أستاذي، لشيماء عبد الراضي تلميذتي المصرية النجيبة


أن يكتب التلميذ لأستاذه شيئًا يُوفي به حقه فهذا شيء مُحَال، فكيف يوفي التلميذ حق أستاذه عليه بعدة كلمات قليلة ربما لا يُحسنُ كتابتها لقلة علمه، ولا التعبير عما توحي به كما ينبغي.لا أدري من أين أبدأ، لكن يمكنني أن أبدأ من لحظة البداية ذاتها.كنت حينها في الفصل الدراسي الأول في الفرقة الثالثة بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة.وكان أستاذنا الدكتور محمد جمال صقر قد درس لنا مادة الصرف والعروض بأسلوب عجيب يصعب فهمه على من هو مثلي.وكانت مادته من أصعب المواد الدراسية المقررة في هذا الفصل الدراسي، بل في العام كله، بل في الفرق الأربع جميعها.ولكن حين يكون الأستاذ أبًا خلوقًا رحيمًا ناصحًا معطاءً مُبهرًا مثله؛ فإن الصعاب كلها تصير سهلة لينة بإذن الله كالماء الجاري في النيل العذب.حينها تمنيتُ أن أكون من تلامذته، ولكن كيف لي أن أكون ذلك، ومن أنا حتى أكون تلميذة هذا الأستاذ الكبير تلميذ أستاذ الدنيا محمود شاكر رحمه الله!كان حلمًا جميلًا وأمنيةً كبيرة لي، كم حلمتُ بها وتمنيتها حتى هذه اللحظة، وما زلتُ أحلم بها وأتمناها.ومن وقتها حرصت على صحبته والتعلم منه ولو حرفًا واحدًا، كما يحرص الطفل الصغير على ملازمة أبيه لا يريد أن يفارقه.أذكر حينها أنني ذاكرت مادته واجتهدت في حل أسئلة كتابه كلها على صعوبتها، وعلى عدم تمكني، حتى حصلت في مادته بفضل الله عزوجل على تسع عشرة درجة من عشرين درجة، بتقدير ممتاز.وقتها فرحتُ فرحةً كبيرة لا وصف لها، وأحسستُ أنني أصبحتُ شيئًا مهمًّا، وقد كنتُ قبلها أتمنى أن أكون أي شيء، وشعرتُ أنني قد خطوتُ خطوةً في طريق التلمذة على يديه.

ثم كانت مسابقته في حفظ قصائد المتنبي المذكورة في هذا الكتاب نفسه، فعكفتُ على حفظها في إجازة الفصل الدراسي الأول، وأكرمني الله بالحصول على المركز الأول فيها، والفوز بكتبه التي ألفها كلها، حينها شعرتُ أنني أصبحتُ شيئًا أهمّ؛ فقد منحني أستاذي كتبه التي ألفها كلها، وأصبحتْ كلها ملكي، وكَتب على إحداها إهداء بخطه يعلوه كلمة “بُنَيَّتِي”؛ فأخذتها وطرتُ بها فرحًا كأنني ملكتُ الدنيا بما فيها.ثم كان سفره الدائم إلى يومنا هذا، لكنه قبل سفره علمنا بضع كلمات سرت على نهجها طول هذه السنين، وأوصانا أن ندعو له بها، وأن نتعلمها ونسير على نهجها؛ فكان يوصينا أن ندعو له باليقين والإخلاص والإتقان والثبات والرضا؛ فكان نِعْمَ الأستاذ الكريم والأب الرحيم.سافر أستاذنا، لكنه علمنا أن طلب العلم لا ينقطع بسفر الأستاذ وغيابه عن تلامذته، فكان الامتحان عسيرًا عليَّ يوم أن قررتُ أن أُكْمِلَ الطريقَ بمفردي على صغري وقلة حيلتي وزادي.كانت رسالتي في الماجستير صعبة شاقة مجهدة متعبة على من هو مثلي في أحوالي، لكنني كلما طرقتُ بابه تعهدني بإرشاداته، وغمرني بنصائحه، على اشتغالاته التي لا تنتهي، وضيق وقته، وبعد مكانه، وكثرة أسئلتي، وقلة فهمي، وبطء استيعابي، حتى انتهيت منها بعد سبع سنين متوالية من العمل فيها؛ فكانت هذه الرسالة ثمرة التلمذة على يديه، وحصلتُ فيها على تقدير ممتاز مع التوصية بتبادل الرسالة بين الجامعات المصرية، والأهم من التقدير أن يقبلها الله خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعني وينفع غيري بها.علَّمني أستاذي، وأكرمني، وهذَّب خلقي، وقوَّمني، وأحسن إليَّ، أحسن الله إليه ورضي عنه.ثم إنني لا أستطيع أن أوفي حقه علىَّ ما حييت، ولا أملك إلا الدعاء له بما أوصانا به؛ رزقك الله أستاذنا الكريم ما تتمناه من يقين وإخلاص وإتقان وثبات ورضًا، وكل مايحبه ويرضاه عنكَ، وكتبَ لك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا، وجمعنا جميعًا في مستقر رحمته وجنته حيث لا فراق.

(245) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

2 Thoughts to “أستاذي، لشيماء عبد الراضي تلميذتي المصرية النجيبة”

  1. لؤي محمد محسن سليمان

    بارك الله فيكم أستاذنا وشكر لكم وأحسن إليكم ويسر لكم كل عسير وهون عليكم كل صعب ، قالت الأستاذة ما في وجدان كل من نال شرف التلمذة لكم ولو عبر سماع دروسكم ، ومراسلاتكم فوالله ما بخلت علينا بنصح ولا إرشاد ، وكم يذهب عنا الحزن سماع دروسكم ، وكم أغبط وأشتاق لمحاضراتكم وأتشوف لسماع: شدوا دساتين أعوادكم ، وأحموا طبولكم ودفوفكم ، ولا يتقدمن عازف عازفا ، فمن ظن أنه يحسن فقد أساء ، واجعلوا النغمة أكثر زرقة .
    أسعدكم الله وأقر عينك بما يسرك في الدنيا والآخرة .
    محبكم: لؤي محسن

    1. آمين وإياك يا أستاذ لؤي وشكر لك وأحسن إليك وجعلني عند حسن ظنك

Leave a Comment