العلامة محمود شاكر في مواجهة النص: رؤية ومنهج، للدكتور صابر عبد الدايم


يعد العلامة محمود شاكر من أكبر رموز الثقافة العربية المعاصرة التي تقف شامخة في وجه التشويه الثقافي. والضعف الذي أصاب الفكر العربي بالعطب والتبعية. إنه تحمل الأعباء الجسام في سبيل قضية التأصيل، والمحافظة على هوية اللسان العربي. والفكر العربي، وكان إيمانه الراسخ أن اللغة هي ثقافة الأمة، وأن رأس كل ثقافة هو الدين. وقد توج حياته الفكرية والثقافية، وجهاده المتواصل في ميدان الكلمة النقية التي تخلصت من العجمة، والغربة والاستلاب، توج هذه الرحلة المباركة بكتابه الصعب الذي أسماه «نمط صعب ونمط مخيف»(1). وهو تحليل موسوعي شامل لإحدى عيون الشعر العربي.. وهي قصيدة ابن أخت تأبط شرا التي يقول في مطلعها: إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلاً دمه ما يُطلُّ وهو بهذا الكتاب الفريد يلقن جيلنا المعاصر، والأجيال القادمة الدرس العميق، والرؤية الجادة، في تحليل الإبداع العربي، وفق منظور عربي، خالص من الشوائب والترجمات الهزيلة..، والتهجين الثقافي. * إنه تحليل يرتكز على إظهار عبقرية اللغة العربية، وجمالياتها الصوتية، والاشتقاقية، والبلاغيةفي خضم هذا الجمال العبقري، لا يغفل عبقرية المكان، ولا تضيع ملامح البيئة الممتزجة بالمفردة اللغوية، والتراكيب وخصائصها المائزة. إنه في هذا الكتاب عاشق جسور للغتنا الجميلة في أبهى عصورها وأقواها. * وأصالته تكمن في إيمانه العميق بسموق الفكر العربي، وتفوق التراث العربي.. لغة وإبداعا.. ومنجزات حضارية وتاريخية وعلمية.. كونت هذه الأمة وجعلت منها في عصورها الأولى: خير أمة أخرجت للناس. وينطلق محمود شاكر في كتاباته من منهج متكامل في مواجهة النص الإبداعي والفكري وذلك وفق منظور عربي خالص، مؤمن بفاعلية الحضارة العربية والإسلامية، ودورها الرائد في حضارة الإنسان، والرقي بمداركه وأخلاقياته. وهذه الرؤية الشمولية النزعة للتجديد والتأصيل، وعدم الاستكانة للمألوف والمتوارث، تتصادم مع السائد في الأعراف والتقاليد الأدبية وخاصة «المناهج الحديثة» التي ألفها جمهور النقاد والأدباء في تحليل النص.. وهي لا تخفى على من له أدنى صلة بالحياة الأدبية المعاصرة. هذه المناهج في تحليل النص، وفي دراسة الأدب لم يحددها الشيخ محمود شاكر، ولم يهاجم منهجا خاصا، ولم ينتصر لمنهج على آخر، شأن الكثيرين من كبار أدبائنا ونقادنا، ولكنه أعلن رفضه الصريح لكل المناهج الأدبية السائدة ويقول وهو يحث على ضرورة المنهج التطبيقي في تحليل النص بعد توثيق المادة وتمحيصها: «إن شطر التطبيق هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول، وتتناص الحجج. أي أن تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين، والذي تسمع فيه صليل الألسنة جهرة أو خفية، وفي حومته تتصادم الأفكار بالرفق مرة وبالعنف أخرى، وتختلف فيه الأنظار إختلافاً ساطعاً تارة، وخابياً تارة أخرى وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي، هذه طبيعة هذا الميدان، وطبيعة النازليه من العلماء والأدباء والمفكرين، وعندئذ يمكن أن ينشأ ما يسمى «المناهج (2) والمذاهب». وهذا النص «الوثيقة» يفسر قناعة «محمود شاكر» بتعدد المناهج، وتسليمه بذلك، ويجعله بمنأى عن رفض الآخر، والانغلاق على الذات، ولكنه يرى أن لكل أمة منهجا وهوية وطريقة في تفكيرها وتحليلها واستنباطها، يقول مفسرا التناقض الظاهر بين إيمانه بتعددية المناهج وبين رفضه للسائد منها، وربطها بفساد الحياة الأدبية. «أعلم أن حديثي هنا هو الذي يسمى “المنهج الأدبي” على وجه التحديد أي : عن المنهج الذي يتناول الشعر والأدب بجميع أنواعه، والتاريخ وعلم الدين بفروعه المختلفة ، والفلسفة بمذاهبها المتضاربة، وكل ما هو صادر عن الإنسان إبانة عن نفسه وعن جماعته.. ووعاء ذلك ومستقره هو «اللغة واللسان لا غير»(3). وما تحدث به الشيخ هو الإطار العام للمنهج.. أما لب المنهج ووسائله الفاعلة المتشكلة من ثقافة أمتنا العربية والإسلامية،، فتتجلى في تحديده لها حيث يقول : إن الإحساس القديم المبهم المتصاعد بفساد الحياة الأدبية. قد أفضى بي إلى إعادة قراءة الشعر العربي كله أولا.ثم قراءة ما يقع تحت يدي من هذا الإرث العظيم الضخم المتنوع من تفسير وحديث وفقه، وأصول فقه، وأصول دين «هو علم الكلام» وملل ونحل «إلى بحر زاخر من الأدب والنقد والبلاغة والنحو واللغة، حتى قرأت الفلسفة القديمة والحساب القديم والجغرافية القديمة، وكتب النجوم، وصور الكواكب، والطب القديم، ومفردات الأدوية، وحتى قرأت البيزرة والبيطرة والفراسة. بل كل ما استطعت أن أقف عليه بحمد الله سبحانه، قرأت ما تيسر لي منه، لا للتمكن من هذه العلوم المختلفة، بل لكي ألاحظ وأتبين وأزيح الثرى عن الخبء المدفون»(4). إن هذه الرؤية الشاملة لثقافة الناقد الأدبي، ولكل من يواجه النص مواجهة تنطلق من الدراية وليس الرواية، تتكئ على الملاحظة والتدقيق، واستكشاف عناصر الإبداع في النص الأدبي، وجمالياته وأسسه وخصائصه الفنية وفق منظور عربي، لا يتصادم مع هوية الأمة ولا خصائصها وتسلمنا هذه الرؤية المنهجية إلى معالم المنهج الذي اختطه “محمود شاكر” في مواجهة النص وتحليله.(5) وهي مواجهة عميقة فاحصة متسلحة بالمعرفة المتآلفة مع الحس الإبداعي المرهف، والوهج الشعوري، والحدس الفني المدرك لما تحمله المفردة الشعرية من طاقات إحيائية، وما تبوح به التراكيب اللغوية من أسرار ومضامين ورموز، وحقائق وأحاسيس، تتراءى للشيخ كائنات حية متجسدة تبرهن عليها عبقرية اللغة وخبرة الناقد بأسرار العربية، ومعرفته المحيطة ببيئات الشعر، وأماكنه، وتاريخه، وتطوره، والفروق الدقيقة بين شاعر وشاعر، وقصيدة وقصيدة، وقد تجلت معالم المنهج التحليلي التذوقي لدى الشيخ في معرض مواجهته لقصيدة ابن أخت تأبط شرا. ويحدد معالم هذا المنهج الصعب.. والطريق المخيف.. إذ يقول: وأظنه صار بينا أو شبيهاً بالبين. «أن مدارسة قصيدة من القصائد (وقديم الشعر وحديثه في ذلك سواء) تحتاج أول كل شيء إلى تمثل القصيدة جملة. وتمثل أجزائها تفصيلا، تمثلا صحيحا أو مقاربا بدلالة جمهور ألفاظها على بنائها ومعناها. ثم تحتاج إلى تحديد معاني الألفاظ في موقعها من الكلام. ثم إلى ضبط الدلالات التي تدل عليها الألفاظ والتراكيب جميعا. ثم إلى تخليص ألفاظها وتراكيبها من شوائب الخطأ الذي يتورط فيه الشراح والنقاد. ثم إلى إزالة “الإيهام» الذي مرده إلى التهاون في تمييز فروق المعاني المشتركة بين الشعراء، إلى الغفلة في حذق الشعراء في استخدام الإسباغ والتعرية والتشعيث في الألفاظ والتراكيب».(6) وهذه الحيثيات الدقيقة في مدارسة النص.. هي البدايات حتى لا يضل الدارس الطريق الصحيح إلى فهم النص.. ثم تبدأ المواجهة بشواهدها المؤثرة ومنها : أولاً: ضرورة الوقوف على حقيقة قائل النص والتعرف على بيئته ومكونات ثقافته وينابيع هذه الثقافة، ومراميها القريبة والبعيدة.. ولأن الشيخ ينتصر للنقد التطبيقي القائم على تناص الحجج.. رأيناه يطبق هذا الشاهد من شواهد المنهج في جدية وتمحيص، حين خالف السائد الذي ينسب إلى تأبط شرا القصيدة التي حللها في كتابه “نمط صعب” فيناقش هذه النسبة في بدايات كتابه من ص 33-62، والمنهج التاريخي التوثيقي هو المسيطر في هذا المضمار، وهو أسلم المناهج في الوصول إلى ما يأمل الباحث من حقائق في مثل هذه القضايا. وقد رتب الشيخ رواة القصيدة ـ كلها أو بعضاً منها ـ مع تباين نسبتها وعددهم خمسة عشر راويا.. بداية من ابن هشام المتوفى سنة 218 هـ إلى البغدادي المتوفى 1093هـ، وقسم هؤلاء الرواة إلى خمسة أقسام، في نسبتهم القصيدة إلى قائلها.. وفي القسم الثاني حدد الرواة الذين نسبوها إلى “ابن أخت تأبط شرا” وهم «الجاحظ في الحيوان، وابن عبد ربه الأندلسي في العقد، والبكري الأندلسي في معجم ما استعجم، والتبريزي في شرح الحماسة، وهؤلاء لم يحددوا اسمه. وابن هشام في كتاب التيجان نسبها إلى أبن اخت تأبط شراً، وزعم أنه الهجال بن امرئ القيس الباهلي، وزعم البكري الأندلسي أنه “خفاف بن نضلة” في كتابه اللآلئ. وابن دريد، وابن بري، والبغدادي نسبوها إلى “الشنفرى» وزعموا أنه ابن أخت تأبط شراً. ويقول الشيخ.. مبينا أهمية هذا المعلم من معالم المنهج. وأول مشكلة معقدة تعرض : هي مشكلة نسبتها إلى صاحبها الذي هو صاحبها. ثم ينبه إلى أن الاستهانة بأمر نسبة الشعر إلى صاحبه مضر، لأنه يدخل الخلط والفساد في تمييز شاعر من شاعر، وفي الكشف عن خصائص بنية كل شاعر في شعره، ثم يقول “ولتحقيق النسبة خطر عظيم في أمر الشعراء المقلين، وفي أمر الشعراء أصحاب المفردات من القصائد ، لأن عبيد الشعر لهم مناهج غير مناهج الذين لم يقولوا الشعر إلا في مواقف بعينها، أثارتهم فانطلقوا يتغنون به، وغير مناهج المقلين أصحاب القصائد ذوات العدد”. وتطبيقا لهذا المنهج في مواجهة النص.. ينعى محمود شاكر على “لويس عوض” عدم إحاطته بشخصية أبي العلاء وهو يحلل نصوصه. وقد وقع في ضلال كبير نتيجة لسوء الفهم.. وقلة التعمق في إدراك مرامي فكر أبي العلاء. وعدم تقصي مصادر ثقافته، والمؤثرات الحقيقية في أدبه. يقول أبوفهر «فالدارس ينبغي أن يكون قد ملك الأسباب التي تجعله أهلا لمعاناة المنهج” وهذا شيء يحسن ضرب المثل عليه لتوضيحه. فإذا اتخذنا شيخ المعرة مثلا موضحا. فدارسه ينبغي أن يكون مطبقا لقراءة نصوصه جميعا من نثر وشعر، لا من حيث هما لفظان مبهمان غامضان : نثر أو شعر، بل من حيث تضمنها ألفاظا دالة على المعاني، وألفاظا قد اختزنت على مر الدهور في استعمالها وتطورها قدرا كبيرا من نبض اللغة ونمائها الأدبي والفكري والعقلي، إلى كثير من الدلالات التي يعرفها الدارسون، ثم من حيث هي ألفاظ قد حملت سمات مميزة من ضمير قائلها بالضرورة الملزمة، لأنه إنسان مبين عن نفسه في هذه اللغة بما يسمى”شعرا” أو بما يسمى “نثراً”(7). وهناك دلائل متعددة فطن إليها “محمود شاكر” للتعرف على قائل النص، وقد أعمل خاطره وكد ذهنه. ومن هذه الدلائل: * الاعتماد على نسيج الشاعر وطريقته في صوغ الشعر، وقد مال إلى ترجيح أن تكون القصيدة المنسوبة لتأبط شرا ليست له، اتكاء على الإدراك الواعي لنسيج الشاعر وطريقته في صوغ الأسلوب، حيث يقول: “ووجه آخر هو أني أجد نسبتها إلى تأبط شرا أمرا صعبا، لأن نسجها يخالف كل المخالفة، ما وصل إلينا من شعره وهذا أمر دقيق(8). * والمكان له دور في تحديد قائل النص، حين تتعمق خبرة الناقد المعرفية بجغرافية المكان، وأماكن القبائل، وتحركاتها.. وقد نعى”محمود شاكر” على “ابن هشام”، نسبة القصيدة إلى «الهجال بن امرئ القيس الباهلي” [ابن أخت تأبط شراً] في خبر طويل جداً في كتابه «التيجان» وقال محمود شاكر: إن هذا الخبر فيه خلط كثير، وليس في كتب الثقات ما يؤيده، ثم يقوم بتجريح رواية “ابن هشام” فيقول: إنه كان قليل العلم بالشعر، ويناقش مسألة نسب ابن أخت تأبط شراً وهو الهجال في زعم ابن هشام ويقول: نعم كان «تأبط شراً من بني فهم بن عمرو بن قيس عيلان ابن مضر و«باهلة» التي ينسب إليها “الهجال بن امرئ القيس هم«بنو مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر” ولكني أستبعد أن يكون “الهجال” هو “ابن أخت تأبط شرا” لأن ديار باهلة عند الإسلام باليمامة في شرقي نجد، وديار بني فهم “رهط تأبط شراً” كانت بالحجاز غربي نجد، ويا بعد ما بينهما. ولم أجد في شيء من مراجعي ذكرا لأحد يقال له الهجال بن امرئ القيس الباهلي. ثانياً: العناية الفنية والعلمية بالترتيب الصحيح لأبيات النص، ومناقشة الروايات المختلفة للنص مع ضبطه في إحكام وضرورة التحقق من ذلك. وقد أشاد محمود شاكر بهذا المعلم من معالم منهجه صراحة في القسم الثالث من كتابه “نمط صعب” وأكد على أنه ينبغي ألا يدع المرء جهداً يبذل في تحري أمور أربعة، واستقصائها بكل وجه متيسر، وهي : استقصاء المصادر التي روت القصيدة تامة، أو روت قدرا صالحا منها، مع التزام الترتيب التاريخي لمن أسندت إليه الرواية فيها، ثم إيضاح اختلاف عدد أبيات القصيدة في كل رواية، ورصد الفروق بين رواية الرواة عن شيخ واحد من شيوخ الرواية، ثم اختلاف هذا الترتيب إن كان في رواية غيره من الشيوخ. ثم استقصاء كل اختلاف يقع في بعض ألفاظ الأبيات في هذه المصادر، ثم في سائر مصادر اللغة والنحو والأدب والتاريخ. ثم يؤكد الشيخ على أن الترتيب التاريخي في كل ذلك أمر لا ينبغي إغفاله أو التهاون فيه،(9) وهذه الصرامة في تطبيق المنهج ليست فرضيات يطرحها أبوفهر، وليست تنظيرا يعوزه التطبيق، ولكنه قام بتطبيق هذه الأمور الأربعة في دقة علمية، وهو يحلل قصيدة ابن أخت تأبط شراً، وهو بهذا المنحى التطبيقي قد سلم من الآفة التي تصيب كثيرا من الداعين إلى المناهج. حيث يقدمون قواعد جافة لا تصمد أمام وهج التطبيق، وتظل عاجزة عن تقديم الثمار النافعة لشداة الأدب، وأرباب البيان، وفرسان النقد. ثالثاً: الإيقاع العروضي وصلته بالتجربة : إن النص الشعري تتعدد أبعاده الجمالية، والبحث عن أسرار هذا الجمال ربما يكمن في البناء بالموسيقى، وربما يكمن في التشكيل بالصورة، وربما يكمن في البنية اللغوية والإحساس بالزمن، وكل الأبعاد السابقة تنبثق من الطاقة الشعورية المتدفقة من كيان النص، وهو بدون هذه الطاقة يعد نهرا جافا، وحديقة يابسة، وأفقاً منطفئ النجوم.(10) وهذه الطاقة الشعورية الموارة في وجدان الشاعر تظل بين التوهج والانطفاء من ناقد لآخر.. وهي في أكثر حالاتها خامدة، لأن الناقد يتعامل مع النص في وعي وعقلانية وأناة، ومعه أدواته النقدية وخبرته. ولكن الأمر مختلف جدا مع شيخنا “محمود شاكر” فهو يواجه النص وهو -ربما- أكثر انفعالا وتوهجا، والتحاما بالتجربة من منشئ النص نفسه، وربما تعد هذه الحالة النقدية من المشاهد النقدية النادرة في تحليل النص ومواجهته – وهي تمثل منهجا يقوم على التذوق الجمالي للنص، مصحوبا بحالة من الوجد والصدق الشعوري في استكشاف جماليات االنص، ويؤكد الشيخ هذا المنهج حينما يصور قراءته للشعر بأنها “قراءة متأنية، طويلة الأناة، عند كل لفظ وكل معنى، ثم يقول” كأني أقلبهما بعقلي، وأروزهما (أي : أزنهما مختبراً) بقلبي، وأحبسهما حبسا ببصري وببيدتي، وكأني أريد أن أتحسسهما بيدي، وأستنشئ (أي أشم) ما يفوح منهما بأنفي، وأسمع دبيب الحياة فيهما بأذني، ثم أتذوقهما تذوقا بعقلي وقلبي، وبصيرتي وأناملي، وأنفي وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنه وبراعته، وأندس إلى دفين قد سقط من الشاعر عفوا، أو سهوا، تحت نظم كلماته ومعانيه، دون قصد منه أو تعمد أو إرادة(11). إن هذا الفناء الكلي في النص في سبيل الكشف عن الكنوز الخبيئة، هو نمط صعب ونمط حبيب وغير مخيف لدى عاشقي الشعر ومن فطرهم الله على النقد والتحليل. وانطلاقا من هذا المنهج حلل “محمود شاكر” البنية الإيقاعية “في قصيدة ابن أخت تأبط شرا واحتشد لهذا التحليل، كالعهد به دائما احتشاد المحارب العاشق المدافع عن عرينه، وقد بالغ وأسهب في دراسة “الأطر العروضية” والأوزان، والدوائر، ومما ينبئ عن تغلغل القيمة النغمية والعروضية للنص في منهجه أنه بدأ مواجهة القصيدة بدراسة ظاهرة “التفعيل” ثم ظاهرة “التجريد” وهي حركات وسكنات التفاعيل، ثم عرض في إيجاز للدوائر العروضية(12). وهذا المهاد النظري العروضي، عاد إليه الشيخ مرة أخرى وأسهب في تقديم القواعد العروضية من ص(85-116)، وهو يعد ذلك تأسيسا لأحكامه النقدية الرابطة بين الإيقاعات العروضية، وبين تجربة الشاعر، وتصوير هذه التجربة في إطار من النغم المتدفق، وكان بإمكان شيخنا التركيز على بحر “المديد” وزحافاته وعلله، وتشكيلاته العروضية.. لأن القصيدة تسبح أنغامها في أمواج هذا البحر، الذي أفاض الشيخ في تباين خصائصه النغمية.. وعلاقة إيقاعه بالتصوير البياني، عن طريق التشبيه المفرد وليس المركب وكذلك نغم المديد بتشكيل الصورة الإيحائية، القائمة على الإيجاز والاقتصاد اللفظي، وكذلك علاقة هذا النغم بالكلمة الحية الموجزة المقتصدة. ولا شك أن هذه قضايا شائكة لم تأخذ صفة القاعدة، وإنما بنيت على التذوق، والاجتهاد النابع من سياق النص. ومكونات التجربة ومناخها، وتكوينها الأسلوبي، وأصالة المنهج تنبع من أن أحكام الشيخ وكشوفاته النغمية لا تنفصل عن جذور هويتنا الثقافية العربية والإسلامية، وليست متكئة على مصطلحات أجنبية مثقلة. يقول معقبا على تحليله لظاهرة النغم في النص: “الآن فرغت من هذا الغناء” الفخم” وكنت مستطيعا أن أهزل باسم الغناء والنغم، فأستولج في كلامي ألفاظا للتغرير والإثارة، فأقول “السمفني” و”الهرمني” وكروبا وراء ذلك كثيراً!!! ولكني آثرت أن أدع الأمر حيث هو من القرب، والبعد أيضا، لأن حديث النغم كان يقتضي أن أعود إلى ماقلته في بناء الغناء العربي كله على ماهدانا إليه الخليل رحمه الله، وسماه “الأسباب والأوتاد” وأن أعود أيضا إلى ما استظهرته من أن الأوتاد وهي الثوابت التي لا يدخلها زحاف، لها في كل بحر منازل لا تفارقها، ومن حولها تدور الأسباب مزاحفة وغير مزاحفة، وأن أبين أيضا أن الزحاف ليس ضرورة كما يتوهم، بل هو أصل في تنوع النغم، يعطيه شيئا جديدا، ويكسبه معاني جمة، لا تكاد تحصر، وكل العمل في الغناء والترنيم هو لمهارة “زمن النفس” الذي يتولى القصيدة في إلحاق هذه المعاني بالنغم، بنسب مضبوطة محكمة مقدرة، صادرة عن حركة الأسباب وزحفها على الأوتاد والتقائها بها، لا في البيت الواحد، بل في جملة الغناء من أول بيت إلى آخر بيت”(13) ويفيض الشيخ شاكر في تحليل إيقاع بحر «المديد» ويحلل قول العروضيين القدامى الذين وصفوا موسيقاه بالثقل، أو الصعوبة والعسر. كما وصفه د.عبدالله الطيب(14)، ويصل بعد تحليل للأسباب والأوتاد وعلاقتهما بالنغم إلى أن الأمر ليس ثقلا.. ولكنه نزاع خفي بين «الحادي والمجيب» وبين الترفيل، وما أوجب عليك نزاعهما من توقف وتردد وإحجام، ومن استفزاز مسرع بك إلى الانطلاق، ثم حدوث ذلك كله في زمن متقارب، وهذا التحليل منبعه الذائقة الفنية، والحدس، وهو كما يقول الغزالي” مفتاح أكثر العلوم”، وتذوق النغم والتأني في التذوق، هما الفيصل في إدراك حقيقة هذه الصفة، أو هذا المنزع في إدراك العلاقة بين البنية الإيقاعية والتجربة الشعرية. ويقول الشيخ “وأجهل الناس من يظن أن جمال الأنغام المتسربة من ألفاظ الشعر وألحانه المركبة، دانية القطوف لكل كاتب أو ناقد” ولا يغفل “محمود شاكر” شطر التطبيق في المنهج، فهو يصهر النغم وتشكيل الصورة والبناء اللغوي في بوتقة فنية واحدة، ويعلق على تصوير الشاعر لكرم خاله وشجاعته حيث يقول : شامس في القُرِّ، حتى إذا ما ذكت الشعرى، فبرد وظلُّ يابس الجنبين من غير بؤس ونَدِيْ الكفِّين، شهم، مدلُّ يقول بعد الغوص وراء موجات الألفاظ وتحليلها مثل شامس، ويابس الجنبين، وندي الكفين وشهم، ومدل، وكأنه يحيي هذه الألفاظ ويعود بها للحياة من جديد في سياق هذا النص الجاهلي بناء على فهمه الدقيق لأسرار لغتنا الشاعرة كما وصفها العقاد. ويعيب على كبار علماء اللغة والرواة والشراح فهمهم القاصر لمدلولات الألفاظ في سياق النص المذكور، فيعلق على تفسير الفراء لكلمة «شهم» بأنه تفسير قاصر جدا، ثم يقول «ولا يغررك كلام الفراء فتحمل عليه هذا الشعر الذي نحن فيه، فإذا هو زاهق، قد أدرج في كفن اللغة “وينعى على المرزوقي في تفسيره لكلمة «مدل» بأنه الواثق بنفسه وآلاته وعدته وسلاحه”. وقال متهكما.. هذا تفسير يذبح الشعر بغير سكين”. يقول الشيخ شاكر مصورا دور الإيقاع الشعري في إثراء التجربة والالتحام بواقع الشاعر “وتمام المقابلة بين يابس الجنبين”، و”ندي الكفين” “زاد حركة” التنغش في الصورة كلها، بيد أن شاعرنا لن يكف مقتصرا على ما أحدث من تنغش الحياة، فإنه قد عزم أن يجمع مهارته وسطوته إلى مهارة بحر المديد وسطوته فيجعل الصورة في الأبيات الثلاثة جميعا، تتحرك حية، مكتملة الحياة والحركة، فسكت سكتة لطيفة بعد أن انتهى إلى “وندي الكفين” فقطع ما كان فيه، وأعرض عن عطف صفة على صفة بشيء من حروف العطف، انبعث يرمي على “أنغام بحر المديد بلفظين طليقين موجزين، فاهتزت الصورة كلها حية بما دب فيها من حياة جديدة “شهم مدل”. ثم يتابع رصده لعنصر الإيقاع قائلا: “كان في هذين اللفظين : “شهم، مدل” من وجيب الحركة ونبضها، ومن حثحثتها واندفاقها، ومن تلهبها ومضائها، قدر لايدانيه شيء مما تدل عليه ألفاظ هذه الأبيات الثلاثة، ومجيئها بعد تنغش الحركة في ثلثي البيت الثالث أتاح لهما أن يسكبا في ألفاظ الأبيات قبلهما حركة دافقة، هزت ما كان ساكنا يترقرق من معانيها”(15). وهذا المنحى في تحليل الإيقاع الشعري يحاول من خلاله الناقد أن يتسمع إلى الإيقاع الباطن وأن يشاهده، وأن يشم رائحته، وأن يقبض عليه.. إنه إيقاع تحسه ولا تراه، تدركه ولا تستطيع أن تقبض عليه، ويكمن في تعادل النغم عن طريق مدات الحروف حينا، وعن طريق تكرارها حينا، وعن طريق استعمال حروف مهموسة أو مجهورة تتساوى مع الإطار العام للقصيدة”(16). وغير خافٍ على شيخنا أبي فهر، وعلى متذوقي الشعر، ومحبي الشعراء أن الشاعر لا يتعمد، وربما لا يعلم عن هذه الجماليات الإيقاعية والأسلوبية شيئا. وإنما مرده إلى السليقة اللغوية، والموهبة الشعرية التي خص بها قوم دون آخرين، ولذلك أجدني مترددا في قبول هذه العبارة على سبيل اليقين، حيث يقول “أبوفهر” بيد أن شاعرنا لن يكف مقتصرا على ما أحدث من تنغش الحياة، فإنه قد عزم على أن يجمع مهارته وسطوته إلى مهارة بحر المديد وسطوته”….إلخ. وإنما الأمر أن الشاعر قال وعلينا أن نتأول، والمتنبي صاحب شيخنا الأثير ألم يقل : أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم؟!! ومن اكتمال. زمن التغني “كما يقول أبو فهر” أو ظاهرة الإيقاع في النص الشعري أن نرصد القيم الصوتية التي تبرز موسيقية الحروف في اللغة العربية. وفي بيت واحد ينوه “محمود شاكر” بخصائص الحروف وقيمتها في إحداث الإيقاع الشعري – أو كما يقول «الغناء» – ويربط بين حركة الإيقاع وبين النفسية للشاعر حيث يجد المستمع من هذا النغم نشوة كنشوة هذا الشاعر في تذكره خاله، معجبا به، مفتونا بأخلاقه وشمائله. والبيت يأتي تاليا للأبيات السابقة، في سياق رصد صفات وسلوكيات المتوجه له بالرثاء. ظاعن بالحزم، حتى إذا ما حلَّ .. حلّ الحزم حيث يَحلّ ويوازن أبو فهر بين ما أحدثه حرف الحاء من نغم في هذا البيت وبين ما أحدثه الحرف نفسه من تنافر في قول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي واذا مالُمته لمتُه وحدْي حيث يرجع التنافر في هذا البيت “لهاتين الحاءين المقترنتين بالهاء، ثم تكرارهما في لفظين متجاورين، يقول: “ولكن شاعرنا أتى بسبع حاءات في سبع كلمات متتابعات، فما ساغ لأحد أن يعده في تنافر الكلمات، والذي أفسد على أبي تمام كلامه، مجيء الحاء الساكنة بعدها هاء متحركة، والهاء مخرجها من أقصى الحلق، والحاء مخرجها من وسط الحلق، فهما متدانيان، وسكون الحاء زادها دنوا من مخرج الهاء التي تليها، فثقل النطق بهما ثقلا شديدا، فلما كرر اللفظ مرة أخرى أطبق الثقل، ونفرت منه طبائع النطق، أما شاعرنا فجاء بسبع حاءات في سبع كلمات متتابعات، ولما كانت الحاء المتحركة أقوى من الساكنة، كان النطق بها أخف، وكان النطق بها مفتوحة يستوجب شيئا من الأناة والتوقف، فطابق ما يستوجبه النطق بها، طبيعة “بحر المديد” من أناة وبطء،.. فالنغم يبدأ سريعا متحدراً ” شهم، مدل، ظاعن بالحزم”: ثم يستقبل الحاء المتحركة” حتى إذا ما حل” فيبطئ شيئا ما، ثم يزداد “بطئا وأناة، حتى توشك أن تقف وقفة لطيفة عند مخرج كل حاء” حل الحزم حيث يحل” فكان هذا التقسيم المتدرج في النغم وفي تحدره، راحة تعين على اجتلاء ملامح الصورة المتمثلة في هذه الأبيات، فتزداد وضوحا وصفاء، ويجد المستمع معها نشوة كنشوة هذا الشاعر مع تذكره خاله، معجبا به، مفتونا بأخلاقه وشمائله(17). رابعاً: استقلالية الرؤية في استقبال الآراء التراثية وآراء المحدثين: وهذا المعلم من معالم منهج «محمود شاكر» يؤكد أصالة منهجه، ونزعته التجديدية في قراءة التراث، فهو لا يكتفي بإقامة الشواهد التراثية برهانا على صدق ما يقول، ولكنه يحاور كبار علماء اللغة. ويستدرك عليهم كثيرا من الآراء ومن التفسيرات اللغوية لبعض الكلمات، ولا يتفق مع هؤلاء العلماء في شرحهم لبعض الكلمات أو التراكيب أو الأبيات، فهو يناقش في أصالة وجدة وابتكار أبا العلاء المعري والتبريزي، وابن هشام، وابن عبد ربه، والمرزوقي، ولا يكتفي بذلك بل يدعو إلى أن نزيد على نص اللغة مستدلين بأصل مادة اللغة، وذلك في سياق شرحه لقول الشاعر : “خبر ما، نابنا، مصمئل جل حتى دق فيه الأجلُّ يقول : وأصحاب اللغة يقولون “المصمئل” المنتفخ من الغضب و”المصمئل”، الشديد، فلو اقتصرت على نص اللغة هنا في تفسير هذا اللفظ، لفقد الشعر معناه وانما فحوى مراد الشاعر أن يدلك على أنه كلما زاد الخبر تأملاً، زاد تفاقماً وتعاظماً، وأطبق عليه إطباقاً، وأحاط به إحاطة لا تدع له من إطباقه عليه مخرجا، فأولى أن يقال إنه من قولهم «اصمأل النبات» إذا «التف وعزم وأطبق بعضه على بعض من كثافته»، وأصل هذه المادة في اللغة، صمل يصمل، صمولاً» إذا صلب واشتد واكتنز،، يوصف بذلك الجمل، والجبل، والرجل وما أشبه ذلك، «فأنت في مثل هذا الموضوع محتاج في البيان أن تزيد على نص اللغة مستدلاً بأصل مادة اللغة» (18) وفي البيت العاشر من القصيدة نفسها ينعى «محمود شاكر» على علماء اللغة وشراح الشعر تفسيرهم لقول الشاعر: غيث مزن، غامـرٌ حيث يجدي وإذا يسطو فليث أَبَلُّ يقول: «وأما يجدي فقد ذهب المرزوقي وسائر الشراح إلى أنه من الجدوى» وهي العطية وهذا لغو وفساد، لأن هذا التفسير اللغوي يجعل هذا البيت أشبه بأن يكون تكرارا للمعنى الذي سلف في البيت الثامن وهذا خطل شديد، كما يقول «أبو فهر» لم يرتكب الشاعر مثله فيما مضى، ولا فيما يستقبل، ولا يقع في مثله إلا من لا يحترز من خسيس الكلام. ويرى أبو فهر أنه ينبغي أن يقال: أجدى من «الجدا» وهو المطر و«أجدى» بمعنى أمطر. كما قالوا من «المطر» وهو اشتقاق صحيح لا قادح فيه، وهذا البناء بهذا المعنى، لم تذكره كتب اللغة.. «ولكنه ينبغي أن يقيد ويزاد عليها، وشاهده من كلام العرب هذا البيت»0(19) وحدة أبي فهر وسخريته في النقاش والحوار لم تفارقه وهو يستدرك على «التبريزي» طريقة قراءته لهذا البيت: «حلت الخمر، وكانت حراما وبلأي ما ألمت تحل» فهو يرى أن «قراءة البيت أضرت به إضرارا شديداً فالمرزوقي وأبو العلاء المعري والتبريزي قرؤوه «وبلأي. ما ألمت» ثم قال المرزوقي شارحا هذ التركيب «قوله: «ما ألمت» يجوز أن تكون «ما» صلة «أي زائدة»، ويجوز أن يكون مع الفعل بعده في تقدير المصدر، يريد «وبلأي ألمت حلالا».. ويعلق أبو فهر في سخرية وتهكم «وهذا كلام بارد غث سقيم، فاختلسه التبريزي في شرحه، فلم يحس بشيء من برده، لأنه نشأ بتبريز، من إقليم أذربيجان، وهو إقليم بارد جداً (20) وهذا التعليق ينأى بشخينا عن الموضوعية والحيدة العلمية، وأعتقد أنه من باب التفكه والتندر، وهما من طبيعة أبي فهر في مثل هذه المواقف» (21) يقول بعد ذلك في يقين وثقة «والصحيح في قراءة البيت ما أثبته: «وبلأي ما، ألمت» بينهما سكتة لطيفة «وما» حشو يأتي ليدل على الإعراض عن وصف الشيء بما ينبغي له من الصفات، وهذا الحشو يلزمك بعده سكتة عند إنشاده والترنم، ومجيء هذا الحشو، أسلوب في اختصار اللفظ يفضي إلى اتساع المعنى» (22) ويفيض «أبو فهر في محاورة الرواة وعلماء اللغة وشارحي الشعر الجاهلي، في مواضع كثيرة ويكاد يقف عند كل بيت من قصيدة «ابن أخت تأبط شراًَ» ويدلل على رأيه وفهمه الجديد بأدلة نابعة من رؤيته الثاقبة لتراثنا الشعري الفريد، ومتكئة على وعيه الفذ بأساليب العربية ودقائقها وطرائقها في التعبير، ومن هذه المواقف التقويمية لآراء شراح الشعر ما ورد من تعليق على شرح العلماء لهذا البيت: مُُسْبل في الحيّ، أحوى، رِفَلُّ وإذا يعْدو، فَسمعٌ أزلُّ يقول: «وشرح أبي العلاء والتبريزي، يجعل الشطر الأول متضمنا حلية في لباس صاحبه، أو في شعره أو في لون شفتيه، وهذا لغو لا «شعر»(23) ويرى «محمود شاكر» أن الشاعر مثل صاحبه في الشطر الأول، وهو في الحي فرسا أحوى من الجياد العتاق، ذيالا يرفل من خيلائه وزهوه، ومثله في الشطر الثاني، إذا فارق حِيّه في غاراته سمعاً أزل سريع الخطفة، لا تفلت فرائسه، فقابل بما في الشطر الثاني، ما مضى في الشطر الأول، على سواء واستقامة، لم يذكر في الآخر منهما حلية لصلة به في بدن ولا لباس، فوجب ألا تكون في أولهما حلية له في بدن ولا لباس. وهذا الاستواء ظاهر في الأبيات التي قبله كلها، فمن غير المعقول أن يخل بذلك في هذا البيت الفرد. والمتأمل في هذا التحليل الفني يرى أن التذوق الصحيح القائم على الخبرة والدربة ـ كما قال ابن سلام ـ هو المنهج الذي ارتضاه «محمود شاكر» في تحليله للنصوص، بل في مواجهته للنص، وهي مواجهة جادة عميقة متسلحة بأدوات معرفية شاملة، تستوعب علوم العربية كلها، وتتجاوز تخوم المعرفة الباردة حيث تقتحم المدارات الجديدة، وتكتشف العناصر الإبداعية في أصالة منهجية، وتوهج شعوري، وغيرة على حمى هذه اللغة من إغارات المغيرين، وحيل المخادعين، وحماقات الغافلين، من مدعي الحفاظ على لغة الأمة، وهم يشوهونها في غيبة منهم عن إدراك أسرارها، والجهل المردي بالشعاب المؤدية إلى استكناه تلك الأسرار. يقول أبو فهر في الإبانة عن منهجه في مواجهة «النص» وذلك في مقدمته لكتاب «المتنبي»: «كانت سيرتي في كل هذا الذي أقرؤه، هي سيرتي التي اخترتها ـ آنفاً ـ في شأن «الشعر الجاهلي» وهي «تذوق الكلام»! تذوق الألفاظ والجمل، وتذوق دلالتها على معاني أصحابها، وكيف يصوغ كل صاحب فكر فكره في كلمات؟ وكيف يخطئ؟ وكيف يصيب؟ وكيف يستقيم على المعنى طلبا للحق، وكيف يلتوي طلباً للمغالطة أو الزهو أو الظهور على الخصم» (24). وهذا المنهج التذوقي قاد الشيخ إلى آفاق جمالية، ومناطق جديدة في التعرف على أسرار النص الشعري، التي يعز على الكثيرين من أهل الاختصاص إدراكها..، يقول: «إن تذوق الجمال، والاستغراق في مجاله، والإحساس الشامل بالحي من نبضاته، والنفاذ الخفي إلى أسراره العميقة المتشابكة المشتبهة، بلذة وأريحية واهتزاز، شيء مختلف عن معاناة الإبانة عن ذلك الذي تجد باللفظ المكتوب». وأجهل الناس ـ في منهج «محمود شاكر» و«رؤيته الجمالية» ـ من يظن أن جمال الأنغام المتسربة من ألفاظ الشعر وألحانه المركبة، دانية القطوف لكل كاتب أو ناقد. ويعلل هذا الحكم بأن «اللغة هي قمة البراعات الإنسانية وأشرفها، وهي أبعد منالاً مما يتصوره المرء بأول خاطر، فما ظنك إذا كانت اللغة عندئذ لغة «شعر» أو «كلام مبين»! عندئذ تعي الألسنة عن الإبانة عن مكنون أسرارها، وتقصر همم النقاد أحياناً كثيرة عن بلوغ ذراها المشمخرة» (25) وبـعــد: فقد ألقيت بنفسي في المحيط الشاكري. وأظنني لست بناجٍ، فشراعي لا يصمد أمام رياح الشيخ المضمخة بنسائم الأجداد، وعبق التاريخ، ومخايل القوة، والمحيط مازالت كنوزه خبيئة في قراره الصافي البعيد. والقضايا التي أثارها شيخنا في مواجهة النص مازالت تتحدى.. وتعلن «تناص الحجج» ومنها قضية «الأزمنة والتجربة» وهي من مبتكرات الشيخ ومنها «زمن التغني، وزمن النفس، وزمن الأحداث»، وقضية «تشعيث الأزمنة، وأين مداخلها إلى مدائن النص». وقضية «التشكيل المكاني» أو «الصورة الأدبية» ولماذا لم تظهر بجلاء سافرة في «نمطه الصعب»؟. وقضية «النظم» التي لبست أكثر من قناع في وقفات شيخنا وتجلياته لأسرار التراكيب، لماذا جعلها تمشي على استحياء بين كلماته النافذة إلى أعماق النص؟ وتبقى قامة الشيخ ممتدة شامخة، وتقصر هممنا عن بلوغ ذراها المشمخرة رحمه الله، وهيأ للعربية من بعده من يواصل رسالته الجليلة في الدفاع عن حمى العروبة والإسلام، في قوة واقتدار وحمية لله ولرسوله. إننا مازلنا نحفظ قوله ونراه كائنا أمامنا يوقظ حواسنا الغافية، حتى نظل في رباط إلى يوم القيامة نعد ما استطعنا من قوة للمتربصين بهذه الأمة. يقول العلامة «محمود شاكر» رحمه الله: «وأنا لم أزل أشهد ـ منذ عشرات السنين ـ طلائع التخطيط المدبر، تنقض على أمتي وبلادي من كل ناحية، ويتم لها كل ما تريد، أو بعض ما تريد، يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، ومن أجل ذلك لم أحمل القلم منذ حملته، إلا وأنا مؤمن أوثق إيمان بأني أحمل أمانة، إما أن أؤديها على وجهها، وإما أن أحطم هذا القلم تحت قدمي بلا جزع عليه ولا على نفسي. وأبيت منذ عقلت أمري أن أجعله وسيلة إلى طلب الصيت في الناس أو ابتغاء الشهرة عندهم». رحمك الله يا أبا فهر…، وجزاك عن العربية والإسلام خير الجزاء، فأنت ـ كما قال شاعرك المجيد ـ ونعم ما قال…

شامس في القُرًّ، حتى إذا ما ذكت الشِّعرى فبردٌ وظلُّ

يابس الجنبين من غير بؤس وندي الكفين، شهم مدلُّ

ظاعن بالحزم، حتى إذا ما حلّ، حلّ الحزم حيث يحلُّ

ــــــــــــــــ هوامش:

(1) نشر هذا الكتاب في سبع مقالات بمجلة «المجلة» عامي 1969 ـ 1970م ونشرته دار المدني بجدة 1416هـ ـ 1996م. (2) المتنبي، ص 22/أ. محمود شاكر. دار المدني بجدة ـ مكتبة الخانجي بمصر 1407هـ/1987م. (3) المتنبي. ص 23 ـ 24، أ. محمود شاكر. مصدر سابق (4) المصدر السابق، ص 23 ـ 24. (5) في كتاب «أباطيل وأسمار» فصّل الشيخ القول في أوجه المخالفة بينه وبين د. طه حسين في مفهوم المنهج وآلياته التطبيقية، وهو يخوض الجولة الأولى في صراعه مع «لويس عوض» وقد صرح في كتاب «المتنبي» بأن صراع المناهج يشبه في حدته فعل المتصارعين على حلبة المصارعة يقول: إن شطر التطبيق: هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول وتتناص الحجج، أي تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين. ص 22. المتنبي. مصدر سابق. وقد نبه إلى ذلك في كتابه المتنبي ص 21، هامش (1) إذ يقول: «بل الفصل كله، بل الكتاب كله، مشتمل على بيان لما يسمى «منهجا» ومتصل بما أقوله هنا اتصالاً لا انفكاك له «ص 21 المتنبي. مصدر سابق. (6) انظر: نمط صعب ونمط مخيف، ص 203 مصدر سابق. (7) أباطيل وأسمار ص 9 ـ محمود شاكر. (8) نمط صعب ونمط مخيف، ص 54، مصدر سابق. (9) نمط صعب ونمط مخيف، 121 ـ 122 مصدر سابق وانظر ص 43، 24، حيث نبه المؤلف إلى قضية عيوب الرواية وجهل النساخ. (10) انظر: موسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور لكاتب الدراسة، ص 25، مكتبة الخانجي بالقاهرة 1413هـ/1993م. (11) انظر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 6، مطبوعة مع كتاب المتنبي، مصدر سابق. (12) انظر، نمط صعب، ونمط مخيف، 6 ـ 9. مصدر سابق. (13) انظر: نمط صعب، ونمط مخيف، ص 278. مصدر سابق. ونلاحظ أن هذه التغيرات التي تطرأ على التفعيلات داخل النسق الإيقاعي للبحر الشعري تتنوع من تغير حركي، إلى تغير بحذف بعض الحروف، إلى تغيير بزيادة بعض الحروف، إلى تغيير مزدوج باجتماع زحافين في تفعيلة واحدة، وحروف الكلمات التي تقابل حروف التفعيلات تختلف بعضها مع بعض، مابين حروف ساكنة وحروف طويلة وحروف لينة، وهذا الاختلاف الصوتي ـ كما يقول د. محمد غنيمي هلال «ينوع الموسيقى، وينوع معاني الإيحاء الموسيقي في الوزن الواحد [انظر: النقد الأدبي الحديث، د. محمد غنيمي هلال ـ دار الثقافة ـ بيروت. ويرى د. محمد مندور: أن الزحافات والعلل لا تؤدي إلى تغيير النسق الموسيقي العام للبيت الشعري،وقد يكون بعضها مما لاتكاد تدركه الأذن، وإنما يكتشف بالتقطيع لا بالترجيع، وبعضها الآخر يستدرج بعمليات تعويض عند إنشاء الشعر «الأدب وفنونه، د. محمد مندور، ص 34، 37، دار النهضة مصر للطبع والنشر ط. 2. (14) أطلق د. عبدالله الطيب «نمط صعب» على «المديد التام». انظر: الفصل الثاني، من الجزء الأول، كتاب: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، من ص 137 ـ 142، د. عبدالله الطيب. دار الفكر ط. 2 1970م (15) انظر: نمط صعب، ونمط مخيف، ص 181 ـ 183 مصدر سابق (16) انظر: التجديد الموسيقي في الشعر العربي ص 14، د. رجاء عيد منشأة دار المعارف بالإسكندرية 1987م وانظر: موسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور لكاتب الدراسة، ص 27. مصدر سابق. (17) انظر: في هذا المعلم من معالم المنهج، نمط صعب،ونمط مخيف، الصفحات الآتية على التوالي، 113 ـ 168 ـ 176 ـ 180 ـ189، 276، 278. ومن النقاد البارزين الذين عنوا بإبراز هذا الجانب الصوتي في التجربة الشعرية الدكتور عبده بدوي في كتابه القيم «دراسات في النص الشعري ـ العصر العباسي». دار الرفاعي للنشر والطباعة بالرياض ط. 2 1405هـ ـ 1984م. وكتب شيخنا «أبو فهر» في مجلة «المقتطف» عام 1940 م حول هذه القضية تحت عنوان «علم معاني أسرار الحروف: سر من أسرار العربية». (18) انظر: نمط صعب، ونمط مخيف، ص 145 ـ 146 مصدر سابق. (19) السابق، ص 191. (20) السابق، ص 259. (21) يفسر الأستاذ فتحي رضوان في مقاله «الأسلوب والرجل» حدة شيخنا وسخريته من مخالفيه الذين يجهلون التراث أو يخطئون في تفسيره قائلا «إن الشعر الجاهلي عند محمود شاكر، هو عرض حقاً، لقد وجد فيه نفسه، ورأى في مرآته أمته العربية من أبعد آمادها على فطرتها الأولى، قبل أن تفسدها الأيام وتعبث بها، وتضيف إليها، وتغير فيها صروف الزمان. ورأى أن العدوان على الشعر الجاهلي: إنما هو بداية الكيد لهذه اللغة كلها ص 414. دراسات عربية وإسلامية. مكتبة الخانجي بالقاهرة 1982م. (22) انظر: نمط صعب، ونمط مخيف ص 259 ، 260 مصدر سابق، وانظر ص 143، 144 من الكتاب نفسه. (23) انظر النماذج المتعددة لاستدراكات الشيخ شاكر وتصحيحه لآراء علماء اللغة والرواة وشراح الشعر في الصفحات الآتية على التوالي من كتاب «نمط صعب، ونمط مخيف» 162 ـ 164 ـ 177 ـ 182 ـ 191 ـ 209 ـ213 ـ 224 ـ 225. (24) انظر المتنبي، محمود شاكر، ص 36، 37 مصدر سابق (25) انظر: نمط صعب، ونمط مخيف، ص 169 مصدر سابق، وانظر أباطيل وأسمار ،مكتبة دار العروبة بالقاهرة 1385هـ، ص 147، 152، والمتنبي»، ص 11. مصدر سابق.

نشر في مجلة (الأدب الإسلامي)عدد(16)بتاريخ (1418هـ)

(18) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

One Thought to “العلامة محمود شاكر في مواجهة النص: رؤية ومنهج، للدكتور صابر عبد الدايم”

  1. في أمسية بأدبي المدينة المنورة..
    د.عبدالدايم: حياة شاكر تكشف عن منهج أصيل.. وقلم مناضل عن اللغة العربية
    http://www.alriyadh.com/743711
    وصف الدكتور صابر عبدالدايم في أمسية بنادي المدينة الأدبي الثقافي أقيمت بعنوان “محمود شاكر في مواجهة النص” ما تمثله المدارس والمناهج النقدية من الكثرة والتوسع.. مشيرا إلى أنه بات لدينا كل عشر سنوات منهج نقدي جديد يلغى المنهج الذي قبله، وأن حياة العلامة محمود شاكر تكشف عن جهاده المتواصل ومنهجه الأصيل في ميدان الكلمة النقية، التي تتخلص من العجمة والغربة والاستلاب.. جاء ذلك خلال حديثه في الأمسية التي أدارها الدكتور عبدالرحيم عسيلان.
    ومضى المحاضر مستعرضا عددا من معارك شاكر مع كل من طه حسين والكاتب لويس عوض مشيرا إلى كتابة المهم المعنون بنمط صعب ونمط مخيف، متناولا بتحليل شامل لقصيدة تعد من عيون الشعر العربي والتي ذهب عدد واسع من النقاد إلى أنها تنسب للشاعر تأبط شرا فيما خلص شاكر بعد دراسة مستفيضة أنها لابنة أخت الشاعر تأبط شرا.
    وقال د.عبدالدايم: إن العلامة شاكر قدم دارسة كاملة عن هذه القصيدة تلقن أجيالنا المعاصرة والقادمة الدرس العميق والرؤية الجادة في كيفية تحليل الإبداع العربي وفق منظور خالص من الشوائب، في وقت غزتنا فيه المناهج الأجنبية حيث بتنا نلوك كلام الأجانب الذي فيه الضار والنافع القليل الذي يهزمنا من داخلنا.. مشيرا إلى أن الإعلام اهتم بالعلامة محمود شاكر في فترة متأخرة حيث كان يجهله، وكان البعض يخاف منه خوف الهيبة بسبب ثرائه المعرفي مشيرا إلى أن الحاجة باتت ملحة اليوم لكتابة سيرته بطريقة شاملة.. مستعرضا في حديثه ما تتميز به شخصية شاكر من أبعاد إبداعية، حيث خرج ديوانه بعد وفاته، إلى جانب البعد الأسلوبي في فن المقالة.. مشيرا إلى كتابه(أباطيل وأسمار) الذي رد فيه على الكاتب لويس عوض الذي كان ملء السمع والبصر، واستطاع – بحسب تعبيره – أن يضع لويس عوض في حجمه الحقيقي.. لما انطلق منه شاكر من رؤية شمولية لا تستكين للمتوارث وهي تتصادم مع المناهج الحديثة في تحليل النص التي من بينها المنهج النفسي والتاريخي والاجتماعي ثم البنيوي والتفكيكي والسيميائي، مضيفا أننا أصبحنا في الجامعات لا نعرف ماذا نتبع حيث بات لدينا كل عشر سنوات منهج جديد مناهض لما سبقه.
    وأشار المحاضر إلى أن الصراع الذي حصل بين العلامة محمود شاكر وبين طه حسين في فترة مبكرة حين شكك الأخير في الشعر الجاهلي، بأنه يكاد كله أن يكون منحولا مقلدا بذلك المستشرقين، حيث تصدى له شاكر رغم صغر سنه حينها إلا أن طه حسين تعالى عليه فانسحب من الجامعة والحياة الأدبية ولازم منزله عشر سنوات يقرأ ويحلل ويتأمل في هذه النظريات.. حيث شهدت المحاضرة عدداً من المداخلات بينها مداخلة لرئيس نادي الاحساء ظافر الشهري الذي أشار إلى أن المحاضر لم يتطرق لما دار بين محمود شاكر وبين علماء العراق والشام عندما حقق كتاب (طبقات فحول الشعراء) وأضاف شاكر كلمة (فحول) في العنوان التي لم تكن موجودة، فاختلف معه كثير من العلماء مثل جواد الطاهر وقالوا إن شاكر أضاف شيئاً لم يكن بالمخطوط وما كان من شاكر حينها إلى أن ألحق في طبعته الثانية ردا عليهم اسماه (برنامج طبقات فحول الشعراء) يكشف عن قدرته الفائقة في الغوص في دقائق النصوص.
    من جانبه ذهب د.عسيلان إلى أن محمود شاكر جمع بين أمرين لا يجتمعان عند غيره فهو باحث مدقق وبأنه صاحب قلم مبدع فيما كتبه عن المتبني، إلى جانب ما قدمه من محققات نوعية في تراثنا العربي (طبقات فحول الشعراء) وأجزاء عديدة من (تفسير الطبري) وكتاب الإمتاع للمقريزي.

Leave a Comment