النبع القريب، للدكتور جمال بن زهران الحراصي تلميذي العماني النجيب


قضت ( جواهر ) في بيت والديها وقتًا جميلًا ممتعًا، تذكّرت فيه الأيام السابقة عندما كانت تسكن معهما بصحبة بقيّة إخوتها في ( الصقريّة ).
لقد استعادت الكثير من ذكرياتها التي عاشت أحداثها أيام طفولتها وجزءًا من شبابها في هذه المنطقة الرائعة، فهنا يمرّ فلج ( الغنتق )، وهناك مسجد ( بن رمضان )، وهناك مزارع النخيل الباسقات.
إنّها تتذكّر المساءات عندما كانت الأسرة تتجمّع لشرب القهوة تحت المظلّة المبنيّة بسعف النخيل في المزرعة المحيطة بالبيت.
اشتاقت نفسها الأسيرة بذكريات الماضي إلى الذهاب إلى مكان النبع القريب الواقع في الضفّة المقابلة لوادي ( كلبوه )، فاستأذنت أمّها، وانطلقت تقود سيارتها، وكان واجبًا عليها أن تختار بين أن تتجه بدايةً يمينًا وتعود من الإشارات الضوئيّة الواقعة عند مدخل سوق ( نزوى )، ثم تتّجه إلى الجهة الأخرى، وتخترق الوادي، وبين أن تتّجه شمالًا، وتصل إلى الوادي بفضل النفق.
اختارت الخيار الأوّل، وقالت في نفسها عند انهباطها من الطريق المزدوج: لقد أصبح هذا الطريق بإشاراته وازدواجيّته عائقًا عن الحركة بين جانبي الوادي.
إنّها في هذه اللحظة تتذكّر سلاسة مياه ذلك النبع وعذوبتها، وتتعجّب من كونه باردًا صيفًا دافئًا شتاءً، وهي تتذكّر تلك المشاهد كأنّها تعيش لحظاتها الآن، ومنها يوم أن كانت تسير على أقدامها مع أخيها الصغير ( أحمد ) إلى هذا النبع، لقد كان أحمد محبًّا لها مشفقًا عليها، ولكنّ أخاها الأكبر ( مسعود ) كان يعترض عليها عند اقترابها من النبع.
وحين كادت أشعّة الشمس الذهبيّة أن تختفي خلف جبل ( جويد ) الذي يحمل على رأسه ( برج القرن )، فإنّ جواهر قد اقتربت كثيرًا من مكان النبع، وكان كلّ تفكيرها محصورًا في أنّها ستجد بقايا نبع قديم أكله الزمن وعبث بعناصر جماله، قال لها بعض عقلها: إذن لماذا آتي إليه إن كان الأمر كذلك؟ ردّ عليها أغلب عقلها وساند ذلك قلبها: أتيت لأتذكّر ماضيًا جميلًا وذكريات لا يمكن أن تهجر وجداني.
هي لم تأت لتزور النبع، بل جاءت لتزور أطلاله، فهكذا خُيّل لها، وعند وصولها المكان، تفاجأت بأنّ ماءه لا يزال متدفّقًا وعناصر جماله باقيةً كما عهدتها من قبل، وكأنّها ذهلت من هذا الأمر، وكأنّ المفاجأة السعيدة أخذت بجوانب إدراكها، فسرحت في عالم لذيذ من اللاشعور، وإذا بعصفور صغير يقف على غصن في سدرة كبيرة وهو يضحك من تفكيرها، ويقول لها: النبع باقٍ، والقلوب تتغيّر.
لم يسعفها الموقف لتحليل مقولة العصفور الصغير؛ لأنّها رأت في الجهة الأخرى طائر الهدهد وهو يرفف بجناحيه مرحّبًا بها ومشفقًا عليها، ويقول لها: ها قد عدّت إلى هنا بعد سنين، لقد كنت متأكّدًا من أنّك ستعودين، ولكن لا تتفاجئي من بقاء النبع كما هو، فليس كلّ شيء يتغيّر، وليس كلّ قلب يتحوّل.
سمعت أيضًا كلامًا مشابهًا لما قالته العصافير من حفيف أوراق الأشجار، وتفاجأت باندفاع مجموعة من الفراشات المتأنّقات بألوانهنّ الزاهية نحوها، فشرعت أكبرهنّ تخاطبها: لا تظنّي أنّ ( جابرًا ) بعد هجرانك هذا المكان قد أهمل نبعه وذهب ليصلح نبعًا آخر في مكان آخر كما يفعل كثير من الناس، لا إنّه لم يفعل ذلك، لقد بقي مخلصًا لنبعه الوحيد، يرعاه، ويتعهّده ليلًا ونهارًا؛ ليحفظه من عوادي الزمن، حتى قضي حتفه، ووارى التراب جسده.
عادت إلى ذاتها، واستنطقت قلبها، فأخذت نفسًا عميقًا، وقالت: صدقت الطيور، وصدق حفيف أوراق الأشجار، وصدقت الفراشات، ولكن أين قبر جابر؟ أيكون قبره هنا بجنب النبع الذي أصلحه، وزيّن عناصر جماله، وأنفق عليه ثمرة شبابه؟ لا بدّ أنّه عهد إليهم قبل أن يموت أن يدفن هنا، ولكنّي لا أعلم أفعلوا ما أراد منهم أم أنّه حُرم أيضًا من هذا؟

(120) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment