تاريخ المصاحف، للدكتور محمد توفيق أفندي صدقي الطبيب بسجن طره (1325هـ)


(1)

مجلة المنار، المجلد 10، صفر، 1325.

لما لهذا الموضوع من العلاقة الكبرى بجميع مباحثي في الإسلام التي سبق نشرها في المنار الأغر، رأيت أن أفيض القول فيه بما يزيل ما ران على قلوب كثير من الناس من الشبهات والإشكالات التي يقذف بها المسلمين دعاةٌ من المسيحيين، لا يميزون بين الغث والسمين. ولإيضاح المسألة إيضاحًا تامًّا، رأيت أن أضع مقدمة هامة تمهيدًا للبحث، ودعامة للفحص، فنقول: غير خاف على أحد أن الأمة العربية قبل الإسلام كانت أمة أمية، يقل فيها وجود من يعرف القراءة والكتابة معرفة جيدة، وكان جل اعتمادهم في جميع ما يروونه من أنسابهم وأشعارهم وغيرها على حفظهم لها في صدورهم، ولم يعرف أنه كان عندهم كتاب ما من الكتب في أي موضوع كان، وغاية ما كانوا يفهمونه من لفظ (كتاب) أنه أي صحيفة مكتوب عليها؛ من نحو الجلود أو العظام أو الحجارة أو الجريد، بل إن الصالح للكتابة من كل هذه الأشياء كان لديهم قليلاً؛ ولذلك لم يستغنوا بنوع واحد منها عن باقيها، ولم يكن عندهم الورق الذي نعرفه الآن، وهذا اللفظ ما كان يطلق عندهم إلا على ورق الشجر وعلى رقاع من الجلود رقيقة، والإطلاق الأخير مستعار من الأول. ولا تجد في اللغة العربية اسمًا خاصًّا بما يشبه ورقنا المعروف سوى لفظ واحد وهو (الكاغد) وهو فارسي معرب، وقد أدخلته العرب في لغتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذا لم يرد في كلامهم قبله عليه السلام ولا في عصره، ولم يرد في أحاديثه ولم نسمع أنه كان مما يكتب عليه القرآن في حياته عليه السلام، والغالب أن هذا اللفظ دخل في اللغة العربية بعد فتح المسلمين لبلاد فارس، وأما لفظ (القرطاس) فهو أقدم في اللغة، وورد في القرآن الشريف، وكان معناه عندهم الصحيفة من الأشياء التي كانوا يستعملونها للكتابة، ثم أطلقوه فيما بعد على الكاغد أيضًا حينما عرفوه، وصاروا يسمون به كل ما يكتبون عليه من الصحف، هذا وإن ما ورد في كلامهم من لفظ (كتاب) كانوا يريدون به ما يطلق عليه في عرفنا اليوم لفظ (خطاب) أو جواب، ومنه قوله تعالى في قصة سليمان: {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم} (النمل: 28) ، ومنه كتب النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الملوك؛ يدعوهم إلى الإسلام، ومثل الكتاب: السفر والزبور والسجل والدفتر، فإن معانيها كلها متقاربة، وما كانوا يفهمونها كما نفهمها الآن؛ ولذلك لما جمع القرآن بعد النبي، اختلفت الصحابة في ماذا يسمونه به وتوقفوا؛ لأنهم لم يعهدوا مثله من قبل، ثم استقر رأيهم أخيرًا على تسميته بالمصحف؛ تبعًا لأهل الحبشة في تسمية مجموعاتهم بذلك، والمصحف: الكتاب، بالمعنى الذي نفهمه نحن الآن عند الإطلاق؛ لأنه مأخوذ من أصحف أي جمع الصحف. وكل صحيفة كتاب عند العرب كما ذكرنا، وكانت أيضًا كتب بعض الأمم غير العربية عبارة عن قطع من الجلود أو القماش، يختلف عرض الواحدة منها من 12 إلى14 قيراطًا، وكانوا يلفونها على قضيب من الخشب ملصق بأحد أطرافها كما تلف الخرائط الجغرافية الآن. وهذا هو الطي المذكور في قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب} (الأنبياء: 104) ولا تزال التوراة مطوية كذلك عند السامريين إلى اليوم. هذا الذي تقدم، ليس خاصًّا بمشركي العرب، بل يشمل أيضًا أهل الكتاب منهم، ولذلك لا نسمع بوجود نسخه كاملة من التوراة أو الإنجيل بينهم كالنسخ الموجودة الآن، ولم يكن عندهم سوى أجزاء قليلة منهما مكتوبة على قطع متفرقة من الجلود أو العظام أو الخشب أو نحوه. فلذا وصفهم القرآن الشريف بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَاب} (آل عمران: 23) ، وخاطبهم بقوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ} (المائدة: 15) وقال فيهم: {وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (المائدة: 13) وقال لهم:] قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ [1] الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ [أي صحفًا متفرقة (الأنعام: 91) ] تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ [وقال أيضًا: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة: 79) وهذا كله يدل على أن كتبهم المقدسة ما كانت تامة ولا محصورة بين دفتين، بحيث لا تقبل الزيادة ولا النقصان، وإنما كانت مبعثرة في رقاع منثورة، وأن بعض صحفهم كان حقًّا والبعض الآخر كان باطلاً. أما ما ورد في القرآن من نحو قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّه} (المائدة: 43) ، فمعناه أن عندهم أجزاء من التوراة فيها حكم الله في المسألة التي تحاكموا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكما يطلق لفظ القرآن ويراد به أجزاء منه، كذلك يطلق لفظ التوراة أو الإنجيل ويراد به بعضها أو أجزاء منها، وهذه مسألة شائعة في القرآن الشريف وفى اللغة، ومن ذلك قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ} (البقرة: 185) أي بعضه أو جزء منه. قدمنا لك هذه المقدمة؛ لتعلم أن العرب ما كانت تعرف الكتاب ولا الورق بمعنييهما عندنا، وأوضحنا لك فيها درجة معرفتهم القراءة والكتابة، وذكرنا لك ما كانوا عليه يكتبون. بعث محمد – صلى الله عليه وسلم – فيهم وحالتهم كما علمت، وأوحي إليه هذا القرآن ليبلغهم إياه، فانظر ماذا فعله هذا الرسول الأمين حتى نشر بينهم الكتاب المبين. علم قوة ذاكرتهم واعتمادهم عليها في نقل أخبارهم وأشعارهم، حتى إن كثيرًا منهم كان يسمع الأبيات من الشعر أو القصيدة الطويلة تتلى عليه فيحفظها من أول مرة، فداوم صلى الله عليه وسلم على حضهم على تلاوة القرآن، وبالغ في حثهم على حفظه وضبطه. وفرض عليهم قراءته في الصلوات، وبقي على هذه الحالة بضعًا وعشرين سنة حتى كثر فيهم القراء، وكانت السورة الواحدة يحفظها الألوف من الناس، والقرآن كله يحفظه الكثيرون منهم. لم يكتف صلى الله عليه وسلم بذلك؛ بل أمر بكتابته، واختار طائفة منهم لتكتبه له على ما تيسر له إذ ذاك من الجلود والعظام والجريد والحجارة وغيره مما كانوا يعرفونه، وأكثر في ترغيبهم في التعلم ومدح القراءة والكتابة بنحو قوله: يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء الشهداء، ومثل ذلك في الأحاديث كثير. ورد في القرآن الشريف أيضًا قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم: 1) وقوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 3-5) وذم الله تعالى أهل الكتاب بقوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (البقرة: 78) وألزم تعالى المؤمنين بكتابة الدَّين في الآية المشهورة في آخر سورة البقرة؛ وبذلك وجدت فيهم الرغبة في تعلم القراءة والكتابة، وأخذ عدد الكاتبين بينهم يزداد شيئًا فشيئًا، وكتب كل ما نزل من القرآن كثير من المسلمين في عهده عليه الصلاة والسلام. ولم يمت إلا بعد أن كانت جميع السور مرتبة الآيات، مكتوبة في السطور عند الكثير منهم، محفوظة في صدور الجماهير وبعد أن سمعوها منه مرات عديدة في الصلوات والخطب وغيرها، وسمعها هو أيضًا منهم. والخلاصة أن النبي عليه السلام تبع أقرب الطرق لتعميم نشر القرآن المجيد بين أفراد الأمة العربية، وعمل أحسن ما يمكن عمله بالنسبة لمعلوماتهم وحالتهم. سمت نفوسهم بعد ذلك للعلا بما بثه فيهم واستعدت للرقي، فلما كثر اختلاطهم بمن جاورهم من الأمم، أخذوا ينقبون ويفتشون في أحوالهم بعيون مبصرة وعقول مفكرة؛ كي يعثروا على جديد يقتبسونه أو إصلاح إلى بلادهم يسوقونه، فبصروا بما لم يبصروا به من قبل. ووجدوا أن لتلك الأمم طريقة أخرى في تدوين معلوماتهم لم تكن تخطر على بالهم. وهي أن يكتبوها على صفحات صحف من نوع واحد، يضمون بعضها إلى بعض مرئية على حسب ترتيب عباراتها، وربما رأوا أنواعًا أخرى من القرطاس أحسن من التي كانوا يعرفونها؛ كأوراق البردي بمصر مثلاً. دعاهم داعي الفزع عند قتل سبعين من القراء يوم اليمامة إلى المبادرة والإسراع في جمع القرآن على طريقة تلك الأمم؛ خوفًا عليه من الضياع من تلك الرقاع المختلفة، فعقدوا في الحال اجتماعًا، واستقر رأيهم إجماعًا على العمل على تلك الطريقة. وهكذا جمع القرآن، ووجد بين العرب أول كتاب بالمعنى الذي نفهمه نحن الآن، وتحقق وعد الرحمن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) . اختلف المسلمون في ترتيب سور القرآن وطرق قراءته. وتبع ذلك اختلاف مصاحفهم؛ لأن الرسول لم يلزمهم باتباع ترتيب مخصوص في السور، ولم يجمعهم على قراءة واحدة، سور القرآن كل منها ككتاب قائم بذاته كما قال تعالى: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} (البينة: 2-3) فليس ثم فائدة كبيرة في التزام ترتيب مخصوص، ولفظ (سورة) مأخوذ من سور المدينة سميت به القطعة المخصوصة من القرآن؛ لأنها طائفة مستقلة بذاتها. فكأنه صلى الله عليه وسلم ترك بين المسلمين 114 كتابًا، كل منها محفوظ مكتوب مرتبة آياته، وجمعها بالطريقة الحاضرة لم يكن معروفًا في عهده، وإنما حدث بعده بقليل، وإن كانت في زمنه مجموعة عند بعضهم في الصحف المتنوعة التي ذكرناها. أما اختلاف القراءات فهو نوعان: اختلاف بسبب اللهجات كالإمالة وعدمها، واختلاف آخر في الكلمات كتغيير شكلها أو إعرابها أو بعض حروفها أو نحو ذلك، ولكل من النوعين فوائد، ففوائد الاختلاف بسبب اللهجات هي: (1) تسهيل نطقه وفهمه وحفظه لقبائل العرب (2) إظهار أنهم يعجزون جميعًا عن الإتيان بمثل سورة منه كما تحداهم بذلك، ولو بلغاتهم المختلفة، وأن عجزهم عن المعارضة ليس ناشئًا عن نزوله بلهجة واحدة لا يعرفها كثير منهم. وفوائد اختلاف الكلمات هي: (1) تسهل حفظه على كل أحد. وبيان ذلك أن من أراد حفظ القرآن كثيرًا ما يسبق لسانه بنطق مخصوص. فإذا علم أن هذا خطأ جاهد نفسه لتقويم لسانه، ولكن إذا علم أن قراءته جائزة لم يحتج إلى هذا العناء مثلاً إذا أراد أن يحفظ قوله تعالى: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} (الفجر: 17- 18) فيجهد نفسه في العدول عن ذلك، ولكنه إذا علم أن هذه قراءة جائزة لا يحتاج إلى التعب. وهذا الأمر يدركه جيدًا من عانى حفظ القرآن الشريف. ومن ألزم بإصابة غرض واحد لا غير، ليس كمن أبيح له إصابة أي غرض من بين بضعة أغراض. ولا تنس ما لتسهيل حفظ القرآن على الأمة من الفوائد، فإنه أعظم طريقي القرآن في نقله وروايته، وخصوصًا في الأزمنة القديمة وبين الأمم الساذجة. (2) تكثير المعاني، فبتعدد القراءات تكثر المعلومات وتزداد الفوائد. وقد يكون بعض المعاني مبينًا للبعض الآخر. (3) تخفيف بعض الأحكام فمثلاً قوله تعالى في آية الوضوء: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (المائدة: 6) بالكسر، يفهمنا أن الغسل المفهوم من قراءة الفتح غير واجب على التعيين وأن المسح يكفي. فلهذه الأسباب ولغيرها كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرئ المسلمين القرآن بأوجه مختلفة؛ ولذلك قال كما تواتر عنه (أنزل القرآن على سبعة أحرف) الحديث، ولفظ السبعة تستعمله العرب أحيانًا للمبالغة في الكثرة، فيحتمل أن يكون هذا هو المراد هنا، وأن المراد سبع لهجات العرب الشهيرة، وهو لا ينافي أن هناك قراءات أخرى غير اللهجات؛ إذ لفظ الحديث لا يفيد القصر. وقع الخلاف بين المسلمين في هذه القراءات إلى أن اشتد في زمن عثمان – رضي الله عنه -؛ إذ كان بعضهم إذا تلقى قراءة وسمع من غيره ما يخالفها نازعه في ذلك، واتهمه بالتحريف، فخشي أن يحصل بينهم من الاختلاف في القرآن ما حصل بين أهل الكتاب. ورأى أن يجمع المسلمين على مصحف واحد، ينسخون عنه ويرجعون إليه في ضبط مصاحفهم؛ حتى لا يكون فيها اختلاف ولا تكثر فيها هذه القراءات، وأخبر جمهورًا عظيمًا من أصحاب رسول الله بذلك، فوافقوه على رأيه، فأمر بكتابة المصحف على طريقة قريش في الرسم، وكان الكتَّاب فريقا من الصحابة أيضًا، فكتب عدة مصاحف بهذه الطريقة بعد التحري والتدقيق ومراجعة ما كتب قبل ذلك، وبعد السماع من الحفاظ وإن كان الكاتبون هم أيضًا من الحفظة، ثم أرسلت هذه المصاحف إلى الآفاق التي انتشر فيها الإسلام، وفيها الجماهير من الصحابة ومن أخذ القرآن عنهم حفظًا وكتابة، فوافقوا جميعًا على استعمالها والتعويل عليها، وأعدموا غيرها مما عندهم. وكان ذلك بعد وفاة النبي بخمس عشرة سنة (أي سنة 25 هجرية) . هذا ومن علم طباع العرب وغلظها وشدة إيمانهم وتمسكهم بدينهم، وعرف ما كان عليه الخلفاء الراشدون من الأخلاق، وأنهم ما كانوا ليستبدوا بالأمر في شيء، حتى لو أرادوه لما قدروا عليه؛ وعرف حال عثمان وسبب قتله من عرف ذلك كله أيقن أنهم لو كانوا وجدوا في مصاحف عثمان عيبًا لرفضوها، ولأثيرت حروب وأريقت دماء، وكان دم عثمان في أولها، ولارتد كثير من الناس عن الإسلام لهذا السبب، ولَعَاب المسلمين بتحريف القرآن من خالطهم أو دخل فيهم من أهل الكتاب وغيرهم، ولما اتفقوا جميعًا على قبول هذه المصاحف، ولوجدت مصاحف مختلفة بينهم إلى اليوم. فعدم حصول شيء من ذلك يدل على أن هذه المصاحف هي عين ما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخصوصًا لأن الذين تلقوها بالقبول ما كانوا جاهلين حرفًا واحدًا من القرآن، بل كانوا حافظين له حفظًا جيدًا في الصدور من قبل وجود هذه المصاحف وكثير منهم كانوا ممن تلقوه كله أو بعضه مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذه المصاحف العثمانية لم تكن منقوطة ولا مشكولة، ورسمها في كثير من المواضع يخالف ما اصطلح عليه الناس فيما بعد من قواعد رسم الكلمات العربية، ولكن جرى المسلمون على تقليد هذا الرسم في جميع بقاع الأرض؛ على مخالفة بعضه لما وضعوه من القواعد؛ يُعد محافظة منهم على عمل الصحابة رضوان الله عليهم، وتحاشيًا لعمل أي تصحيح أو تحرير في الكتاب، ولم يخرجوا عنه إلا في الأزمة الأخيرة في كلمات قليلة كتبوها على مقتضى طريقتهم، على أن أكثر مصاحفهم لا يزال إلى اليوم كالكتْبة الأولى، لكنها في الغالب منقوطة مشكولة. أما القراءات، فاستمرت مختلفة بين المسلمين إلى زمننا هذا، فهم وإن كانوا أجمعوا على المصاحف العثمانية إلا أن القراءات التي كانوا يقرأون بها من قبل – هي وكانت غير مخالفة للرسم العثماني مخالفة يعتد بها – استمروا على القراءة بها فيما بعد، أما التي تخالفه، فأخذت تتلاشى من بينهم شيئًا فشيئًا. وعليه فوجود المصاحف العثمانية أفاد المسلمين ثلاث فوائد: (الأولى) إجماعهم على مصحف واحد في الكتابة. (الثانية) تقليل الاختلاف بينهم في القراءة. (الثالثة) اتفاقهم على ترتيب مخصوص للسور، ولعل هذا الترتيب كان يستحسنه الرسول، وإن لم يوجبه كما سبق. تواتر من هذه القراءات المختلفة سبع، روى كلا منها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجم الغفير من أصحابه، وأخذ عنهم في البقاع المختلفة الجماهير من التابعين، فأخذ عنهم من بعدهم وهكذا إلى اليوم. وهذا القراءات المتواترة يحتملها رسم المصاحف، ولا تخالفه كما قلنا مخالفة يعتد بها أو صريحة إذا جردت من النقط والشكل كما كانت. اشتهر بين التابعين ومن تبعهم أناس بإتقان هذه القراءات وتعليمها لغيرهم، فنسبت إليهم، وسموا أئمتها وإن كانت متواترة بين المسلمين في جميع البلاد، وهؤلاء هم عبد الله بن كثير بمكة، وعبد الله بن عامر بالشام، وعاصم بالكوفة، وكذلك حمزة والكسائي ونافع بالمدينة، وأبو عمرو بن العلاء بالبصرة وفيهم الثلاثة الأول تابعيون، بقي المصحف غير منقوط ولا مشكول إلى أن كثرت الأعاجم واختلطت بالعرب، ففشا فيهم اللحن حتى اضطروا إلى ضبطه، فكان أول من وضع عليه الضبط أبو الأسود الدؤلي في أوائل حكم بني أمية، وكان ضبطه أن يضع نقطة فوق الحرف إن كان مفتوحًا، وتحته إن كان مكسورًا، وبجانبه إن كان مضمومًا، واستمرت الحال على ذلك إلى زمن الخليل ابن أحمد النحوي المشهور، فوضع للمصحف شكلاً آخر، كان أساسًا للشكل الحالي الذي جرى عليه المتأخرون، وكانت وفاة الخليل هذا سنة 170 للهجرة. أخذت طرق كتابة المصاحف تتحسن شيئًا فشيئًا إلى أن اخترعت المطابع، فطبع أول مصحف في مدينة همبورغ بألمانيا سنة 1694 للميلاد، أي في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وبعد ذلك انتشرت المصاحف المطبوعة في العالم، وحلت محل المنسوخة باليد، وقد أخذوا الآن يرسمونها بواسطة المصورات الشمسية (الآلات الفتوغرافية) ، وهكذا حفظ الله تعالى كتابه حتى وصل إلينا بدون تحريف ولا تبديل. وكان المصحف في جميع هذه الأطوار المختلفة التي وصفناها لك مهيمنا عليه بآلاف الألوف من الحفظة في جميع البقاع الإسلامية، ولا تزال الحال كذلك إلى عصرنا هذا مع ضعف المسلمين وتأخرهم. ومن عجيب عناية الله بهذا الكتاب المجيد أن قيض لنا اليوم في مصر؛ من يحثنا من غير أهل ديننا ومن غير جنسنا على تعميم الكتاتيب في جميع الأقاليم، من بعد أن ظننا أن زمن الحفظة انقضى أو كاد ينقضي من بيننا، فأجيب دعاء الداعي إلى ذلك، وانتشرت الكتاتيب في البلاد، وكثرت الحفاظ مرة أخرى، وتجدد عندنا ألوف من الأطفال يحفظونه كله في صدورهم فضلاً عن الرجال والشيوخ. نظرنا في هذا الكتاب المتواتر عن صاحبه نظرة، فأيقنا بسببه بدون نظر إلى أي شيء سواه مِن صِدقه عليه السلام في دعواه، وأنه مبلغ عن الله (راجع مقالنا الدين في نظر العقل الصحيح) ، ثم وجدنا فيه أن الله يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) فعلمنا أن كل رواية يفهم منها أن القرآن ضاع منه شيء لابد أن تكون موضوعة مدسوسة، وإن لم يتضح هذا الأمر من سندها؛ لأنها تنافي ذلك القول المتواتر عن النبي الصادق. على أن جميع هذه الروايات منقولة عن الآحاد، وقد اتضح كذب كثير من رواتها وهي أيضًا معارضة بأمثالها؛ كالذي روي عن ابن عباس رضي الله عنه في صحيح البخاري أنه قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين) وناهيك بابن عباس ثقة في هذا الموضوع، وقد أجمع المحققون من المسلمين أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، فما زعم الآحاد أنه كان قرآنًا وضاع أو نسخ لا يقبل منهم (راجع مقالتنا في الناسخ والمنسوخ) ، فقد وجد بين الرواة من هو ضعيف الفهم أو سخيف الرأي أو كذوب يريد تشكيك المسلمين في دينهم، أو يريد أن يؤيد دعوى أو مذهبًا له بأمثال هذه الروايات، ولكن العقلاء لا يقبلونها لئلا يؤديهم ذلك إلى رفض المتواتر، فيكونوا ممن يرجح الدلالة الظنية على الدلالة المقطوع بها، ومن كان كذلك كان من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. بقي عليّ نقطة واحدة في هذا الموضوع، لا بد لي من الكلام عليها قبل الانتهاء منه؛ وهي دعوى بعض الجهلة الغافلين أن في القرآن لحنًا، ويذكرون من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة: 69) ، وقوله: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (النساء: 162) ؛ لأن مقتضى الظاهر نصب (الصابئين) ورفع (المقيمين الصلاة) طبقًا لقواعد النحو المعروفة، وما مثلهم في هذه الدعوى إلا كمثل تلميذ في مكتب سمع من أستاذه بعض نظريات يفسر بها ظواهر وجودية طبيعية، فظن أنه عرف كل شيء، وأن أستاذه لا تخفى عليه خافية، وبعد ذلك رأى في الوجود شيئًا يخالف ما وضعه له المعلم من القواعد، فصاح قائلا: الطبيعة أخطأت، النظام اختل، الكون فسد لأنه خالف قواعد أستاذي. وما درى أن عقله في الحقيقة هو الذي اختل وفسد، فكذلك شأن هؤلاء القوم. القرآن ينبوع الفصاحة والبلاغة وحجة اللغة الناهضة، وهو أساس ما وضع من القواعد النحوية بعده، فلا يليق أن نلزمه بالجري عليها، وأن نجعلها أصلاً له ونحكم بخطئه إذا هو خالفها، بل الواجب إذا لم ينطبق شيء منه على بعضها؛ أن تعلم أنها معيبة أو أنها غير وافية بالغرض في بعض المسائل؛ لعدم إحكام وضعها هذا إذا لم يمكنا التطبيق. وما من لغة إلا وفى أشهر كتبها القديمة وأبلغها ما يخالف ما وضع من القواعد فيما بعد، حتى يضطر الواضعون إلى استثنائه أو تطبيقه عليها بوجه ما، وكذلك فعل علماء اللغة العربية في أمثال هذه الآيات، حتى أجروها على قواعدهم كما هو مبين في التفاسير، ولا حاجة بنا لنقل ذلك هنا لعدم أهميته. فإن قيل: نحن لا نقول: إن هذا الخطأ كان في أصل القرآن، وإنما هو من نساخ المصاحف في زمن عثمان، قلنا: إن هؤلاء النساخ كانوا من الفصحاء اللدّ، فكيف يقعون في هذا الخطأ، ويتفقون عليه في جميع المصاحف التي كتبوها وأرسلوها إلى الأقطار الإسلامية؛ بحيث لا يوجد مصحف واحد خاليًا من الغلط في هذه الآيات بعينها؟ وكيف تتفق الحفظة في جميع الأزمنة على قراءة هذه الألفاظ المتنازع فيها كما كتبت في المصاحف؛ مع العلم بأن القراء إنما يتلقون قراءتهم عمن قبلهم بقطع النظر عن مرسوم الخط وعما وضع من القواعد النحوية، وقد توارثوا هذه القراءات بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وجود مصاحف عثمان، كما بينا ذلك فيما سبق؟ ومن علم عناية المسلمين بالتجويد وضبط القراءات وأحكام نطق اللهجات المختلفة، وأنهم لا يأخذون ذلك من الكتب بل بسماع من أتقنها ممن تقدمهم، علم فساد أمثال تلك الانتقادات الباردة وسقوطها. وصفوة المقال أن القرآن وصل إلينا بدون تحريف حرف واحد منه أو تبديله فهو مكتوب اليوم كما كتبه الصحابة أنفسهم، مقروء كما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعرف كتابًا آخر في الدنيا بلغت العناية به من أهله مبلغها بالقرآن، فإن الكتب الأخرى التي نعرفها، لا يخلو كتاب منها من الوصمات الآتية كلها أو بعضها (1) أنها لم تكتب في زمن الآتي بها أو لم يعرف باليقين من هو. (2) لم تحفظ في الصدور لا من العامة ولا من الخاصة. (3) لم تكن نسخها كثيرة، وفي أغلب الأزمنة القديمة لم تكن في أيدي العامة. (4) رواها الآحاد، واختلفت روايتهم. (5) فقدت وانقطع سندها؛ إما بسبب الارتداد العام من أصحابها، أو بسبب الاضطهادات الشديدة، وقصد الأعداء إبادتها وإحراقها. (6) وجد أمثالها معارضًا لها، وكثير منها لا يرجح عليها بزيادة في قوة إسناده. (7) وجود بعض فقرات فيها تدل على بطلان النسبة إلى من نسب إليه الكتاب. (8) مملوءة بخلط النساخ. (9) مملوءة بالتناقض والزيادة والنقصان والتبديل. (10) وجود اختلافات بين نسخها قديمًا وحديثًا. (11) اختلاف الطوائف في قبول بعضها أو رفضه، بل اختلاف الطائفة الواحدة في قبول بعض الكتب أو ترجمتها في بعض الأزمنة ورفضها في الأخرى. (12) وجود ما يقطع بعدم صحته فيها، والغلطات التاريخية والعلمية وغيرها، واشتمالها على ما ينافي الآداب ويفسد الأخلاق. (13) وجود كثير من اللغو فيها وما لا فائدة فيه، وما يناقض البراهين العقلية القطعية. (14) وجودها منذ أزمنة بعيدة وخلو أهلها إذ ذاك من العلم والتحقيق والتمحيص. (15) مناداة مخالفيهم في الأعصر الأولى بأنهم يحرفون كتبهم ويبدلونها ويغيرونها، كما جاهر بذلك (سكسوس) الفيلسوف الشهير. فهذه خمسة عشر وجهًا مما تنتقد به تلك الكتب، وجميعها يتنزه عنها القرآن الشريف. وقد ذكرت عدة من شواهدها بالإيجاز في رسالتي التي نشرت سابقًا في المنار. ومن أراد الإيضاح فعليه بالكتب المؤلفة في هذا الشأن إسلامية كانت أو غيرها عربية أو إفرنجية، والسلام على من اتبع الهدى. (المنار) ذكرتنا هذه المقالة بكتاب تاريخ القرآن والمصاحف الذي يؤلفه صاحبنا موسى أفندي جار الله الروسي، وإننا وعدنا عند ذكره في آخر جزء من السنة الثامنة بالعودة إلى تقريظه، وكنا نسينا الكتاب والوعد، وقد أوضح مسألة جمع القرآن، وأطال في بيان حفظه وعدم ضياع شيء منه، وسننقل منه ذلك في الجزء الآتي.

(2)

مجلة المنار، المجلد 10، ربيع الأول، 1325.

هذا ما وعدنا بنشره مما كتبه صاحبنا موسى أفندي جار الله الروسي قال: (قال العلماء: أول ما نزل من القرآن {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} (العلق: 1-4) ولم ينزل بعده شيء إلى ثلاث سنوات (وتسمى هذه السنوات زمن فترة الوحي) ، ثم أخذ القرآن ينزل في تضاعيف عشرين سنة {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (الإسراء: 106) ، {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} (الفرقان: 32) ، فمنه ما نزل مفرقًا وهو غالب القرآن، ومنه ما نزل جمعًا كالفاتحة، والإخلاص والكوثر وأغلب الأنعام. وكلما نزل عليه صلى الله عليه وسلم آية أو سورة وسري عنه، كان يُقرئ الصحابة ما نزل ويستحفظهم فيحفظونه على الفور عن ظهر قلب، ويعتنون بذلك تمام الاعتناء؛ لأن الحفظ الحرفي في عصر الرسالة وزمن النزول كان من أعظم العبادات وأقرب القرب، وكانوا إذا حفظوا آية من النبي – عليه السلام – يترددون عليه غير مرة؛ ويتلونها أمامه حتى يزداد تثبتهم من حفظها وأدائها، ويسألونه هل حُفظت كما أنزلت حتى يقرهم عليها، وبعد إتقان الحفظ والتثبت في تمام الضبط، أخذ كل واحد منهم ينشر ما حفظ: كانوا يعلِّمونه للأولاد، والصبيان، وللذين لم يشهدوا النزول ساعة الوحي من أهل مكة والمدينة، ومن حولهم من الناس، فلا يمضي يوم أو يومان إلا وما نزل محفوظ في صدور جماعة غير محصورين، وقد عين جماعة عظيمة من الصحابة على حفظ القرآن وإقرائه، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلى المدينة قبل الهجرة جماعة من حفظة الصحابة؛ يعلمون القرآن لأهل المدينة وأولادها، وكان الرجل إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي- عليه السلام -إلى رجل من أولئك الحفظة يعلمه القرآن، ولما فتح مكة ترك فيها معاذ بن جبل لذلك. وكان من أكابر الصحابة – وهم ألوف- من يعتني بتعرف فقه القرآن ومعانيه وإتقانه حفظًا وكتابة. كانوا لا يأكلون نهارهم، ولا ينامون ليلهم باهتمامهم واشتغالهم بضبط الآيات وحروفها ووجوهها، وكان بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم صيحة وزجل بتلاوة القرآن، وكان النبي يسمع إلى الملأ منهم، ويحمد الله على أن جعل في أمته أمثالهم. وبمثل هذا الاهتمام التام لإتقان القرآن في صدر الإسلام، حفظه ألوف من الصحابة في تضاعيف عشرين سنة . وحيث إن القرآن كان ينزل مفرقًا منجمًا، ويحفظه الذين يعتنون به على مهل ومكث في تضاعيف سنوات كثيرة، وذلك أعون في الحفظ وأيسر للذكر. وأكثر من حفظه كان شرع في حفظه من صباه، وزد عليه ما كان للنبي – عليه السلام – المعصوم من نسيان القرآن، من كمال الاعتناء والاهتمام بالترغيب في حفظه، والأمر بتعاهده، فكل من تأمل أدنى تأمل، يتبين ويقطع أن القرآن قد حُفِظ في الصدور بتمام الإتقان وأرسخ الحفظ وأتم الضبط وكامل البيان، وقد نطقت الأحاديث، ودلت الآثار على أن النبي- عليه السلام – كان يوقف أصحابه على ترتيب آيات السور، ويعلِّمهم مواضعها من السورة نصًّا، وكان يقرأ السورة في الصلوات وغيرها، ويسمعونه فيعرفون من ذلك ترتيب الآيات، فالصحابة ضبطت عنه عليه السلام ترتيب آي كل سورة ومواضعها، كما ضبطت عنه نفس الآيات وتلاوتها. وكانت السورة مرتبة لحديث أحمد وأبي داود في تحزيب القرآن، وحديث (واثلة) في إعطاء السبع الطوال والمئين والمثاني؛ بدل الكتب الثلاثة السماوية والتفضيل بالحواميم والمفصل، والأحاديث تدل على أن النبي- صلى الله عليه وسلم – كان يختم القرآن وأن الصحابة كانوا يختمون عنده عدة ختمات، وكل ذلك يدل دلالة واضحة على أن القرآن كان محفوظًا في صدور ألوف من الصحابة، مجموعًا مرتبًا على ترتيب معلوم عند كل واحد منهم. قال معاذ: عرضنا القرآن على النبي عليه السلام- فلم يعب منا أحدا. وكان للنبي عليه السلام كَتَبة؛ يكتبون فورًا كل ما نزل إليه على الصحائف والقراطيس من الرقوق والأوراق غالبًا، وعلى الألواح وعسب النخل أحيانًا. كان النبي -عليه السلام- يملي عليهم مباشرة، بقول: إن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا. وكان كتابة ما نزل من القرآن ملتزمة منهم. حتى زمن الاختفاء في أوائل الإسلام، إذ كان المسلمون يتدارسون القرآن من الصحائف في البيوت، وكان المشركون يدعون الدراسة إذ ذاك الهينمة [1] من شواهد حديث عمر قبل إسلامه مع أخته وختنه. وكانت العرب تكتب كل شيء نفيس أو مهم عندهم، كالأشعار الفصيحة، والخطب البليغة من شواهد ذلك القصائد المعلقة، والصحيفة التي أكلتها الأرضة. وكان كثير من الصحابة لهم علم بالقلم، وكان أنس بن مالك يقول: هذه أحاديث سمعتها من رسول الله وكتبتها وعرضتها، وكثير من هؤلاء كانوا يكتبون في الصحائف كل آية حفظوها، ويعرضونها على النبي -عليه السلام – وعين من هؤلاء جماعة على كتابة الوحي، كانوا متمكنين من الكتابة باللسان العربي كل التمكن كعلي وعثمان وعمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وأنس بن مالك وعبد الله ابن سلام وغيرهم. فكان النبي يملي عليهم مباشرة؛ فيكتبون ما نزل بحضرته، ويعرضون عليه مرة بعد أخرى حتى يقرهم. بهذا الكيفية كتب القرآن من أوله إلى آخره في حياة الرسول على صحائف وقراطيس متفرقة، وكانت هذه الصحائف والقراطيس أغلى عندهم من أنفسهم، وأنفس من كل نفيس، وأحب إليهم من كل حبيب جليس. يدل عليه أحاديث رويناها في تنافسهم في حفظ هذه الصحائف والقراطيس، وفي حبهم التبرك بها أحيانًا في المجالس. وكل ما ذكرته عن شأن حفظ القرآن في الصدور، وما أجملته بعد ذلك في كيفية جمعه في الصحائف وأثبته في السطور، يدل دلالة قطعية باهرة على أن القرآن زمن النبي -عليه السلام -كان مجموعًا مرتبًا على ترتيب معلوم؛ محفوظًا في الصدور مكتوبا على ترتيب الحفظ في السطور والأحاديث متضافرة متساعدة في ذلك. ولأن إهمال الحفظ والكتابة والترتيب من النبي، ومن ألوف مؤلفة من الصحابة الذين يتيقنون أن السبب في عزهم وسعادتهم هو القرآن، وأنه هو أساس دينهم وشريعتهم، وأنه هو الذي يقربهم إلى الله -عز وجل – والذين كانوا يبذلون جميع ما يستطيعون وما يتصوره العقل في سبيل حفظه كما أنزل مصونًا عن أدنى شائبة – الإهمال من مثل هؤلاء شيء محال لا ريب فيه. ثم توفي رسول الله يوم أكمل الله لنا ديننا ورضي لنا الإسلام دينا، والإسلام قد ظهر في جميع جزيرة العرب؛ وفيها مدن وقرى كثيرة كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي وبلاد مضر وربيعة وقضاعة والطائف ومكة كلهم قد أسلم، وبنوا المساجد ليس فيها مدينة ولا قرية ولا حلة أعراب إلا وقد قرئ فيها القرآن في الصلوات، وعلمه الصبيان والنساء وكتب. ومات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون كذلك؛ ليس بينهم اختلاف في شيء أصلا، كلهم أمة واحدة، ودين واحد، ومقالة واحدة، ثم تولى الأمر أبو بكر سنتين وستة أشهر فغزا فارس والروم وفتح اليمامة وزادت قراءة الناس القرآن، وجمع الناس المصاحف جمعًا مبتدأ، كأُبيّ وعمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود وسالم. ولم يكن بين المسلمين اختلاف في شيء زمن خلافته، وما كان من ظهور الأسود العنسي في صنعاء ومسيلمة باليمامة وانقسام العرب أربعة أقسام: طائفة ثابتة على الطاعة، وطائفة مانعة للزكاة، وطائفة معلنة بالردة، وطائفة متوقفة متربصة لمن تكون الغلبة. فقد أَخرَج إليهم أبو بكر البعوث، وجهز إليهم عصابة من المسلمين فقتل الأسود ومسيلمة، ولم يمض عام واحد حتى راجع الجميع الإسلام، فلم تكن هذه الفتن إلا كنار اشتعلت فانطفأت للساعة. فبعد أن سكنت هذه الفتن، أحس عمر الفاروق بضرورة جمع القرآن في كتاب واحد؛ على مشهد من جميع الصحابة وملأ من الحفظة والكتبة، ولما استقر رأي أبي بكر وعمر على ذلك، أحضرا زيد بن ثابت، وأبديا له ما عزماه. واستعظم زيد ذلك أولا، واستسهل نقل الجبل، شأن كل مقتدر على عظام الأمور، يقدر الأمر حق قدره، محتاط عاقل، لا يغفل عما يلزم عليه في القيام بأعظم المصالح عن كمال الاقتدار، وواجب الاحتياط، وعظيم التثبت، وبالغ الجد والاجتهاد، ووفور السعي، غير مغتر بما له من الخصال، وإن كان فردًا مفردًا فائقًا على أقرانه وأهل عصره. ووافق أخيراً فعزم على ما عزما عليه. والإنسان مهما بلغ فى الاقتدار وعلو الهمة، قد يكون إذا وقع عليه أمر عظيم وعزمه وتصوره من جميع وجوهه؛ غير غافل عن وسائل تحصيله وأسباب الوصول إليه يعتريه طبعًا نوع من التردد وشيء يشبه التوقف. لكنه لا يلبث فيزول، ويمضي العازم على عزمه، وجمع أبو بكر الحفظة المشهود لهم بالضبط والإتقان. وكان أهمهم زيد وأبي بن كعب وعثمان وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن السائب وخالد بن الوليد وطلحة وسعد وحذيفة وسالم وأبو هريرة وعبادة بن الصامت أبوزيد وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص واجتمعوا برياسة زيد بن ثابت في منزل عمر ليتشاوروا في كيفية جمعه وتخصيص أعمال كل واحد منهم. ثم أخذوا يوالون اجتماعاتهم في مسجد المدينة؛ لكتابة القرآن. وكلهم كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، وكانوا قد اعتنوا قبل بكتابته جملة مرار من ذاكرتهم ليتحققوا من ضبطهم له وحفظهم إياه، وجاء من كان كتب مصحفًا بمصحفه، وأحضروا كل الصحائف والقراطيس التي كتبوا فيها القرآن بحضرة النبي -عليه السلام – وإملائه، وعهدوا إلى بلال أن ينادي بأنحاء المدينة، أن من كانت عنده قطعة عليها شيء من القرآن، فليأت بها إلى الجامع، وليسلمها إلى الكتبة المجتمعين لجمع القرآن على مشهد الصحابة، وجيء بعدد كثير من القطع، وما كانوا يقبلون قطعة حتى يتحققوا أنها كتبت بين يدي النبى وحضرته؛ إذ كان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يديه، وما كانوا يفعلون ذلك إلا مبالغة في الاحتياط، ومغالاة في التحفظ، وإيغالا في الضبط. وكانوا يقابلون القطع بعضها ببعض لئلا يبقى مجال شك في تمام الضبط. وكتب القرآن زيد بن ثابت جميعه. قال زيد: حتى وصلنا إلى آية {لَقَدْ جَاءَكُمْ} (التوبة: 128) من سورة التوبة ففقدناها، وفتشناها لنجدها مكتوبة ثم وجدناها مكتوبة عند أبي خزيمة ابن أوس بن زيد الأنصاري. وقال زيد: حتى وصلنا إلى سورة الأحزاب، ففقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها لنجدها مكتوبة، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} (الأحزاب: 23) فألحقناها في سورتها في المصحف وتم جمعه. وجمع عمر جميع الحفظة والصحابة وقرأه عليه. ولم يقع من أحد منهم اعتراض حين العرض، ولم يسمع ولم يظهر بعد أيضا. وبعد إجماع أكابر الصحابة على هذا الترتيب في هذا المصحف، لا يمكن أن يقال أنهم رتبوا ترتيبًا سمعوا النبي -عليه السلام -يقرأه على خلافه. وإجماعهم على هذا الترتيب وإقرارهم عليه بلا خلاف من أحد منهم؛ أقوى برهان على أنهم وجدوا ما أفادهم علمًا لا يدع عندهم ريبا. فتقرر أمر القرآن تقريرًا قطعيًّا في هذا المصحف. وكان ذلك أعظم فرض قام به سلفنا الصحابة، وأهم شيء حدث في الإسلام، وأفضل مَنّ لهم علينا إلى يوم القيامة وتوفي أبو بكر وهو أعظم الناس أجرًا في المصاحف، وتولي الأمر بعده عمر ففتحت بلاد الفرس طولاً وعرضا، وفتحت الشام كلها، والجزيرة ومصر كلها، ولم يبق بلد إلا وبنيت فيه المساجد، ونسخت فيه المصاحف، وقرأ الأئمة القرآن وعلمه الصبيان في المكاتب شرقًا وغربًا، بقي كذلك عشرة أعوام وأشهرا والمسلمون لا اختلاف بينهم في شيء، ملة واحدة ومقالة واحدة. والمسلمون إذ مات عمر، وإن لم يكن عندهم زيادة على مائة ألف مصحف من مصر إلى العراق إلى الشام إلى اليمن فما بين ذلك، فلم يكن أقل من ذلك؛ لأن الخليفة عمر الذي كان يموت همًّا بأمر المسلمين؛ والذي حفر الخليج بعد عام الرمادة فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام لأجل المدينة ومكة وما بينهما، خليفة هذا شأنه، لم يكن ليترك بلدًا فتحها ومدينة وقرية تولى أمرها بلا مصحف يقرأ فيه أهلها.

(3)

مجلة المنار، المجلد 10، ربيع الآخر، 1325.

ثم أصيب الإسلام بموت عمر، وولي عثمان فزادت الفتوح واتسع الأمر، وسعى الساعون في إيقاع الخلاف بنشر الاختلاف، فدعت الحال إلى نشر المصاحف المكتوبة على مشهد من الصحابة عظيم، فجمع الصحابة، وكانت عدتهم يومئذ بالمدينة تزيد على اثني عشر ألفًا، فطلب المصحف من حفصة أم المؤمنين، وأحضر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فكتبوا خمسة مصاحف من غير تغيير ولا تبديل، عما كان عليه المصحف الذي كتبه زيد بأمر أبي بكر. وما ورد عن عثمان في الأنفال وبراءة فإبداء عما كان يراه قبل من أنهما سورة واحدة؛ إذ لم يقف على بيان من النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد شهد عثمان النسخ الأول، وقد وقع الإجماع فيه على هذا الترتيب، ولم يبد عثمان خلافًا فيه، ولو كان له رأي يراه لوجب عليه أن يظهره، وما جرى بين عبد الله بن عباس وبين عثمان من سؤال وجواب فحكاية لما كان يراه عثمان قبل. وعين زيدًا أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن قيس مع البصري، وقرأ كل مصر بما في مصحفه على هؤلاء الصحابة، ونسخوا من هذه المصاحف الخمسة مصاحف لا يحصى عددها، فلم يبق في الإمكان كيد الكائدين، ولا وهم الواهمين. بقي عثمان كذلك اثني عشر عامًا، حتى مات، وبموته حصل الاختلاف، وابتدأ أمر الروافض. ثم تولى الأمر عليّ وملك، وبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعًا غالب الأمر، ساكنًا بالكوفة، والقرآن يقرأ في المساجد في كل مكان، وهو يؤم به الناس، والمصاحف معه وبين يديه، ثم بعده ابنه الحسن. وكان علي يثني ثناءً على أبي بكر وعثمان فيما فعلا في المصاحف. ولو كان وقع من أبي بكر وعثمان تغيير في شيء بنقص أو زيادة (ولا يمكن ذلك؛ لامتناع تواطؤ الكثير المتفرق على التغيير في شيء، فلو وقع من أحد لظهر ولافتضح المرتكب من ساعته) ، لما قدر على مذلة التحمل والصبر عليه بعدما تولى الأمر، وهو الذي قاتل أهل الشام في رأي يسير رآه، ورأوا خلافه. وعلي شهد النسخين، ورأس في كلا الوقتين:

غالب القول فيصلا في القضايا نافذ الرأي حائزا للجلايا

فلا يمكن أن أبا بكر وعثمان قد أسقطا بعض ما نزل في أهل البيت. ولم يكن أبو بكر وعثمان إلا كغيرهما من الصحابة في شأن جمع القرآن. ولو كان نزل شيء في أهل البيت؛ لتواتر كسائر الآيات، وكَتْم ما شاع وذاع أمر محال لا يستطاع [1] . وعلماء الإمامية – رحمهم الله تعالى – أَجَلّ من أن يقولوا: قد وقع نقص في القرآن بمكر أبي بكر أو أمر عثمان. والشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه، والسيد المرتضى علم الهدى ذو المجد أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، والقاضي نور الله في مصائب النواصب، والإمام الطبرسي في مجمع البيان، هؤلاء أعلم علماء الإمامية وأعلام أمتنا الإسلامية، قد قالوا بامتناع وقوع التغيير في القرآن، وقالوا: إن العلم بتفاصيل القرآن وأبعاضه كالعلم بكله وجملته. فمن رام في إسقاط بعض آيات نزلت، فليسع أولاً في رفع كل القرآن، وكتم أخبار انتشرت. وما نقل عن بعض علماء الشيعة من سقوط بعض آيات نزلت، فلا أرى أن ذلك كان رأيًا لهم يرونه، إنما ذلك من جملة بقايا أخبار كانت تنشر من عند الذين يحبون أن تشيع الفاحشة والفتنة في المسلمين، ومن عند الذين يبغون خبالاً ويسعون فسادًا في الدين. وقد كانت مثل هذه الأخبار أنفع وسيلة في الحصول على أغراضهم السياسية ففازوا فوزًا عظيمًا في دعوتهم، ونالوا فوق ما أملوا في كسر شوكة الأمة الإسلامية وتفريق وحدتهم وقد دس هؤلاء من أباطيل الأخبار شيئًا كثيرًا في الدين، قد تلقاه واغتَّر به قوم من أهل الخير؛ فأدخلوه في دواوين الأحاديث والأخبار، وأسفار السنن والآثار. وقد مَنَّ الله علينا؛ إذ جعل فينا رجالاً عدولاً ميزوا سنن نبينا عن موضوعات الأخبار، وأكاذيب الآثار، فسقونا من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين. هذا وكل ما ذكرته من تاريخ القرآن والمصاحف فهو حق؛ لأن الأمر كان ووقع كذلك، ومن ادعى انتصاف الشمس في النهار، فإنما عليه أن يشير إلى ما هنالك، ومن خالف فلا يعتد به، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم نقلوا أخبارًا ظنوا صحتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته، وإلى قوم أتوا بأقوال لا يقوم لها من عالم الشهود شاهد، ولو أننا سلكنا مسلكهم، واستجزنا التدليس على أنفسنا، وارتكبنا ما لم يرتكب سلفنا؛ لأتينا بما يبلس به خصومنا أسفًا لكن يكفينا في بيان الحق أن نأتي بما كان، وليس من شأن العاقل أن يتمسك بما بَعُد عن الحق وبان. وحيث وَفَّينا الموضوع بعون الله – تعالى – بما استطعنا من البيان. وكان ذلك خير ما جنينا، وخيار ما اقتطفنا من حدائق الأعيان، رأينا من واجب الإحسان علينا أن نأتي بما يدل على امتناع وقوع التحريف في القرآن. ونحن الآن نأخذ بحول الله وقوته في إجمال ما فصله العلماء في ذلك، وأن نجمع ونلتقط ما انتشر في صحائف الدواوين من هنا وههنا وهنالك. البرهان الأول: أن النبي- صلى الله عليه وسلم – انتقل والصحابة ألوف مؤلفة ما منهم أحد إلا وهو يحفظ قسطًا وافرًا من القرآن، وفيهم مئات يحفظونه كله بتمام الضبط والإتقان عن ظهر قلب. ثم إن الكثير منهم تشتتوا إثْر ذلك في الأقاليم وانتشروا في الأقطار؛ استيطانا بمواطنهم الأصلية، أو تعينًا لعمل من الأعمال الملكية والدينية. ثم نسخت المصاحف ووصلت إلى هذه الأعداد الكثيرة في المدن والبلاد، فلو كان وقع تغيير في كلمة أو تحريف في حرف؛ لظهر ولثارت الأمة، وهاجت الخواطر على جامعي المصاحف، وقاتلوهم قتالا، ولارتد كثير من الناس؛ لأن اندساس أقل تغيير فيه بجهل العباد، أو وقوع تصرف فيه الأفكار وكيد أهل الفساد، يقضي بأنه غير منزل من عند الله – سبحانه وتعالى – لكنا لم نسمع أن أحدًا من مسلم وغيره عارض في شيء من القرآن، وادّعى ذلك فيه. ولو وقع حبة تغيير فيه في العصر الأول، لوقع تغييرات في العصور الأخيرة، على سنن قانون الطبيعة في النمو. لكنَّ القرآن قضى من أجله ثلاثة عشر قرنًا وزيادة، وملأت المصاحف وجه الأرض وطباقها، ولم يوجد مصحف يختلف عن الآخر بحرف واحد. البرهان الثاني: أن القرآن أكبر دلائل النبوة به ظهر الدين وعز شوكة المسلمين، هو آية ظلت أعناق الجبابرة لها خاضعين، فأذعنوا له بخفض الجناح طائعين لأوامره، عاملين بأحكامه. فلا يمكن أن يُرضِي الأمة تحريفُ شيء منه، ولو كان دونه بذل المُهج والنفوس. البرهان الثالث: من أَلَمَّ بتاريخ الصحابة، ونظر نظرة في صحاح الأحاديث يعلم أتم العلم ما كانت عليه الصحابة من غاية الاعتناء، ونهاية الاهتمام في حفظ القرآن وضبطه، حتى مقادير المدات، وتفاوت الإمالات، ويعرف ما لهم من مزيد العناية في ضبط الأحاديث، والرواية حفظًا وكتابة، ومن وفور الاحتياط، وعظيم التثبت عند أدائها، وتبليغها للأمة. والعقل يحكم طوعًا بالقطع، وضرورة باليقين أن الجم الغفير والجمع الكثير الذين أخذوا القرآن تلقيًا عنه عليه السلام في تضاعيف عشرين سنة، وضبطوه حفظًا في الصدور، وثبتًا في الصحائف والسطور، لا يجوز عليهم التخليط فيه ولا التغيير. وشِعْرُ الأقدمين مع أنه لا يمكن أن يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا أن يضبط مثل ضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه مساسها للقرآن، لو زيد فيه بيت أو لفظ، أو غُيِّر فيه حرف أو حركة، لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه، وطعن فيه عارفوه، وجحده راووه. وقد شوهد ذلك في كثير من الأشعار والخطب والأراجيز، يعرفه من يعتني بلغة العرب ورواياتها. فإذا كان ذلك مما لا يمكن في شعر الأقدمين. فكيف يجوز وقوعه في القرآن مع العناية الصادقة، والضبط المتقن، والعلم بأنه دليل النبوة، ونور الشريعة، وملجأ الأمة؟ البرهان الرابع: أن العلم بالقرآن كله وجملته فاق في الوضوح والاشتهار أشهر المتواترات من كبار الحوادث، وعظائم الوقائع، ومهمات الأمور، وحواضر الأحوال، والعلم بآيات القرآن، وسوره، وتفاصيله، وأبعاضه، عند حفاظه ورواته في العصر الأول، كالعلم به كله وجملته: فإن العناية إذ ذاك توفرت، والدواعي اشتدت، والقرائح انبعثت إلى حفظه الراسخ، وضبطه المتقن، والغايات تباينت، والأغراض اختلفت: فمنهم من يضبطه لإتقان قراءته ومعرفة وجوهها وصحة أدائها. ومنهم من يحفظه لاستنباط الأحكام وبيان تعاليم الإسلام، ومنهم من يقصد بحفظه معرفة تفسيره ومعانيه، والوقوف على غامضه وغرائبه. ومنهم من يعجبه بالغ فصاحته، وفائق بلاغته، ورائق أسلوبه، وشائق نظمه، وعجيب تأليفه. ومنهم من يحفظه استلذاذًا بتلاوته واستحبابًا في كرامته، وتقربًا بقراءته، وتعبدًا بدراسته، ومنهم من يحفظه لمجرد التشرف بشرف حمله، والقيام بواجب أدائه وتعليمه وهو الأغلب. فبالضرورة لا يمكن على أهل هذه الهمم العالية، والأغراض المتفاوتة،والغايات المتباينة، مع كثرة أعدادهم وتباعد بلادهم أن يجتمعوا على التحريف والتغيير، ويتواضعوا على التبديل. البرهان الخامس: لا يخفى على الخبير بعلوم القرآن وطرقه الثابتة؛ أنه لم يَنْقَضِ عصر الرسالة إلا وتتابع التابعون، وأخذوا عن الصحابة مباشرة، وقل فيهم من لا يحفظ كل القرآن. وكان الرجل لا يكون عظيمًا في الأعين، ولا يعد صاحب حديث ما لم يحفظ عشرات آلاف من الحديث. فتتبعوا حفظه الصحابة في كل زمان ومكان، فما بلغهم أن صحابيًّا كذا، يحفظ آية كذا، بلغة كذا من اللغات التي نزل بها القرآن – وسأبين معنى اللغات والأحرف في القرآن، بما لا أظن أن الحق يتعداه إن شاء الله – إلا ارتحلوا إليه وتلقوا عنه، حتى جمعوا القراءات التي قرئ بها القرآن بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم -، ثم جاء قرن كان حفظ القرآن عندهم، كأنه أمر لازم، وكأن أقطار حوافظهم قد امتدت، ودوائر إحاطتهم قد اتسعت. فكثر فيهم من يحفظ مئات ألوف من الحديث، ومن يحفظ أشعار الجاهلية، وأيام العرب، وخطبها، وأمثالها، وأراجيزها، ما لا تسعها ضخام الأسفار، كانوا يحفظون كل ذلك؛ لأجل القرآن وعلومه، فوضعوا علوم الرسوم والتجويد والقراءات، وعلوم الدين وكل مبادئها. وكان من أساس دينهم في الله تشديد النكير على البدع، وشدة الاعتصام بالسنة الثابتة، والمحافظة على ما ورد، والوقوف عند حد أمر ثبت. وما مضى قرن إلا وجاء الذي بعده محققًا باحثًا في علوم القرآن، جاريًا على ما جرى عليه سلفه. كل إنسان أحاط بعلوم القرآن خبرًا يعلم أن طرقه ورسمه واختلاف رواياته كلها توقيف، لم يتصرف فيها أحد بشيء. فوقوع التحريف في القرآن من مثل هذه الأمة غير ممكن. البرهان السادس: الصدر الأول كان محاطًا بالأعداء من اليهود وغيرهم. وكانوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا عمومًا وللنبي – عليه السلام – خصوصًا، واقفين له ولقومه بالمرصاد، ناصبين لهم حبائل الفتن، موغرين عليهم صدور الناس. فلو عثروا على أدنى تحريف أو تغيير؛ لشنوا على جامعي المصاحف غارة الفتنة، وشنعوا عليهم في جميع القبائل. ولكان ذلك من أعظم الفرص المساعدة على اتهامهم في نظر الأمة. وأكبر الوسائل المؤدية إلى تفريق الجامعة الإسلامية، وتشتيت كلمتها. كانت مدينة النبي- عليه السلام -غاصة بالمنافقين؛ كان عرفهم بسيماهم، ويعرفهم في لحن أقوالهم، كانوا يحضرون في مجالسه، يسمعون منه، ويقرأون في من قرأ، ويصلون مع من صلى. وهم في كل لحظة، يتوقعون هفوة تصدر منه؛ ليتخذوها ذريعة إلى رد الناس عن الإيمان به، وقد صاحبوا أصحابه بعده، ولم يسمع أن واحدًا منهم قال بتغيير حرف من القرآن، وهم أولى الناس بذلك وأقدرهم على فرض وقوعه؛ لسماعهم الأصل من النبي. وتتابع الفتن المساعدة لهم في طعن الدين بأكبر المطاعن. أمة غربلت أقوال نبيها ونخلتها، وبحثت فيها بحث تدقيق، ونقدتها، وروت من أخبار العصر الأول ما عليها، قبل نقل ما لها. أمة عنايتها بكلام ربها أضعاف عنايتها بأحاديث نبيه. يستحيل عليها أنها عكفت على هذا الدين، وفي القرآن أقل تغيير قاض أنه ليس من عند الله. أمة إذا سمع عالمها بيتًا من الشعر، واستطلع معناه، قال: هذا مأخوذ من قول فلان الجاهلي. أيغيب عنها البحث في القرآن؟ هل وقع فيه تغيير وشيء جديد أو هو باق على ما كان عليه تنزيل من حكيم حميد اهـ.

(20) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment