في ضيافة الشريقي


من قديم يَضيف العلماءُ الشعراءَ (ينزلون عليهم ضيوفا)، منذ كان أبو عمرو بن العلاء أستاذ العلماء يَضيف بشار بن برد أستاذ الشعراء إلى اليوم، يَتَغَنَّمون قِراهم -وإكرام الضيف واجب- فيتخيَّرون لهم أطيب ما عندهم، “وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ”، كما قال مسلم بن الوليد، وما شعرُ الشاعر وما نفسُه! لَئِن لم يكونا معًا لَيَكُونَنَّ أعجلُهما إلى اطِّراح صاحبه أُكْلَةَ الذئب المترصّد!

وقد ضِفْتُ سُليمان بن أحمد الشريقي؛ فضَيَّفَني قصيدتَه “قِرَى” الفائزة بجائزة “شاعر الخليل” الأولى، التي قدَّمها لي بالرسم الآتي: 

“قِرَى.. 

  • وكانَ يُصغي..

-إلى ماذا؟

وكانَ يَرى..! 

ويخلعُ الوقتَ حتَّى يَعبُرَ الأُطُرَا

  • وكانَ يَهربُ من أسمائِهِ،

ويدٌ تشدُّهُ نحوَها؛

فاستوحَشَ الصُّورا

  • وكانَ يُومِئُ للثَّلجِ الذي انكمشتْ

طُقوسُه فانطفا في رُوحِهِ شَرَرا

  • مِن وَشوشاتِ الأنا تَنسَلُّ عَتْمتُهُ

شفيفةً تفضحُ الضوءَ الذي اعتذرَا

  • وظلَّ يبحثُ عن مَعنًى.. 

ونافذةٍ منها يُطلُّ على أحلامِهِ سفرا

  • تملَّكَـتْهُ فُصولُ الرِّيحِ فانكفأتْ

جِهاتُهُ في غَيَابَاتِ المَدى قدرا

  • ينزاحُ عن ظلِّهِ.. 

تغشاهُ لحظتُه.. 

يَفِرُّ منهُ إليهِ كلَّما عَثَرَا

  • حتَّى تلاشى ضبابا.. 

سقفُ عُزلتِه لهُ سماءٌ

على أبوابِها انتظرَا

  • هناكَ.. 

وانبلجَ الإنسانُ مِن دَمِه

صحوا تَنهَّدَ في صحرائِهِ مَطرا

  • ليُوقِدَ الماءُ من خَيماتِه لُغةً

زرقاءَ يَبسُطُها للعابرينَ قِرى..”.

قصيدة طَليّة، بسيطية الأبيات الوافية المخبونة العروض والضرب، رائية القوافي المفتوحة المجردة الموصولة بالألف، عشرة أبيات مُوزَّعات على ستة وعشرين طَبَقًا (سَطْرًا)، دالّات على مبلغ كرم ضيافة صاحبها (قِرَاه)، بنفاسة المكوِّنات وشدة الاجتهاد في الإعداد:

أول أبيات “قراه” هذه العشرة صورة من مكابدته إدراك الوقت العجول قبل أن يتفلت منه، وثانيها صورة من مكابدته مدافعة الظن المريب قبل أن يُوئسه، وثالثها صورة من مكابدته اصطناع التغيير المرجو قبل أن يجمده البقاء على حاله، ورابعها صورة من مكابدته سياسة أنانية النفس الحَرون قبل أن يحتبس أثره، وخامسها صورة من مكابدته اصطياد الحلم الأبيّ قبل أن يختفي خياله، وسادسها صورة من مكابدته استخفاف الإقدام القتّال قبل أن يجني عليه استثقاله، وسابعها صورة من مكابدته توثيق الانتماء الأصيل قبل أن تتخطفه السبل، وثامنها صورة من مكابدته انتزاع الحرية الكريمة قبل أن يأسره القهر، وتاسعها صورة من مكابدته تقدير الوصول الرفيع قبل أن يضيع جهده، وعاشرها صورة من مكابدته تفجير الإبداع المدهش قبل أن تنصرف عنه الآمال المعقودة عليه.

تلك عشر مكابدات كاملة، أحسن بها مضيفنا ضيافتنا؛ فاستحق تقديرنا، ومثله لا يجتهد في الضيافة ليقال كريم، بل ليصدق نفسه، ومن صدق نفسه نجا، وليس أصدق للنفس من إطلاقها عن يقين وإخلاص وإتقان وثبات ورضا، حرةً توزِّع أقراءها (جمع قِرى)، على الناس جميعا، ضِيفانًا وغير ضِيفانٍ، مِرارًا مِرارًا، ما بَقِيَتْ وبَقُوا، رغبةً في تنوير بصائرهم وتقويم مسالكم وإخصاب إنسانيتهم.

(13) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment