رسالة إلى ماركيز، للدكتور السيد شعبان جادو


أنتظر هنا منذ زمن ليس بالقليل حتى قال ناظر المحطة التي سكنتها فئران الحقول، وفي ليالي الشتاء الطويلة تتقافز فوقها الثعالب البرية: لن يأتي قطار السابعة في موعده، تمنى ألا يراني؛ بدأت أشعر ببطء عقارب الساعة، ثقل الهواء يضرب صدري في غير هوادة؛ ثمة ملل يجتاحني؛ الحياة من حولي فقدت رونقها الذي كنت أراها فيه، قديما كان يرسمون لوحة تتخللها أحلام وردية، بدأت أستجمع ما تسرب من ذكرياتي؛ الأحلام المؤجلة لم يعد الوقت صالحا لتتواجد في واقع يشوبه عراك. نسوة يفوح العطر من بين طيات ثيابهن الوردية، من بين نهودهن تضج نار الرغبة الآثمة، أتمتم بآيات من الذكر الحكيم. أعود إلى صورتي في حافظة نقودي التي احتفظت فيها ببضعة جنيهات ليوم المجاعة المتوقع، يحذرنا العرافون من يومها الذي أوشك أن يدهمنا، التمست مبررا لكل شيء تلبس بي؛ أن أجد طريقي بين هؤلاء الذين تتدلى روابط العنق من رقابهم. أمسكت بالقلم وبدأت في تسويد ورقة بيضاء، ذلك الخطاب الذي ترددت كثيرا في أن أرسل به، لم أهتد إلى عنوانه سأخبره بأنني مصاب بانفصام الشخصية؛ في داخلي يسكن كائن غريب يعشق الورقة والقلم ويكتب قصصا ويحتفون به في وسائل الإعلام، وعلى الجانب الآخر ثمة رجل محني الظهر يسكن أرصفة القطارات ويتقافز كالقرد من قطار لآخر، لايجد ثمن تذكرة السفر. يطارده رجل الشرطة السري؛ يفتشونه كل آونة، في تلك البلاد كل العابرين متهمون؛ الذين يمرون من بوابات المدن المميكنة تترصدهم أعين الأجهزة الممغنطة. تتحرك شارة حمراء ترتفع إلى أعلى، صافرة قطار السابعة الذي تأخر عن موعده ثلاث ساعات يتوالى صراخها الذي يشبه صويت امرأة ثكلى؛ هؤلاء يملأن البلاد فالمرارة تجتاح القلوب؛ أحاول أن أعرف من العم ماركيز كل ما انطوي عليه من أسرار في المائة عام التي احتبس فيها لا تحدثه غير جدته أرسولا؛ لدينا حكائين يفوقونه نتعامى عنهم؛ نجيب وخيري ورضوى؛ كتبت كثيرا خطابات إلى الذين قصوا ذكرياتهم، مرة إلى نزار وثالثة إلى الطيب صالح، لم يواتني أحد منهم برد، تببنت أن هؤلاء قد ارتحلوا منذ زمن، ماذا بقي منهم غير تلك الروايات التي دلسوا علي بها؛ يبحثون عن قاريء يخدعونه؛ هؤلاء يمتلكون خزائن سرية يحتفظون فيها بحكاياتهم؛ قصائد شعر يغازلون فيها الفتيات أو ذلك الطيب الذي سرق حكاية مصطفى سعيد حين كان ضائعا في شوارع وحانات لندن ومن ثم أتى بموسم الهجرة قبل أوانه؛ خدع الصغار والحالمون بعالم وردي فتوافدت قوافل اللاجئين عبر البحار تفترسهم الحيتان ويشرب نخب دمائهم السماسرة. يقيمون حفلات حمراء وأخر صفراء، فالجوعى يملؤن بطونهم بأوهام تدلس عليهم في غد لم يأت بعد. أرسلت أكثر من خطاب بعلم الوصول وهذه يعني في عرف هيئة البريد أن يعود إلي إذا لم يهتدوا إلى العنوان المرسل إليه. هاتفتني أختي بأن رسالة حملها ساعي البريد جاءتني من طفل يدعى حنظلة ولد ناجي العلي يسكن بيروت لاتتذكر بل صنعاء ربما كان في بغداد؛ حاولت أن أذكرها بالمدن العواصم التي دهمتها القواصم؛ توقف الهاتف على غير عادته. صافرة القطار المتجه إلى العاصمة تصم أذني؛ أسرع لأجد مكانا فيه؛ سائق القطار لم يعر المحطة التي أقف على رصيفها اهتماما؛ يبدو أن رجل الشرطة السري أوصاه بألا يحملني معه.

(2) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment