تطلع المبدعين


يتواضع أهل كل لغة على ما يعبرون به عن أغراضهم، ثم ينشأ بعدهم من ينظر فيما عبروا به، فيجتهد أن يوجهه بما يرى أنه الذي دعاهم إليه، ثم يسعى على أثره غيره، فإما أن يرى رأيَه، وإما أن يرى غيرَه متمسكا بأنه الأجدر بأن يكون هو الذي دعاهم إلى ما عبروا به، ثم يسعى على أثريهما غيرهما، فإما أن يرى هذا الرأي وإما أن يرى ذاك وإما أن يرى رأيا وسطا مشتملا على الرأيين، إما على جهة التوفيق، وإما على جهة التلفيق: أما التوفيق فبأخذ أحسن ما فيهما حرصا على الإتقان، وأما التلفيق فباقتطاع جزء من أحدهما لإلصاقه بجزء من الآخر حرصا على الإرضاء!

ولولا التطلع الإبداعي الذي فُطر عليه بعض الباحثين أو وُفّق إليه، ما تَكَلَّفَ استحداث رأي، ولا تَنَبَّهَ إلى تعدد الآراء؛ إذ كما يستند استحداث الرأي إلى ذلك التطلع الإبداعي يستند إليه تمييزه! ولقد اقتضى المقام منصوري عبد الجليل صاحبَ هذا البحث “الآراء الفردية لنحاة البصرة والكوفة”، أن يكون ثاني الرجلين وهو الشاعر المرهف، من حيث يعرف جلال الجمع بين التخلق بالتطلع الإبداعي ومعرفة المتخلقين به، ويذكر كيف نعد على الأصابع من العرب ومن غير العرب، من جمع في نفسه بين القدرة ومعرفة المقتدرين؛ لعله يضيف إليهم نفسه فيما يستقبل من عمره وعمله!

(4) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment