القصائد الطوليات


هذه طُولَيات قصائد شعرائنا الثلاثة:

قصيدة أوس بن حجر ستون بيتًا طويليًّا وافيًا مقبوضَ العروض والضرب فائيَّ القافية المضمومة المؤسسة الموصولة بالواو، أراد بها الحكمة، واستهلَّها بقوله:

تَنَكَّرَ بَعْدِي مِنْ أُمَيْمَةَ صَائِفُ فَبِرْكٌ فَأَعْلَى تَوْلَبٍ فَالْمَخَالِفُ

الذي وقف به وبما بعده على الأطلال، إلى أن انتقل بالبيت السادس إلى الغزل، قائلا:

وَقَدْ سَأَلَتْ عَنِّي الْوُشَاةُ فَخُبِّرَتْ وَقَدْ نُشِرَتْ مِنْهَا لَدَيَّ صَحَائِفُ

ثم بالبيت العاشر إلى الرحلة والركوبة، قائلا:

وَأَدْمَاءَ مِثْلِ الْفَحْلِ يَوْمًا عَرَضْتُهَا لِرَحْلِي وَفِيهَا جُرْأَةٌ وَتَقَاذُفُ

ثم بالبيت السابع والعشرين إلى حمار الوحش والطرَد، قائلا:

كَأَنِّي كَسَوْتُ الرَّحْلَ أَحْقَبَ قَارِبًا لَهُ بِجُنُوبِ الشَّيِّطَيْنِ مَسَاوِفُ

ثم بالبيت الثامن والخمسين إلى الحكمة، قائلا:

وَلَوْ كُنْتُ فِي رَيْمَانَ تَحْرُسُ بَابَهُ أَرَاجِيلُ أُحْبُوشٍ وَأَغْضَفُ آلَفُ

ثم قصيدة البهاء زهير واحدٌ وسبعون بيتًا طويليًّا وافيًا مقبوضَ العروض والضرب حائيَّ القافية المضمومة المجردة الموصولة بالواو، أراد بها المديح، واستهلَّها بقوله:

لَكُمْ مِنِّيَ الْوُدُّ الَّذِي لَيْسَ يَبْرَحُ وَلِي فِيكُمُ الشَّوْقُ الشَّدِيدُ الْمُبَرِّحُ

الذي تغزل به وبما بعده، إلى أن انتقل بالبيت الخامس والعشرين إلى المديح، قائلا:

وَإِنَّ مَدِيحَ النَّاصِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَيَصْبُو إِلَيْهِ كُلُّ قَلْبٍ وَيَجْنَحُ

ثم بالبيت السابع والستين إلى الفخر، قائلا:

لَعَمْرُكَ كُلُّ النَّاسِ لَا شَكَّ نَاطِقٌ وَلَكِنَّ ذَا يَلْغُو وَهَذَا يُسَبِّحُ

ثمَّت قصيدة علي محمود طه “امرأة وشيطان” ستةٌ وثمانون بيتًا رمليًّا وافيًا محذوف العروض صحيح الضرب هائيَّ القافية المفتوحة المردفة بالألف الموصولة بالألف، أراد بها الحكمة، واستهلَّها بقوله:

أَقْسَمَتْ لَا يَعْصِ جَبَّارٌ هَوَاهَا أَبَدَ الدَّهْرِ وَإِنْ كَانَ إِلَهَا

لَا وَلَا أَفْلَتَ مِنْهَا فَاتِنٌ قَرَّبَتْهُ وَاحْتَوَتْهُ قَبْضَتَاهَا

قِيلَ عَنْهَا إِنَّهَا سَاحِرَةٌ تَتَحَدَّى سَطْوَةَ الْجِنِّ سُطَاهَا

وَعَجُوزٌ بِالصِّبَا مَوْعُودَةٌ وَبِعُمْرِ الدَّهْرِ مَوْعُودٌ صِبَاهَا

حَذِقَتْ عِلْمَ الْأَوَالِي وَوَعَتْ قِصَصَ الْحُبِّ وَمَأْثُورَ لُغَاهَا

قِيلَ لَا يُذْهِبُ عَنْهَا كَيْدَها غَيْرُ شَيْطَانٍ وَلَا يَمْحُو رُقَاهَا

وَرَوَوْا عَنْهَا أَحَادِيثَ هَوًى آثِمٍ يُغْرِبُ فِيهَا مَنْ رَوَاهَا

وَأَسَاطِيرَ لَيَالٍ صُبِغَتْ بِدِمَاءٍ سَفَكَتْهُنَّ يَدَاهَا

يَذْكُرُ الرُّكْبَانُ عَنْهَا أَنَّهَا سَرَقَتْ مِنْ كُلِّ حَسْنَاءَ فَتَاهَا

الذي وقف به على أول أحداث قصة خُرافية فضح بها حقيقة الدنيا، لولا كثرة أحشائها ما اكتفيتُ بمتنها!

أعجب ما يبدو لي أولا، أن القصائد الثلاث كلها لم تتخرج بأنماط الشعراء العروضية الثلاثة المكررة، بل انفردت كل منها في ديوانها بنمطها مثلما انفردت بطولها، وهو دليل أن الشعراء الكبار لا تُعجزهم عن أن يُطيلوا قصائدهم الأنماطُ العروضية، لا وزنًا ولا قافيةً!

ثم أعجب ما يبدو لي ثانيا، أن قصيدة البهاء زهير المعروف بقُصرى القصائد، أطول من قصيدة أوس بن حجر المعروف بقِصار القصائد، وهو دليل أن البهاء إنما قصد قصدا لا عفوا، إلى ملاءمة الغناء ومجالس السمر التي يَحسُن فيها التنقل ويُملّ التطوُّل.

ثمَّتَ أعجب ما يبدو لي ثالثا، أن يتدفق إلى ذلك المدى تيارُ الأحداث القصصية الكثيرة المتتابعة المتداخلة، بقصيدة علي محمود طه العمودية، سلسلا صفوا عذبا فراتا، يشهد على صدق من اتخذوه أستاذهم من شعراء خمسينيات القرن الميلادي العشرين، الطامحين إلى إثارة القصيدة العربية إلى ما لم تبلغه من قبل، وهو الذي لم يكن في أوّليته يقيم العربية دون مأخذ أو مغمز!

(38) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment