زنابق الورد، للدكتور السيد شعبان جادو


حلمت أنني أرتدي ثوبا تتماوج به سبعة ألوان كأنما هو قوس قزح يظهر بعد سقوط المطر فوق أشجار حديقتنا فتبدو لوحة جميلة بها غزلان وحملان وحمائم، غير أن غرابا يقف مترصدا لها فوق شجرة الكافور؛ تنبح الكلاب فرحة؛ أعلم ذلك منها حين تشبع من وجبة عظم شاة مذبوحة؛ كثيرا ما يزورني طيف أبي فتمثل لي نصائحه واقعا أتحسسه بيدي، أن تمتلك حلما يا ولدي فذلك كنز عليك ألا تخبر به أحدا؛ هناك لصوص يسرقون كل شيء: الثياب والدور والأقلام والدفاتر؛ يظهرون عقودا مزيفة وأختاما مسروقة؛ إنهم يراهنون على ذاكرة معتلة وأيمان كاذبة. قبل أن يرتحل إلى ربه كان يصمت كثيرا؛ يبتسم لي ويخبرني بأنه راض عني؛ لقد تحقق حلمه؛ صرت أمسك بالقلم وأكتب حكايات جديدة. ثمة خرقة ذات لون باهت بها ثقب يدلف منه فؤير، لم تمض على هذا الحلم غير ليلة حتى عاودني مجددا؛ لكن الثوب لم يعد مزركشا تقزم فوق جسدي حتى وجدتني أشبه برجل عار، أبحث عن رأسي فلا أجد غير نتوء حجري؛ عيناي تنظران داخل جسدي؛ ذلك المحرك الآلي يدفع بالدم في شرايين تمثل شبكة اتصالات عملاقة؛ داخل ذلك الرأس توجد قطعة ممغنطة تسجل كل ما تصدره أعضائي؛ ثمة عضو لا نفع منه؛ ضربه العجز والوهن؛ قالت أمي: إنها يوم وضعتني جاء رجال مولانا الذي يسكن القصر الكبير بمزين الصحة وقطع غلفة الصغار، أنبأتني بأنها احتفظت لي بها جوار خزانة الطعام، تتساقط قطرات من صنبور الماء تسقي الغلفة حتى لاتموت عجزا. لا أدري كم ليلة مرت وقد عدت قويا، رجال الذي سكن البيت العالي مايزالون يمسكون بهؤلاء الذين أمسكوا بريشة الألوان ورسموا بها حلما ذا سبعة ألوان، لم يكتفوا بهذا بل طاردوا أزواج الحمام الأبيض الذي ألقى بحبات القمح في أرض أبي التي أنبتت كل حبة سبع سنابل في كل واحدة منها ما يقارب حفنة من دقيق صنعت منه أمي رغيف خبز محلى بعسل النحل. هذه ليست تهاويم مجنحة؛ ذلك الثوب الذي كان مزركشا تعاركت نسوة في قريتنا أن ترتديه كل واحدة منهن ظنا منها أنه يصلح لتلك الليالي العابثة في زمن يسطو ساكن البيت العالي على الحلم وما يختال فيه، اجتهدت أن أخفيه عنهن، لم تعد تلك الأحلام تزورني في زمن الجدب؛ لقد ضرب الخريف كل شيء. ثمة جهاز يتتبع الحالمين بالغد، يمسك بممحاة عملاقة؛ اختفت اللوحات الجميلة التي أبدعتها ريشة الصغار. أحد هؤلاء الذين يلوكون الحكايات المملة ازدروا القوس ذا الألوان السبعة، رآه دليلا على سوء الخلق؛ لم أتمالك نفسي سخرية منه؛ يجهضون الحلم ثم لا يكتفون إلا بمقصلة لزنابق الورد الأبيض تلك التي تقاوم موات الشتاء؛ في الساعة الأخيرة من ذلك الليل الحالك السواد وقف مبتهل السحر ينادي ربه أن يهب الواقفين ببابه أرغفة الخبز وأكواب ماء تروي العطشى! هربت البومة العجوز إلى الكهف المهجور، ومن يومها والأحلام صارت تلازمني ليالي الشتاء.

(6) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment