قيم جامعية مفتقدة، للدكتور عماد عبد اللطيف


الجامعة مصنع الأفكار وساحة تداولها وتعليمها ونقلها للأجيال. وهى مؤسسة تستند إلى تراث من القيم التى تمكنها من أداء مهامها بكفاءة، والترقى بحالها، وحال المجتمع الذى تخدمه. لكن الجامعة، مثل معظم المؤسسات فى بلادنا، تُعانى مشكلة فى القيم التى تُشكل هويتها الأصيلة. فقد غابت بعض القيم، أو تشوهت، وظهرتْ قيم أخرى مخاطرها كارثية على مستقبل الجامعة والوطن ككل. بعض هذه القيم تخص الطالب، وأخرى تخص الأستاذ، وثالثة تخص الإدارة الجامعية، ورابعة تخص المجتمع الحاضن للجامعة، وخامسة تخص النظام العام فى المجتمع ككل.

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=25102017&id=9c666d7a-39b1-4136-9725-37bcefb91224

فى هذا المقال سوف أتحدث عن بعض القيم الأخلاقية التى تخص الأستاذ، أراها مفتقدة إلى حد كبير.
أولى هذه القيم هى قيمة النزاهة، وهى القيمة الأكثر غيابا من الجامعات العربية فى ظنى.
والنزاهة تعنى أن الأستاذ يُشكل رأيه، ومواقفه، وقراراته الأكاديمية، استنادا إلى معطيات موضوعية، عقلانية، عادلة، غير متأثر بهواه الشخصى، أو مصالحه، أو الضغوط التى يمكن أن تُمارس عليه. وقد تأملتُ على مدى عشرين عاما كيف يصنع أساتذة الجامعات قراراتهم.
فوجدتُ بعضهم يميل إلى حيث توجد مصلحته الشخصية الضيقة، مضحيا بكل المبادئ، وكل القيم. ورأيت منْ يميلون مع أهوائهم، فما وافق هواهم ساندوه، وما عارضه عاندوه، ومن يعشقون كلام النفاق المعسول، ويمنحون المنافق ما ليس حقا له، فيحجبونه عن مستحقه الذى يحترم نفسه، ويحفظ كرامته، وأبصرتُ آخرين لا يفعلون إلا ما يرون فيه إرضاء للسلطة، طمعا أو رهبة. بالطبع، هناك نفر قليل من أساتذة الجامعة يتمسكون بقيمة النزاهة الأكاديمية، ويُعلونها على أية مصلحة، أو هوى، أو تحزب؛ وهؤلاء هم من يُعطون للجامعة أملا فى البقاء.

***
ثانية هذه القيم هى قيمة الاتساق، وتعنى أن تكون أفعال المرء مطابقة لأقواله فى السر والعلن. وقد رأيتُ كيف يتشدق بعض الأساتذة بالقيم حتى يظن من يستمع إلى كلامهم أنهم ملائكة تسير على الأرض، فى حين يعلم من يعايشهم أن الفجوة بين القناع والحقيقة فاجعة.
أخيرا كتب أستاذ مرموق عن تردى الوضع فى جامعته، ملقيا اللوم على الطلاب الكسالى، المفتقدين للاستعداد والإرادة، مُظهرا نفسه فى صورة الغيور على مستقبل الجامعة، والوطن، على الرغم من أن من حوله يعلمون أنه يقدم صورة مشوهة للأستاذ الجامعى الذى لا يكترث بطلابه، أو بالجامعة؛ فيتغيب عن معظم محاضراته، ويدرس طلابه ما لا يتصل بموضوع مقررهم، ويوبخهم، ويهينهم، غير مدرك أن الإهانة لا تنقل معرفة، ولا تُكسِب خبرة. ويتحقق الاتساق بين القول والعمل حين يتخذ المجتمع موقفا صارما إزاء غياب مصداقية الكلمات فى كل مجال، وحين يصبح للكلمة احترامها، وتقديرها، ويتوارى الاحتفاء بالكذب، ويُدرك أنه أصل الشرور.
ثالثة هذه القيم هى المروءة. وهى قيمة جامعة لعدد من الصفات؛ منها أن يعف الأستاذ لسانه وقلبه عن الخوض فى أعراض زملائه، فلا يجلدهم بسوط لسانه إن غابوا، ويمدحهم بما ليس فيهم إنْ حضروا. وأنْ يترفع عن الصغائر، ويحفظ لمكانته كرامتها، فلا يُهين نفسه لأجل عرض زائل، وأن يُعين المغلوب على أمره، إنْ استطاع، فإنْ لم يستطع فلا يكون عونا لقاهريه.

***
أخيرا تأتى قيمة التواضع. وأعنى بها أن يُقدر الإنسان نفسه باعتدال؛ فلا يرفع نفسه فوق قدره، ولا يُنزلها أقل من قدرها. ويعنى هذا أيضا أن يعترف الأستاذ دوما أنه عَلِم شيئا وغابتْ عنه أشياء، ويدرك أن الفرق بينه وبين طالب أو زميل أقل إنجازا هو فارق مؤقت، فطالب اليوم هو أستاذ الغد، والزميل الذى لم يُقدم إنجازه بعد، ربما أحدث ثورة معرفية فى المستقبل القريب. إن الحفاظ على قيمة التواضع هو الدواء الناجع لجرثومة الولع بالذات، التى تكاد تبطش بكثير من الأساتذة، فتحولهم إلى ذوات منتفخة، لا تقبل مساسا بها، وتكاد توشك على الانفجار نتيجة الإعجاب القاتل بالذات.

(1) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment