أثر العروض العربي في الشعر العبري الأندلسي دراسة في الأدب المقارن، للدكتور طارق سليمان النعناعي


أستاذ علم اللغة، والدراسات السامية والشرقية، المساعد،

جامعة القاهرة، وجامعة السلطان قابوس.

أَثَرُ الْعَرُوضِ الْعَرَبِيُّ فِي الشِّعْرِ الْعِبْرِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ

دِرَاسَةٌ فِي الْأَدَبِ الْمُقَارَنِ

الدكتور/ طارق سليمان النعناعي

عاش اليهود في كنف الدولة الإسلامية، وتمتعوا بحريتها ورخائها، ما لم يحدث لهم على مدار التاريخ، في ظل أية دولة أخرى، ويعد العصر الأندلسي العصر الذهبي للأدب العبري، الذي تأثر تأثرا بالغا – لا يخفى على أحد – بالأدب العربي، وبالثقافة والحضارة العربيتين، بل وبالدين الإسلامي نفسه، بوصفه عقيدة تخالف العقيدة المكتوبة والمتراكمة في بعض الأشياء الجوهرية في التراث اليهودي، وهذا ما رأيناه متجسدا في إضافات موسى بن ميمون الجريئة على الديانة اليهودية، ما حدا بالبعض أن يجعله هدفا للعن والسب، بل والتكفير من بعض متشددي اليهودية، في الوقت الذي جعله بعضهم نسر المعبد اليهودي، فوصل الاختلاف حول تجديدات موسي بن ميمون، وشخصه في آن واحد، إلى أن يحج بعضهم إلى قبره، وأن يذهب بعضهم إلى قبره ليبول عليه.

   وكان العروض الخليلي من الآثار العربية الواضحة على القصيدة العبرية، إذ تمثله الشعراء اليهود، الذين كانوا كلهم – أو أغلبهم – يتكلمون العربية، بل تمثل اللغة العربية عند أغلبهم اللغة الأم، في حين أن العبرية هي لغة الدين المتعلمة.

أما ما يتعلق بالأثر العروضي العربي في الشعر العبري الأندلسي، فمن سبق إلى دراسته أستاذنا الدكتور شعبان سلام (في كتابه: “التأثيرات العربية في البحور والأوزان العبرية”)، ثم أضافت أستاذتنا الدكتورة ليلى أبو المجد (في كتابها: “الإيقاع الشعري، دراسة صوتية مقارنة بين بحور العربية والعبرية”) دراسة جادة في هذا المجال، أغنتنا في كثير من الأمور إعادة البحث فيها، وقد أردت أن أشير إلى ما يمكن للباحثين أن يخوضوا في دراسته، على الرغم من الدراسات الجادة السابقة، وهو التركيز على الفروق اللغوية الصوتية والمقطعية بين اللغتين العربية والعبرية، تلك الفروق التي تجعل من التفعيلة العبرية شيئا آخر غير التفعيلة العربية، إذ إن اليهود لم يتأثروا بالبحور الخليلية كلها، ولم ينتبهوا إلى أشكال البحور المختلفة، من المجزوء والمشطور والمنهوك، وغير ذلك فحسب، بل كان لطبيعة اللغة العبرية غير المعربة أثر كبير في التفاوت والخروج في كثير من التفعيلات عن التفعيلات الخليلية، فطبيعة الحركات، وطبيعة السكون بأنواعه في اللغة العبرية، وطبيعة المقاطع العبرية، وعدم وجود الإعراب في العبرية يجعل الكلمات العبرية تنتهي بساكن، أو  بساكنين، أو يلتقي فيها ساكنان، أو يرد الساكن فيها بعد حركة طويلة في وسط الكلمة أو في آخرها؛ وهذا ما لا يتفق مع طبيعة التفعيلات العروضية العربية؛ أي أنه بالتركيز على دقائق العروض العربي يمكننا تحديد خلل التفعيلة العبرية، فنشير إلى عدم انتباههم إلى الفروق الدقيقة بين الزحافات والعلل، والمقبول والحسن والقبيح منها، وغير ذلك؛ ولذلك نستطيع القول إن ما قلده اليهود من العروض العربي كان شبيها إلى حد كبير به، لكنه لا يتطابق – رغما عنهم – معه، ولكي يتطابق البحر العبري مع البحر العربي أو يقترب منه، نحتاج إلى مد الصوت في مواضع، أو خطف الحركة في مواضع أخرى من القصيدة العبرية الأندلسية، مع شيء من التجاوز، وهذا الأمر يحتاج إلى بحث منفصل؛ كي نستجلي هذه الاختلافات.

ولسوف نقتصر في هذا العمل على نماذج مختصرة وسريعة من المعروف (من كتاب الدكتور شعبان سلام، السابق ذكره) عن محاولات التقليد في الأوزان والبحور وحسب، مع التنبيه على أن اختبار التوافق بين النص العبري وتفعيلات البحر العربي، لا بين الترجمة، فالترجمة العربية لا تتفق مع العروض العربي، كما يأتي:

الهزج המרנין

مفاعيلن مفاعيلن      مفاعيلن مفاعيلن  

מפועלים מפועלים  

                      מפועלים  מפועלים

إلى هند صبا قلبي

                         وهند مثلها يصبــي

אדון עולם אשר מלך  

                     בטרם כל יציר נברא

سيد العالم الذي ملك

                    قبل أن يخلق أي مخلوق

الوافر המרבה

مفاعلتن مفاعلتن فعولن            مفاعلتن مفاعلتن فعولن

מפועלים מפועלים  פעולים

             מפועלים מפועלים  פעולים

إذا لم تستطع شيئا فدعه

                     وجاوزه إلى ما تستطيع

ويقول صموئيل هناجيد:

מזמותי תקלענה לבבי

               כנס יניס ביום סער ספינה

أفكاري توجه قلبـــي

       كشراع ينقذ سفينة في يوم عاصف

الكامل השלם

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

                       متفاعلن متفاعلن متفاعلن

מתפעלים מתפעלים מתפעלים

          מתפעלים מתפעלים מתפעלים

يقول ابن الرومي:

وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله

                      وأطال فيه فقد أراد هجاءه

ويقول موسى بن عزرا:

עפר אשר הציץ לפנינו כמו

                   שחר וגביע בידו העלה

غزال ظهر أمامنا مثل

                         فجر رفع كأسا بيده

السريع[1] המהיר

مستفعلن مستفعلن فاعلن

                        مستفعلن مستفعلن فاعلن

מתפעלים מתפעלים פועלים

             מתפעלים מתפעלים פועלים

هاج الهوى رسم بذات الغضى

                           مخلولق مستعجم محول

ويقول يهوذا اللاوي:

יונת רחוקים נדדה יערה

               כשלה ולא יכלה להתנערה

حمامة البين ضلت شجرتها (غابتها)

              خارت قواها ولم تستطع أن تنهض

الرمل[2] הקלוע

فاعلاتن فاعلاتن فاعلن

                        فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

פעלולים פעלולים פועלים

             פעלולים פעלולים פועלים

مثل سحق البُرد عفـَّى بعدك الـ

                      قطر مغناه وتأويب الشمال

ويقول يهوذا اللاوي:

יעלת חן ממעונה רחקה

               אוחבה כועס ולמה צחקה

جميلة المنظر من قصرها بعدت 

                  حبيبها غاضب ولماذا ضحكت

الخفيف[3] הקל

فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

                      فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

פעלולים מתפעלים פעלולים

            פעלולים מתפעלים פעלולים

مثل قول الأعشى:

حل أهلي ما بين درنى فبادو-

                     لي وحلت علوية بالسخال

وتتغير التفعيلة العبرية الثانية מתפעלים إلى وَتـَدَيْنِ، أي إلى מפוללים. حدث هذا في قصيدة واحدة في قول يهوذا اللاوي:

לו שחרים ירדפוני ברוח

               המנשק פיה וגופה ינופף

لو الفجر يتبعني بريح

                        تقبل فاها وتهز جسدها

المجتث[4] הקטוע

مستفعلن فاعلاتن              مستفعلن فاعلاتن

مثل:

البطن منها خميص            والوجه مثل الهلال

ومثل ذلك في العبرية أحيانا:

מתפעלים פעלולים 

                        מתפעלים פעלולים

مثل قول سليمان بن جبيرول:

נחר בקראי גרוני

                           דבק לחכי לשוני

جف حلقي بندائي

                          التصق لساني بحنكي

أما الأكثر في العبرية الأندلسية فبـثلاث تفعيلات، كما يلي:

מתפעלים פעלולים פעלולים

            מתפעלים פעלולים פעלולים

لكن المقطع الأول من التفعيلة الثالثة يحذفونه وتصبح פעולים بدلا من פעלולים

 مثل قول صموئيل هناجيد:

אם איש בחרך לחברה היה לו

             סומך ותהיה בחשכו לניצוץ

لو اختارك إنسان رفيقا فكن له

                     سندا وكن شعاعا في ظلامه

المتقارب[5] המתקרב

فعولن فعولن فعولن فعولن

                      فعولن فعولن فعولن فعولن

مثل قول الحطيئة:

تحنن علي هداك المليك      فإن لكل مقام مقالا

ولا تأخذني بقول الوشاة فإن لكل زمان رجالا

ومثل ذلك في العبرية:

פעולים פעולים פעולים פעולים                                

        פעולים פעולים פעולים פעולים

مثل قول يهوذا اللاوي:

מלונת הדסים וערש בשמים

              לתאמי צביה במזל תאומים

مأوى عطور وفراش زهور

                    يناسب ظبية هي والحظ توأم

المتدارك[6] הנמשך

فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن

                       فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن

פועלים פועלים פועלים פועלים

        פועלים פועלים פועלים פועלים

مثل:

جاءنا عامر سالما صالحا

                    بعدما كان ما كان من عامر

ومثل ذلك في العبرية:

مثل قول سليمان بن جبيرول:

אדרשה חסדך כי אני עבדך

              אערך נגדך מהלל נחמד

أطلب خيرك لأني عبدك

                    أنظم لك تسبيحا جميلا.

الطويل[7] הארוך

فعولن مفاعيل فعولن مفاعيلن

                   فعولن مفاعيل فعولن مفاعيلن

פעולים מפועלים פעולים מפועלים

    פעולים מפועלים פעולים מפועלים

مثل:

وقل للذي أفنى الفؤاد بحبه

                    على أنه يجزي المحبة بالبغض

ومثل ذلك في العبرية:

مثل قول يهوذا اللاوي:

נטה בי אלי צען וים סוף והר חורב

    ואסב אלי שילה ואל תל דביר חרב

مل بي إلى صوعن والبحر الأحمر وجبل حوريب

فأطوف حول شيلوه وتل مقدس خرب

البسيط[8] המתפשט

مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

                 مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

מתפעלים פועלים מתפעלים פועלים

מתפעלים פועלים מתפעלים פועלים

مثل قول زهير بن أبي سلمى:

يا حَارِ لا أُرْمَيَنْ مِنْكُم بداهيةٍ

                 لم يَلـْقَها سوقةٌ قبلي ولا مَلِكٌ

ومثل ذلك في العبرية:

مثل قول يهوذا اللاوي:

לבי במזרח ואנכי בסוף מערב

 איך אטעמה את אשר אכל ואיך יערב

قلبي في الشرق وأنا في نهاية الغرب

                كيف أتذوق ما آكله وكيف يلذ

المديد[9] המתמודד

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

                         فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

פועלים פעלולים פועלים

                 פועלים פעלולים פועלים

مثل قول المهلهل:

يا لبكرٍ أنْشِرُوا لي كليبا 

                          يا لبكرٍ أين أين الفرارُ

ومثل ذلك في العبرية بعد تحول التفعيلة الثالثة من פועלים إلى נפעלים،

مثل قول أبراهام بن عزرا:

אהלי בה עם בנותיה מתאוננה

          בענות בנאות נאותיה בת יענה

خيمتها مع بناتها تشكون                    

                  وتجيب نعامة من أجمل واحاتها

بحر السبب (بحر الحركة) משקל התנועה

هذا البحر هو ما أضافه الشعراء اليهود وليس من البحور العربية – كما يزعمون – ووزنه:

נפעל נפעל נפעל נפעל

                    נפעל נפעל נפעל נפעל

مثل قول موسى بن عزرا:

כתנות כסים לבש הגן 

                 וכסות רקמה מידי דשאו

وهذا البحر هو – حقيقة – شكل من أشكال المتدارك، وهذا يؤكد وجهة نظري في أنهم لم يتقنوا كل أشكال البحور العربية، ويقول الدكتور محمد جمال صقر (أستاذ النحو والصرف والعروض): “إنه من بحر الخبب، وهذا البحر موجود في التراث العربي، في شعر الخليل نفسه؛ وبذلك لا يكون جديدا كما يزعمون”[10].

البَحْرُ الخَبَبُ أو البَحْرُ المُتَدَارَكُ أو البَحْرُ المُحْدَثُ أو البَحْرُ المُخْتَرَعُ أو البَحْرُ المُتَّسَقُ (لأن كل أجزائه على خمسة أحرف) أو البَحْرُ الشَّقِيقُ (لأنه مثيل البحر المتقارب، فكلاهما مكوّن من سبب خفيف ووتد مجموع) هو أحد بحور الشعر العربي.

والصورة الأحدث له، هي:

فَعِلُن فعِلُن فعِلن فعِلنفَعِلُن فعِلُن فعِلن فعِلن

مثال:

  دع طرق الغيّْ فالدنيا فيّْلا يبقى إلـّـا القيوم الحيّْ[11]

الخلاصة

البحور العربية التي حاكاها اليهود:

  1. الهزج.
  2. الوافر.
  3. الكامل.
  4. السريع.
  5. الرمل.
  6. الخفيف.
  7. المجتث.
  8. المتقارب.
  9. المتدارك.
  10. الطويل.
  11. البسيط.
  12. المديد.

ما تركه اليهود من البحور العربية:

  1. الرجز.
  2. المنسرح.
  3. المقتضب.
  4. المضارع.

ما ادعاه اليهود من البحور العروضية:

  1. بحر السبب، وهو بحر الخبب كما ذكرنا أعلاه.

أكثر البحور تفضيلا من الشعراء اليهود

  1. الوافر.
  2. الكامل.
  3. الهزج.
  4. وأخيرا بحر السبب أو الخبب.

[1] يقول صفي الدين المحلي:

بحر سريع ما له ساحل    مستفعلن مستفعلن فاعل (مفعلا).

[2] يقول صفي الدين المحلي:

رمل الأبحر ترويه الثقات       فاعلاتن فاعلاتن فاعلات.

[3] يقول صفي الدين المحلي:

يا خفيفا خفت به الحركات          فاعلاتن مستفعلن فاعلات.

[4] يقول صفي الدين المحلي:

إن جثت الحركات          مستفعلن فاعلات.

[5] يقول صفي الدين المحلي:

عن المتقارب قال الخليل               فعولن فعولن فعولن فعولن.

[6] يقول صفي الدين المحلي:

حركات المحدث تنتقل            فعلن فعلن فعلن فعل.

[7] يقول صفي الدين المحلي:

طويل له دون البحور فضائل     فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

[8] يقول صفي الدين المحلي:

إن البسيط لديه يبسط الأمل   مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

[9] يقول صفي الدين المحلي:

لمديد الشعر عندي صفات   فاعلاتن فاعلن فاعلات.

[10] http://mogasaqr.com/2019/03/09/%d8%a8%d8%ad%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%b1%d9%83/

[11]بحر الخبب – ويكيبيديا (wikipedia.org)

(75) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment