كالفاخرة بحدج ربتها


من العرب علماء هاجروا في أرض الله الواسعة، وخالطوا غيرهم طويلا، وتعلموا، وعلموا، حتى صاروا كأنما وُلِّدوا ولادة جديدة. ومن العرب علماء لم يهاجروا، ولم يُولَّدوا، ثم كانوا في مقامات الاستمجاد العربي الطريف يفخرون زُورًا بأولئك العلماء المهاجرين المُولَّدين، على مقتضى المثل القديم: “كالفاخرة بحِدج رَبَّتها”، والحِدْجُ مَركبٌ نِسائيٌّ!

ولا يرتاب عاقل في أن هؤلاء المقيمين غير المُولَّدين لو أصابوا لاستقدموا أولئك المهاجرين المُولَّدين، وأشركوهم في أبحاثهم، فاستفادوا، وأفادوا، وحُقَّ لهم عندئذ أن يفخروا بما أنجزوا.

واللغة كصاحبها، تفعل مثلما يفعل، وهي مجاز عنه، أشبه شيء بالحقيقة، تقول: لغة فلان قوية أو ضعيفة، أي فلان قوي أو ضعيف، ولغته غنية أو فقيرة أي هو غني أو فقير…، وهلم جرا! لا يجوز أن تدعي اللغة العربية لنفسها ما اكتسبته لُغَويّاتٌ (مكوِّنات) منها هاجرت عنها، حتى تستقدمها وتشركها في متنها فتستفيد وتفيد، ويحق لها عندئذ أن تَدَّعي مكتسباتها.

ولا بأس في قدوم هذه اللغويات المهاجرة، بأن تصطحب كلَّ ما تُرجم إلى لغتها أو صِيغ على وَفقها، ما بقي الاحتكام في اتساع متن اللغة لذلك كله، إلى الاستيطان والاستفادة والاستعمال. أما البأس فبأن ترسل اللغة العربية “معجمها التاريخي”، يطوف على “لغوياتها المهاجرة” حيث هاجرت، يَتكفَّفها فَضْلَ مُكتَسَباتها، مثلما يتكفف العرب فَضْلَ صندوق النقد الدولي، ثم يعود به إليها، لتفخر به!

(52) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment