تعلق العلامة محمود شاكر بالشرع والشريعة (تعقيبات وتنقيدات على الشيخ عبد الكريم الخضير)، لأبي نعيم وليد الوصابي


صباح الجمعة، ١٤٤١/١٠/٢٧، أرسل لي أحد المشايخ، على الماسنجر، سلاماً وسؤالاً عن الحال..
ثم أتبعه، بمقطع صوتي، للشيخ العالم عبد الكريم الخضير -سدده الله-، ثم عقب قائلاً: اسمع للكارثة هذه .. اسمع ما يقول الخضير عن أبي فهر، وكيف كانت حجته في ذلك، ما رأيك؟

فلما استمعت لذياك المقطع، كان هذا الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أنا بخير، والحمد لله، وأرجو أن تكون كذلك.

والله، لقد استمعت كلام الدكتور الشيخ عبد الكريم الخضير، وأعَدْته؛ لأتأكد من هول ما قال، فتعجبت جداً.. كيف يقول الشيخ عبد الكريم، هذا الكلام العاري عن الصحة، والبعيد عن الحاق، وهو خريت ماهر في الكتب؟! كيف خفي عليه، أو كيف التبس عليه؟!
لا أدري!

يقول الشيخ الخضير -بنص كلامه-: الشيخ الكبير، محمود المصري، هو كان أديب، ولا علاقة له بالشرع، ولا بالعلوم الشرعية!
ثم استدرك، فقال: لكنه في آخر عمره؛ سلك مسلكاً طيب! واعتدل، وفارق الأدباء … ثم أخذ يبين حال الأدباء المصريين في ذلك العصر!

قلت في نفسي: لعله يعني محموداً آخر، لكن، خاب ظني، فإذا هو هو المعني والمراد والمقصود!

ثم قلت: كيف ذلك، ومحمود شاكر، رُبِيَ على الشرع، وربِّي على الدين، ودر من معينه، وارتضع حب الإسلام منذ نعومة أظفاره.. فقد تربى على عين والده العلامة القاضي محمود شاكر، وعلى يد أخيه العلامة المحدث أحمد محمد شاكر -رحمهم الله- ولم يكن مجرد تعليم، فحسب، بل تعلم وعلم وعمل ودعا وجادل وناظر وخاصم، حتى لاقى في سبيل ذلك، الألاقي والمكائد، وكابد في ذاك، المصاعب والمتاعب، وهو في مقتبل عمره، فقد كان في عقده الثاني، أو أوائل الثالث؟!

ثافن العلوم صغيراً، وزاحم العلماء بركبتيه الصغيرتين، وهو دون الحلم.. فقد تعرف بالعلامة سيد بن علي المرصفي، وعمره ثلاث عشرة سنة، أي: عام ١٩٢٢م.
(جمهرة مقالات محمود شاكر: ١١٨٩)

واتصل سببه، بالأديب الغيور مصطفى صادق الرافعي، وعمره أربع عشرة سنة، أي: عام ١٩٢٣م.
(مجلة الرسالة، العدد: ١٧٠)

وفي عام ١٩٢٧م، انعقدت صلته بجمعية الشبان المسلمين، وبأحد مؤسسيها، وهو العلامة محب الدين الخطيب، ومعلوم، ما لهذه الجمعية من دفاع عن الإسلام، والذوذ عن حياضه؛ إذ كانت في مقابلة، جمعية الشباب المسيحيين!
وحسبك بالعلامة محب الدين، الذي حرص على نشر الفضيلة والمعرفة، ونشر عقيدة السلف، والرد على أعداء الدين، ومناوءة الداعين إلى اللاتينية، ومهاجمة المتأسلمين، على صفحات مجلاته (الزهراء) و(الفتح) وفي رئاسته، لمجلة (الأزهر) ومجلات الآخرين!
ينظر: (مجلة العصور، العدد: ٢)

ومحمود، من صغره، ولم يعجم بعد عوده، وهو يحمل هم الإسلام، والدفاع عن القرآن، والرد على الزائغين والحائفين.. ففي ريعان شبابه، أرسل محمود، إلى شيخه الأديب الغيور مصطفى صادق الرافعي، رسالة يستحثّه فيها بالرد على كلمة نشرت بإحدى الصحف، يزعم كاتبها أنها، أفصح من كلمة وردت في القرآن.

ووصف الشيخ محمود، كلمة الكاتب بأنها كلمة كافرة، وحمّل الرافعي أمانة الرد
عليها، وإيضاح الإعجاز البياني، في قوله تعالى: “ولكم في القصاص حياة”، مقابل قولهم: (القتل أنفى للقتل) والتي زعم قائلها، أنها، كلمة جاهلية.
ينظر: (وحي القلم: ٣/ ٢٤٨)

كل هذا، يعلم، أن العلامة محمود، لم يسلك بنيات الطريق، ومعوجات الدروب، بل هو مؤمن من أول يوم!

ثم، إن تناظره مع أستاذه طه حسين -وهو صاحب الفضل عليه، في قبوله الجامعة-، إلا أن محموداً، لم يعبأ بهاته الصنيعة -وهو حافظ للود والمعروف، وله ثناء عطر على أساتيذه-، لكنها تسقط كل علاقة، إذا خالفت الفطرة، ونازعت الإسلام، وناقضت الدين، فأشهر سيف الحق، وأظهر جدال الخلق، وأفحم أستاذه وفضحه، كفاحاً بين يديه، ثم أمام الملأ، على صفحات المجلات، وفي بطون الكتب.. فكان جزاؤه، الخروج من الجامعة، بل لم يطق المكوث، فخرج من مصر كلها!
كل هذا، وهو يدافع عن قضية قاضة، وهي انتحال الشعر الجاهلي؛ ليُطعن بذلك، في القرآن الكريم! فرفع عقيرته، يوم أن كان العالم الإسلامي، يضج بأكابر العلماء، إلا أنه تصدرهم وبدهم وبزهم!

ثم سافر بعدها، إلى المملكة العربية السعودية، وأنشأ هناك مدرسة جدة، التي أسست على التقوى من أول يوم، وشاركت في محو أمية كانت وشاعت، واقتفت أثر مدارس الإسلام، التي أخرجت فحول العلماء وملوحهم!

ثم هو، يرد بضراوة وصرامة، في مقاله اللاهب، “لا تسبوا أصحابي”، يرد به على الأستاذ سيد قطب، في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، ويذود عن الصحابة الكرام، ويقرر مكانتهم العظيمة، ومنزلتهم الرفيعة في الإسلام.
ينظر: (مجلة المسلمون، العدد: ٣)

وهو مع هذا.. كثير الذكر للسلف الصالح، وسلامة منهجهم، والنعي على حضارة أوروبا الزائفة، والرد على المستشرقين، وأعداء الإسلام من المأجورين، وينخي على الفرحين بها، والمنتمين إليها.

وترى قضيته الأولى والأخرى، هي العودة بأهل الإسلام إلى نصاعة الإسلام وصفائه ونقائه، وتسمع لصدره أزيزاً، وتلمح دموعاً حرى تتساقط من مآقيه؛ لما حل بالمسلمين من تقهقر وتهور!
ونظرة عجلى على جمهرة مقالاته، ترى الغيرة حقاً وصدقاً على الإسلام والمسلمين!

أقول: أين ذهبت مناظراته الطويلة، في (أباطيل وأسمار) مع الدكتور لويس عوض، ومسحه السفود، كل هذا نضالاً عن شريعة الإسلام؟

كيف انمحت، رسالته الجادة (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)- التي يجدر بالنشء أن يقرؤوها، ويدركوا حجم المؤامرة؟!

كيف اختفت، رسالته الفذة (نمط صعب ونمط مخيف)- الذي رد في أثنائها، على صديقه الحميم يحيى حقي؟!

أين ذهبت تعاليقه العالية الغالية على “تفسير الطبري” وعلى “إعجاز القرآن” للجرجاني وغيرها من التحاقيق الحاقة- والتي فيها روح الإسلام، والرد على الفرق المبتدعة بدليل وتعليل؟!

أين وكيف ولمَ.. ذهب كل عمر الرجل الطويل الحفيل، في مصاولته ومزاولته ومجاولته ومجادلته ومنافحته ومناقضته؟!

ولا أدري، لعل الشيخ عبد الكريم، يعني: اشتغال محمود شاكر، أولاً، بكتب الأدب والشعر على العموم دون التفات إلى تمييز، لا سيما، تصريحه، في وصفه المرحلة الزمنية من (١٩٢٦ – ١٩٣٦م) -أي من السابعة عشرة، إلى السابعة والعشرين- والتي يصفها، بأنه: بدأ يحس إحساساً مبهماً، وأنها حياة أدبية فاسدة، يقول: فلم أجد لنفسي خلاصاً، إلا أن أرفض -متخوفاً حذراً- شيئاً فشيئاً، أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية”!

ولا أتوقع ذلك؛ لأمرين:
الأول: إن هذا الوصف، لا ينطبق على الواقع، بل إن هذا الكلام والاعتراف، يؤكد مقدار الحمية الإسلامية، التي ترتكض في صدر الفتى الصغير، فهو يعدّها حياة فاسدة؛ لأنه يقرأ كل ما وقعت عليه يده، وهذا شأن النهم الجموح!
وإذا كانت هذه حياة محمود، في مقتبل عمره، فلعمري، إنها حياة لفيف من المتدينين، في جميع مراحل أعمارهم!

الثاني: إن عمر الشيخ في هذه الحقبة، لم يخنق الثلاثين من عمره، بل كان في السابعة والعشرين، وهي سن صغيرة، مقارنة بعمره الطويل الحافل، فكيف يقال: تاب أو رجع في آخر عمره؟!

ولا يتأتى أيضاً، محاولة محمود، بالانتحار، في قطع شريانه بالموسى، ولكن، قضى الله أن لا يتم ما أراد -والحمد لله-.
ولا يدرى حقيقة الأسباب الكامنة وراء الإقدام على هاته الفعلة الرهيبة، فأرجعها بعضهم: إلى عاطفة حب فاشلة، وآخرون: إلى تضحيته نفسه وجامعته في قضية الشعر، دون أن يجد مناصراً على ذلك، لا سيما، بعد رجوعه من الحجاز، دون الحصول على ما يريد، ويرى الرافعي، أن السبب في ذلك: إلى فراغ حياته من المرأة، وكونه رجلاً عزباً متعففاً.
ويواسيه بمقالات “الانتحار” معاتباً إياه، قائلاً: “أكذلك المؤمن”؟!

وأقول: لعل دوافع ذلك، ليس واحداً، بل هي أسباب متعددة متطاولة، لم يجد لها حلاً، ولم يطق بها حملاً، فأراد الراحة والاستراحة -على حد تفكيره آنذاك-!

ولا أظنني بحاجة، إلى تكلف الاعتذار له، عن إقدامه على هذا الحادث الجلل، ولا أريد -أيضاً- أن أستدل على إرادته هذه، ببراهين وأدلة، ولكن، حسبي، أن أقول: إن محموداً، بشر، تصيبه ما يصيب الناس، من المضايق والعوائق، وفعله خطأ محض، حرمه الإسلام وهوله، ولم يقره هو نفسه بعد ذلك، ولكنها، ساعة ضعف، وصغر سن، وتخلي الصديق، وفقد المعاون، “ولكن الله سلم”.

ولا يأتي هنا.. انهماكه وإسرافه -كما قيل- في التدخين، ولا يكاد يرى، إلا في يده سيجارة!
فإن هذه المعصية، لا يجعل العلامة، ليس له تعلق بالشرع، بل هو خطأ، يتعامل مع فاعله، في حيزه ونطاقه، وقد كان مجموعة من علماء الإسلام، ممن ابتلي بالتدخين، بل وألف بعضهم تواليف، تبيحه، وتخرجه من حيز المكروه، ناهيك عن المحرم!
ثم إن المشهور في زمن محمود وما والاه.. أن التدخين، مكروه لا محرم!

ولا يجيء أيضاً.. خلطة شاكر، لكثير من أدباء ذلك الوقت وشعرائه، وفيهم من فيهم من الانحراف والزيغ.
ولا ضير في ذلك ولا ضر؛ لأنه كان متسلحاً بسلاح الإيمان، ومتوشحاً قوة البرهان، وقد كان، نعم يخالط، وقد يضم مجلسه ومنتداه لفيفاً من أشتات الفكر، وربما الديانات، ولكنه يجمعهم الأدب والشعر، لكنه لا يداجي أو يحابي أحداً على حساب الدين، أو النيل من السلف وسادات المسلمين.

وهاته بعض أقواله، التي ترشح تُقى وإيماناً، ونقى وإيقاناً، وهو في رهاوة الشباب وطراوته..

يقول: “وصار حقاً علي واجباً.. أن أستخلص تجارب خمسين سنة من عمري قضيتها قلقاً حائراً، أصارع في نفسي آثار عدو خفي، شديد النكاية، لم يلفتني عن هول صراعه شيء، منذ استحكمتْ قوّتي، واستنارت بصيرتي، ومنذ استطعت أن أهتك الستر، عن هذا العدو الماكر الخبيث= ثم صار حقاً علي واجباً.. أن لا أعرّج على بُنيّات الطريق، إلا بعد أن أجعل الطريق الأعظم الذي تشعبتْ منه واضحاً لاحباً مستبيناً= ثم صار حقاً علي واجباً.. أن لا آلو جُهداً في الكشف عن حقيقة هذا العدو، وعن حقيقة الصراع الذي عانيته وحدي على وجه من الوجوه، والذي عانيته مع أمتي العربيّة الإسلاميّة على وجوه أخر”.
(أباطيل وأسمار: ٩ – ١١)

وقال: “ومنذ هداني الله إلى الاشتغال بطلب العلم، وأنا أصاحب أبا جعفر في كتابيه: كتاب التفسير، وكتاب التاريخ، فقرأت تفسيره صغيراً وكبيراً، وما قرأتُه مرة، إلا وأنا أسمع صوته يتخطى إلي القرون: إني لأعجب ممن قرأ القرآن، ولم يعلم تأويله، كيف يلتذّ بقراءته؟ فكنت أجد في تفسيره مصداق قوله رضي الله عنه”.
(تفسير الطبري: ١/ ١١)

وقال: “فأضمرتُ في نفسي، أن أنشر هذا الكتاب، حتى أؤدي بعض حق الله علي، وأشكر به نعمة أنالها -أنا لها غير مستحق- من رب لا يؤدي عبد من عباده، شكر نعمة ماضية من نعمه، إلا بنعمة منه حادثة، توجب عليه أن يؤدي شكرها، هي إقداره على شكر النعمة التي سلفت؛ كما قال الشافعي رضي الله عنه.
وتصرم الزمن، وتفانت الأيام، وأنا مستهلَك فيما لا يغني عني شيئاً، يوم يقوم الناس لرب العالمين، حتى أيقطني عدوان العادِين، وظلم الظالمين، وطغيان الجبابرة المتكبرين.. فعقدت العزم على طبع هذا التفسير الإمام، أتقرب به إلى رب العالمين، ملك يوم الدين”.
(تفسير الطبري: ١/ ١٢)

وعلى كل، فالشيخ عبد الكريم، حبيب إلينا، والشيخ محمود، محبوب إلى قلوبنا، والحق، أحب منهما، “والحق أحق أن يتبع” فنقول بلا غضاضة: لقد أخطأ الشيخ عبد الكريم، خطأ فادحاً، في حق العلامة الكبير، والمحقق النحرير، محمود شاكر -طيب الله روحه، وروح ضريحه-، “وما شهدنا إلا بما علمنا” وقرأنا وسمعنا “والله غالب على أمره” وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/١٠/٢٧

(185) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment