أدب الأوبئة


الأدب لسان المشاعر، فإذا بثنا الأديب من أدبه أطلق عن مشاعره -و”لَابُدَّ لِلْمَصْدُورِ أَنْ يَنْفُثَ”، كما قال الجاحظ- ليُقيمنا في مثل مقامه إذا أحسنّا التلقي عنه. لقد عجب الشرطي في قصيدة البردوني “سندباد يمني في مقعد التحقيق”، من السندباد (رمز الحرية والطموح والجسارة)، أنه لم يَعرف عنه الأدب من قبل، ولكنه يراه الآن أديبا؛ فيسأله عن سر هذا التطور: “فَجْأَةً ظَهَرْتَ أَدِيبًا”! فيقول له: “مُذْ طَبَخْتُمْ مَآدِبِي”! وإذا شاء فهمها على أنه يثني على تشجيع الشباب الذي فَجَّرَ فيهم مواهب لم تكن، وإذا شاء فهمها على أنه يسخر من تَأْزيم الشباب الذي يُنطِق الَحَجر! وعلى المعنيين كليهما ينبهنا هذا الشاعر الكبير على أن نستعد لآثار النَّوازِل، أي المصائب الداهمة!

ولقد اختلف الناس في تلقي طوارئ نازلة وباء كورونا التي نزلت بهم أوائل عام 2020 الميلادي، ولا يدرون متى تتركهم: فكان منهم من استخف بها حتى تجاهلها، وكان منهم من اضطرب لها حتى عطَّل مسيرة حياته، وكان منهم من توقف فيها حتى يتبين مساره ويعيد ترتيب أعماله، وعن هذا الصنف الثالث أتكلم في هذا المقال؛ فقد كانت منه طائفة من المتأدبين (طلاب الأدب) والأدباء (أصحاب الأدب)، اشتغلت بتسجيل حركة المشاعر البشرية في أثناء تلقي وباء كورونا، فاستحدثت نصوصا أدبية متعددة مختلفة تستحق أن تجمع لتوضع فيها أبحاث علمية متخصصة، ربما انتهت إلى تحديد معالم جنس أدبي جديد يجوز أن يسمى “أدب الأوبئة”، لا أدعي أنه لم يمر بالناس من قبل، ولكنني أدعي أنه جدت له معالم جديرة برؤيته جنسا جديدا!

من نصوص هذا الأدب قصائد طويلة وقصيرة ووسيطة، ابتدأها أصحابها، أو دُعوا إليها، أو تنافسوا فيها، لا أنكر أنها اشتملت على خطابةٍ أَعلَق بالنثر، ولكنني أدعي أيضا أنها لم تخلُ من بَوح شعري استقر في مكانه الطبيعي. وفيما يأتي أعرض نصا للأستاذ نصر بن محمد الخروصي، خريج قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية من جامعة السلطان قابوس، المنهوم بعلوم العربية وآدابها، الحريص على استمرار صلته بأنشطة الجامعة وكأنه ما زال فيها:

كورونا

لنصر بن محمد الخروصي

١٨ مارس ٢٠٢٠

“خطورتُك الكبيرةُ يا كُرُونا أثارتْ رعبَ كلِّ العالمينا

فأضحى الناسُ من رُحبِ النوادي إلى ضيقِ المنازلِ يُهرَعونا

وجافَوْا شغلَهمْ صبحًا مساءً وباتوا بالمحاذرِ مُلْتَهِينا

كأنك ناشرٌ في الأرضِ جندًا سراعًا للورى تَرمي المَنونا

حمانا اللهُ من ضرِّ الليالي ومن عبثِ الأعادي الماكرينا

وأَنعمَ بالسلامةِ والتعافي على الأوطانِ أجمعِها قُرونا

يسودُ بها الأمانُ بلا وباءٍ تُراعُ به قلوبُ الهانئينا”.

قصيدة قصيرة أراد لها صاحبها أن تكون رد فعل مساويا للوباء في القوة ومضادا له في الاتجاه، فاختار لعَروضها بحر الوافر الوافي وقافية النونية المفتوحة المردفة بياء المد أو واوه، وحرص في لغتها على أن تكون سهلة قريبة خفيفة سلسة، وقدم الاعتراف بخطر وباء كورونا الشديد وما حوَّل من أحوال الناس، ليوهمنا أنه من ذلك الصنف الثاني الذي ذكرناه في أصناف متلقي الوباء، ثم ختم باستنفار إيمان عميق كفيل بتأليف الجهود ضد الوباء، فأكد أنه من الصنف الثالث!

(6) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment