماحة حاتمٍ…)، وعن هذا التحنيط الأداتي الذي يحوّله إلى هيكل فكري متعالٍ عن حقيقته الإنسانية ونتوءاته الناشزة التي هي أدلّ شيء على تميّزه، وعلى الجهد الكبير الذي ظلّ يبذله طوال حياته، بغية الوصول إلى أكمل صورة ممكنة منه، و”لـمّا يكد”.

والغريب بقاء هذه الظاهرة (الشاكرية) وتوسُّعها، فما يزال اللاحق يتلقى عن السابق العبارات المسكوكة نفسها، وذلك الإكبار المقارب للتقديس، وكلّ ذلك المديح المتضخّم والـمُلقى على عواهنه دون أي مراجعة أو مساءلة أو توقُّف، وكأنما كان محمود شاكر نفسه يتحدث عنهم حين قال في كتابه (أباطيل وأسمار): “ولكن هكذا زماننا: رواج الأُحدوثة بالمدح أو بالذمّ يُتلقَّى بالتسليم المغمض العينين، ويسيطر بالوهْم على منابع الفكر ومساربه “([47]).

وإنك لتشفق على هؤلاء الأتباع المنبهرين وهم يتحدثون بثقة مفرطة عن صلابة ظاهرة كان يتقوَّى بها أستاذهم، وعن اكتساحٍ  هادر يظنّون أنه صادر منه، وليس محيطاً به، دون أن يتنبهوا إلى سر هذا الوقوف الطللي الممتد والمكرر الذي التهَمَ عمر محمود شاكر وهو يتذكر في وجَل لا يكاد ينطفئ لهبه (عاصفة الجامعة) وما أثارتْه في نفسه من حيرة غاشية متلدّدة، ودون أن يتساءلوا عن مغزى هذا الهجاء المرير -الذي لا يملّ شاكر من ترداده- لعصرٍ يحترف فيه المفكرون العرب تحطيم كنوزهم الثمينة، طمعاً في فُتات متناثر من كنوز (الآخرين).

لقد شاهد بنفسه كيف تحطمتْ كنوزه الأثيرة بين ناظريه، قبل أن يسعى -مشياً على الأشواك- ليجمعها، ويُلمْلم كسورها المتناثرة، وينظمها في عِقدها كي تتلألأ من جديد، وتُنير دربه المهجور وخطْوه المستأنف بعد طول انقطاع.

10-الأمنية المضمَرة:

ثم ترى محمود شاكر نفسه وهو يكشف لك مراراً وتكراراً وبصراحة تلقائية عن صورته الأصدق وحقيقته الإنسانية الأعمق حين يُسيل حبراً غزيراً على امتداد مؤلفاته ومقالاته ومقدمات تحقيقاته وهو يتعوّذ بوجل ظاهر من غائلة هذا الاستهواء الذي كاد يجرفه في شبابه حين كان عمره دون العشرين، وإنك لتعجب كيف احتفظ في داخله -على بُعد العهد وتطاول الزمن- بسخونة تلك اللحظة الفتيّة والدُّوار الذي أصابه من دوّاماتها، وكأنما هو حكم الأبد أن يظل محمود شاكر دائماً: ذلك التلميذ العشريني الغضّ الذي راح يدفع قبضة طه حسين الملتفّة حول عنقه كي يتنفس !

صحيح أن قبضة هذا الفتى العشريني قد اشتدت بعد ذلك، وازدادت صلابتها مع الأيام، حتى استطاعت ببراعة مشهودة أن تُشعر طه حسين -في المقابل- ببعض الاختناق والتضايق في مناسبات متعددة، خاصة بعد التحقيق العلني على رؤوس الأشهاد الذي مارسه محمود شاكر تجاه معلمه القديم، وما رأى أنه سطْو -آخر- متعمّد من طه حسين على بحثه الذي نشرتْه (المقتطف) بعنوان: (المتنبي)، وهو البحث الذي تحوّل بمرور السنوات وتوالي التعقيبات إلى كتاب ضخم طويل الذيول.

ولكن يجب أن نتذكر هنا أن قبضة شاكر كانت في الأساس قبضة علمية ومنهجية وأخلاقية، بينما كانت قبضة طه حسين التي اعتصرتْ عنق شاكر قبضة فكرية عقدية، وامتحاناً خانقاً للضمير الديني والمعارف المسلّمة، والأخيرة أوجع وأفظع.

ومن اللافت أن محمود شاكر كتبَ -بعد وفاة طه حسين بخمس سنوات، وعمر شاكر آنذاك يناهز السبعين- ثلاث مقالات مطوّلة في مجلة الثقافة جعل عنوانها: (المتنبي ليتني ما عرفتُه)([48])، وإذا استثنيتَ شرحه المتدرّج لمنهجه في التذوق الذي ذيّل به هذه المقالات، فإن مجمل حديثه الشجي المتدفق فيها كان يدور حول شخص واحد، ولم يكن هذا الشخص هو المتنبي كما يُوحي العنوان، بل -كما هو متوقع-: طه حسين.

كان إذن العنوان الألْيق والأدقّ تعبيراً عن هذه المقالات المتسلْسلة، وربما عن مجمل حياة محمود شاكر نفسه هو: (طه حسين ليتني ما عرفته) !

ولو كان ممكناً أن تتحقق هذه الأمنية المضمَرة، فربما لن يبقى من محمود شاكر الذي نعرفه الشيء الكثير. هكذا يبدو أن المعاناة النازفة والصدمات الممِضّة هي ما يصنع العقول الفارقة، وأن لبعض الأضداد أياديَ لا تُنسى في إيقاد الجذوة التي ذوتْ داخل النفس، بأثر الاعتياد والأُلفة والمقاربة المتواطئة بين المتوافقين.

ج-تلويح أخير:

يحسُن بنا في خاتمة هذا العرض أن نشير إلى أن صيغة التفاعل التي بُنيتْ بها كلمة (التلاقح) الواردة في العنوان تقتضي أن التأثر والتأثير متبادل بين الطرفين.

صحيح أن بعض الأمثلة التي ذكرناها مثل علاقة الغزالي بابن سينا، وعلاقة ابن رشد بالغزالي تبدو -ظاهرياً- علاقة من طرف واحد، لأن الطرف المتأخر وُلِد بعد وفاة الطرف المتقدم، ولكن حتى في هذه الحالة فإن معنى التلاقح المتبادل يظل راسخ الوجود، إذْ كيف يمكن أن يُقرأ تراث ابن سينا وأفكاره، دون أن يستحضر القارئ -من غير أن يشعر أحياناً- آراء الغزالي فيه، وتأويله الخاص له؟ وكذلك الحال مع تراث الغزالي بعيون ابن رشد الحفيد.

أمّا فيما يخص نموذجنا المحدد، فلا يمكن استبعاد أثر محمود شاكر المحتمل -بالإضافة إلى مؤثرات أخرى- فيما يلاحظه المتابع لمسيرة طه حسين من تراجع خجول وغير مصرّح به عن بعض أطروحاته المبكرة حول الشعر الجاهلي والثقافة العربية القديمة، وهو ما يمكن رصد دلائله في مقالات (حديث الأربعاء) التي جُمعتْ بعد ذلك في كتاب مستقل، وفي هذه المقالات نرى طه حسين يحلل باحتفاء كبير قصائد متنوعة لمجموعة من الشعراء الجاهليين، مثل: لبيد، وطرفة، وزهير([49])، متخطّياً تشكيكه القديم في صحة انتساب معظم الشعر الجاهلي إلى عصره، ومتجاوزاً سؤاله المبدئي في كتابه  المثير للجدل: “أهناك شعر جاهلي؟”([50]).

هذا بالإضافة إلى نبرة الإدانة الساخرة والمعاكسة التي صار ينتهجها طه حسين تجاه الأجيال الجديدة من (المجدّدين) الذين توهّموا أن التجديد هو قتْل القديم والتنكّر له، والانسلاخ التام عن تراثهم وثقافتهم ولغتهم([51])، وهي الإدانة التي لم يفت محمود شاكر أن يسجلها في إحدى مقالاته عن طه حسين، وأن يعيد تسجيلها في مقدمة كتابه (المتنبي) ([52])، وأن يطرب ما شاء له الظفر، لما فيها من مفارقة طريفة ودلالات مُلهِمة.

وبعد، فهذا ضرب من الدرس النفسي للأفكار يُبرز أثرها الهائل في حياة الإنسان وتشكيل أطواره وأحواله ومآلاته، وما يصنعه تلاقح العقول المتباينة من أقدار ومصائر تتلوّن -بتفاوت الإرادة والوعي والمرجعية- ما بين اليقظة الممتنّة، والانكسار المباغت، والانبعاث المتجدد العنيد.

وقد رأينا -بعِبرة التاريخ، وشهادة الواقع، وتجسُّد النموذج- كيف يحرّض الأضداد بعضهم بعضاً على الإبداع وتوليد الأفكار، والبراعة في عرضها والاحتجاج لها، وكيف يكتشف الإنسان نفسه ويستبين طريقه من خلال نقيضه التام، أو ما يظن أنه نقيضه التام.

ومعظم الناس لا يدرك هذه الحكمة العظيمة من (لعبة الأضداد)، ومن ضرورة بقاء خصمه ومدافعته له، وأن هذه (المدافعة) المتأرجحة هي ما يُنجيه من تغوُّله الذاتي، ويحقق التوازن في شخصيته وتوجُّهه.

وبإدراك هذه الحكمة ربما يتمكن الإنسان من التفرُّغ أكثر لتأمُّل نفسه التي بين جنبيه، هناك: حيث تمور الرغبات والأوهام والنوازع والأطماع، وأدواء الذات المتضخمة التي تُجيد التنكُّر بلباس الأنا الجمعية ورداء المنافحة عن (القضية)، وإذا كان لنا في نهاية هذه الرحلة الممتدة مع محمود شاكر أن نستأنس ببعض لوازمه في الكتابة، فقد آنَ لنا أن نلتفت إلى صاحبه الأثير أبي العلاء المعري ليحدّثنا ببلاغته العابرة للقرون عن الضدّية الأجدر بالتوقِّي والاحتراس: ضدّية الذات للذات:

لُبْتُ حول الماء مِن ظمأٍ             إنَّ غَـربـي ما لـه مَــرَسُ

مُهـجــتـي ضِـدٌّ يُــحـاربـنـي             أنا مِنّي كيف أحترِسُ ؟


([1]) مقدمة محمود شاكر لكتاب أسرار البلاغة للجرجاني/١٧-٢٣.

([2]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١١٢٦.

([3]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ٦، وفي حديثه المتكرر عن هذه المحنة انظر أيضاً كتابيه: قضية الشعر الجاهلي: ١٠، ١٠٣، وأباطيل وأسمار: ٢٣.

([4]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١١٤٦.

([5]) مداخل إعجاز القرآن: ٨.

([6]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١١٦٧.

([7]) مداخل إعجاز القرآن: ١٤، وانظر كذلك احتجاجه المطوّل والمتسلسل لهذا الربط بين صحة الشعر الجاهلي وإعجاز القرآن في كتابه الآخر: قضية الشعر الجاهلي: ٩٤-١٢٣.

([8]) انظر: مداخل إعجاز القرآن: ٤٢-٤٧، ١٣٠-١٣٣.

([9]) انظر: كتاب المتنبي: ١٢-١٩.

([10]) انظر: في الشعر الجاهلي لطه حسين: ١٥، ١٨.

([11]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ٨، وانظر فيه أيضاً: ٢٣-٢٥.

([12]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ٦.

([13]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١١٤٧.

([14]) انظر: قضية الشعر الجاهلي: ١٠٧.

([15]) مداخل إعجاز القرآن: ١٣.

([16]) انظر: مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين: ٢١-٣٢.

([17]) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ١٥٥-١٦١، وجمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١٠٧٨-١٠٨٨.

([18]) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 151-167، وكتاب المتنبي: 20-34، ومقدمة تحقيقه لكتاب (أسرار البلاغة) للجرجاني: 17-29.

([19]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج١/٥١٥.

([20]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج١/٥٢٠.

([21]) أباطيل وأسمار: ٢٣، ٣٢، ٣٩.

([22]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١١٢٩.

([23]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/٩٩٠.

([24]) انظر: كتاب المتنبي: ٤٠٨-٤١٠، ٤١٧، ٤٢٢-٤٢٥، ٤٣٣.

([25]) جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/1122.

([26]) انظر: جمهرة مقالات محمود شاكر ج١/٥٤١، ٥٦٧.

([27]) انظر: كتاب المتنبي: ٧٩-١٢٢.

([28]) انظر: كتاب المتنبي: ٥٣٣-٥٧٤.

([29]) انظر: جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١٢٥٥.

([30]) برنامج طبقات فحول الشعراء (مقدمة كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام) ج1/٩.

([31]) برنامج طبقات فحول الشعراء (مقدمة كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام) ج1/10.

([32]) المصدر السابق، ج1/١٤٨.

([33]) المصدر السابق، ج1/152.

([34]) المصدر السابق، ج1/١٧٦.

([35]) انظر: كتاب المتنبي: ١٥.

([36]) مداخل إعجاز القرآن: ١٢.

([37]) انظر: أباطيل وأسمار: ٢١.

([38]) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ٨١-١٦٧.

([39]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 35.

([40]) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: ٥٣-٧٩.

([41]) انظر: برنامج طبقات فحول الشعراء (مقدمة كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام) ج1/115-127.

([42]) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 74-75.

([43]) أباطيل وأسمار: ١٠-١١.

([44]) أباطيل وأسمار: ٤٣٥-٤٣٦.

([45]) انظر: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج3/185.

([46]) مجلة الأدب الإسلامي، ع16، ربيع الآخر-جمادى الأولى-جمادى الآخرى 1418هـ، ص152، وانظر ما كتبه الطناحي أيضاً من وصف تبجيلي سابغ الذيول لمحمود شاكر في كتابه: مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي: 103-121.

([47]) أباطيل وأسمار/٢٦٣.

([48]) انظر: جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١٠٩٣-١١٨٩.

([49]) انظر: حديث الأربعاء لطه حسين ج١/٢٧-١٢٠.

([50]) في الشعر الجاهلي: ١٧.

([51]) انظر: حديث الأربعاء ج١/٢٠-٢٥.

([52]) انظر: كتاب المتنبي: ٣٠-٣٤.

(60) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment