تعلمية الإنتاج الكتابي وإضاءات علم النفس العرفاني، لشفيق الجندوبي وبلقاسم حمودة


يعتبر الإنتاج الكتابي دون شكّ من ضمن النّشاطات الأساسية الأكثر تعقيدا في اللّغة. وإذا كان رهان التّعلميّة في هذا المجال الوصف العلمّي والاقتراح العمليّ لتيسير تملّك المتعلم لهذه الكفاية » فكيف يمكننا مساعدة المتعلّم على توضيح الاستراتيجيات العمليّة إذا كنّا نجهل كلّ التّمشيات الّتي تظهر أثناء نشاط الكتابة؟  « على حدّ تساؤل كلودين  قارسيا دوبناك C.G.DEBANK .

https://www.new-educ.com/%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%aa%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3

ومن المقاربات الّتي توسّلتها التّعلميّة لكشف التّمشيّات الذهنيّة للمتعلّم-الكاتب المقاربة العرفانيّة. وقد  حاول أصحاب هذا الاتجاه تمييز مكوّنات مستقلة لهذا النّشاط، ليصفوا فيما بعد اشتغال تلك المكوّنات وما بينها من علاقات تبادل وهو ما سنعتمده خلال هذا العرض.

1–  تمشيّـات الإنتـاج الكتابـي

لا بّد في البداية من التّنويه إلى أنّه بالرّغم من أنّ المقاربة العرفانيّة للإنتاج الكتابي عرفت تطوّرا حقيقيّا خلال الفترة الأخيرة، فإنّ  المعارف المنتجة في هذا المجال تظلّ أقلّ  ممّا أنتج  حول  القراءة-الفهم مثلا. ومجمل  الدّراسات العرفانيّة تأتلف حول تمشيّات أربعة ينتظم حولها الإنتاج الكتابيّ هي:

– التّصوّر أو التّخطيط Conceptualisation ou planification        

– الصّياغة           La formulation          

– التّدوين    La transcription             

– المراجعة أو العود المراقب La révision

وسنتتبّع في ما يلي ما يحدث من نشاط ذهنّي داخل العلبة السّوداء للمتعلّم في كلّ مرحلة  الّتي  ذكرنا بفضل إضاءات علم النّفس العرفاني.

1.1- التّخطيـــط

تتمثّل هذه المرحلة في جمع المعلومات والمعارف والأفكار المتعلّقة بالموضوع من الذاكرة طويلة المدى MLT أو المحيط أو من كليهما  فتنظيمها وانتقاء الملائم منها ثمّ إعادة تنظيمها، ومرّد ذلك عدم تطابق بين سلسلة الاسترجاع والتّوارد ونظام التّلفظية([1]) الّذي اختاره الكاتب، والغرض من كلّ ذلك ليس التنظيم فحسب، بل إحداث تراتبيّة  ومفصلة لتلك المحتويات تستجيب للنوايا التواصلية، وعلى سبيل المثال نلاحظ أن الاختيارات وتراتبية الحجج في نصّ حجاجّي يمكن أن تتغيّر بتغيّر المتلقي (طفل، كهل، مختصّ، غير مختصّ) رغم أنّ  النّص واحد والمحتوى واحد.

فكلّ إنتاج  لغويّ يجري فعلا تحت تأثير النّوايا التّواصليّة للكاتب وضاغطات الوضعيّة التّلفظيّة، وهذه الملامح أو الأبعاد الخطابية Rhétoriques  تشمل معلمات مركزيّة paramètres centraux هي:

  • فيم نكتب ؟ (الموضوع) / لماذا نكتب؟  (الهدف)  / لمن نكتب؟  (المتلقّي)

وإضافة إلى المعلمات المركزيّة تشمل أيضا الأبعاد الثّانويّة للكتابة:

  • مكان الإنتاج وزمانه.
  • المكانة الاجتماعية للكاتب.
  • العلاقة بين الكاتب والمتلقّي الحقيقيّ أو المفترض.

كلّ هذه الأبعاد تؤثّر بالغ التأثير على التّصرّف في المحتويات وتوجّه قرارات الكاتبLe scripteur خلال كلّ مراحل الإنتاج الكتابيّ. وتلعب المعارف ذات الصّلة بموضوع الكتابة Les connaissances thématiques عندما يمتلكها كاتب النّصّ دورا هاما وحاسما في ثراء وجودة النّصّ المنتج. وقـد أظهرت الدّراسـات أنّ المعـارف ذات الصّلـة بالموضوع تؤثّر أيضا في مجريات النّشـاط  Le déroulement de l’activité، إذ أنّ عمليّتي البحث وتنظيم الأفكار تجري بصفة أفضل وأنجع كلّما كان للكاتب معارف أكثر ذات صلة بالموضوع، ومرّد ذلك توفير الجهد وتخفيف العبء المعرفي L’allègement des charges cognitives لفائدة إحكام التّصرّف في الأبعاد الأخرى للإنتاج.

إنّ تنظيم المحتويات يكون أيسر عند توفّر”البنية الفوقيّة للنّصّ ” Superstructure textuelle ؛ أي سلسلة منظّمة من صنوف المعلومات Catégories  d’infos…

الّتي يمكن أن تقود ترتيب المعلومات وكذا استرجاعها، وتبدو بنية السّرد الأيسر تنظيما بسبب التّوافق  بين تعاقب الأحداث في الوضعيّة المرجعيّة ونظام لفظنتها وهو ما يفسّر تدريسها في الابتدائي وفي السنة السابعة من التّعليم الإعدادي.

وعلى العكس من ذلك،  فالنّص الحجاجّي، والوصفيّ والتّفسيري يضع الكاتب أمام صعوبات جمّة بسبب تعقّد القرارات الّتي على الكاتب اتّخاذها بخصوص نظام اللّفظنة.

كلّ ما سبق يقودنا  إلى إدراك  أنّ  التّصوّر مرحلة  معقّدة ومكلفة، وبصفة عامّة يعجز غير المدرّب على القيام بهذه  المهمّة على ما يرام ممّا يؤثر سلبيا على باقي المراحل والإنتاج النّهائي للنّص. في حين أنّ متطلّبات اللّفظنة  تفرض استراتيجية لتحويل  المعارف وتنظيمها.

فالمتعلّم المبتدئ  يلفظن للتوّ المعارف كما تتوارد  من ذاكراته في  حين أنّ التّنظيم  والملاءمة مع أخذ  المرسل إليه بعين الاعتبار  تعدّ من الشّروط الأساسيّة للكتابة، فالعائق الإبستيمولوجي هنا هو: عدم التّطابق بين سلسلة توارد الأفكار والمعارف من الذاكرة طويلة المدى ونظام النّصّ.

فكيف أساعد المتعلّم على تجاوز هذا العائق؟

يكون ذلك بـ:

– تجلية نظام النّص أثناء حصص القراءة؛

– التّدريب المنتظم على تنظيم الفكر  والمعارف؛

– توفير أقصى ما يمكن من معارف ذات صلة بموضوع الإنتاج الكتابي؛

– تجريب الكتابة حسب التّوارد ثمّ إعادة كتابة نفس المواد  بتخطيط جماعي أو فرديّ؛

– حمل المتعلّم على الإفصاح عن تخطيطه ومساعدته على تأويله…لاستحثاث النّشاط الماورامعرفيّ.

قد تبدو هذه النّشاطات بسيطة  موغلة في الدّيداكتيكيّة، لكنّها في اعتقادنا عميقة الأثر تحوّل الأمل عملا والإنصاف إجراء وهي لا شكّ أسمى من الاعتقاد أنّ الكتابة موهبة لا يقدر  عليها إلاّ من جبل  على الإبداع !!

2.1- الصّياغة

وهي عمليّة تحويل الأفكار إلى وحدات لغويّة، ويدعوها البعض وضع النّص (تعبير يذكّرنا بعمليّة الولادة  بعد الحمل) وتتركب من ثلاث عمليّات فرعيّة هي:

1- عملية انتقاء الألفاظ وإنتاجها.

2- بناء الجمل.

3- تنسيق الملفوظات المتتابعة على مستوى الموضوع: الاتساق = La cohérence، وعلى مستوى النّصّ: الانسجام La cohésion.

وينبغـي للكاتـب عنـد تدبيـر النّص وتنظيمه Textualisation  أن يضمن تواصليّـة الموضـوع     La continuité thématique (بالضّمائر المتّصلة، والأسماء الموصولة…) وكذا تدرّج الإخبار وإدخال الجديد من المعلومات والأحداث في آن معا. وهذه المهمّة المزدوجة تشكل مصدرا للصّعوبات لدى كلّ كاتب، فهي تتطلّب كفاية تصرّف مركبّة في المكوّنات اللّغوية المتنوّعة: الموصولات، أدوات الرّبط، علامات التّرقيم، المتمّمات…

وتشكّل الصّعوبات الّتي تعترض المتعلّم عند صياغة النّص عائقا تعلميّا ذا مصدر نشوئيّ، ذلك أنّ الطّفل حسب Piaget في مرحلة الذّكاء الحدسيّ (بين 4 و7 سنوات) يجد صعوبة كبرى في التّركيز على بعدين مجتمعين أو أكثر في موضوع  واحد، وإن كان سيتجاوز ذلك خلال مرحلة العمليّات المحسوسة (8-11 سنة)  فإنّ هذا التّجاوز سيقتصر على المحسوسات دون سواها، وتظلّ الصّعوبة قائمة في الموضوعات المجرّدة  (الأفكار، المعارف، المفاهيم…) إذ لا تفضّ إلاّ في مرحلة الذكاء الافتراضي الاستنتاجي.

ومن مظاهر هذا العائق في كتابات المتعلّمين والّتي يعرفها المعلّمون جيّدا وطالما أقلقتهم أثناء الإصلاح:

  • تلميذ يعتني بالتّخطيط المحكم على حساب الثّراء المعجمي والعكس؛
  • تلميذ يعتني بالرّسم القويم على حساب تنسيق الملفوظات والعكس؛
  • تلميذ يعتني ببناء الجمل على حساب انتقاء الألفاظ وملاءمتها والعكس؛

وغير هذا كثير من مظاهر التّفريط التي قد نبالغ في محاسبة المتعلّم عليها معتقدين أحيانا أنّها عائدة إلى الإهمال وقلّة الانتباه  فالعائق التّعلمي هنا هو: عدم قدرة المتعلّم على القيام بمهمّة مركّبة في موضوع كلّ عناصره مجرّدة. لذلك ستكون التّدابير التّعلميّة الّتي سنقترحها في المرحلة اللاحقة  -حسب اعتقادنا- مساعِدة على تجاوز هذا العائق فلوساطة الكهل كما علّمنا VYGOTSKY.L دور هامّ جدّا في دفع عجلة نموّ المتعلّم.

3.1- الخط([2])

يتطلّب الإنجاز الخطّي للوحدات اللّغوية نشاطا خطحسيّا graphomotrice Activité. هذا النّشاط يكون مؤتمتا Automatisé لدى الكهل، ولكنّه لدى المتعلّم الطّفل يتطلب كلفة، ممّا يثقل المهمّات عليه، إذ هو بحاجة إلى توفير هذا  بألحّ ما يكون للمكوّنات العليا لكفاية الكتابة. وهنا تقع المسؤولية على معلّمي الدّرجة لأتمتة هذه المهارة تحريرا للمتعلّم وتخفيفا لوطأة العبء المعرفيّ النّاتج عن درجة التّعقيد.

وفي هذا المجال أظهرت دراسات علم النّفس العرفاني أنّه حتّى لدى الكهل المكتملة لديه مهارة الخطّ يعتبر إيقاع الخطّ أبطأ من 5 إلى 6 مرّات من إيقاع الكلام. وهذا الاختلاف في الايقاع يسبّب ما يدعى مؤثّرات التّداخل Les effets d’interférences وهي مؤثّرات تشوّش التّناغم بين زمن الخطّ وزمن توارد الأفكار والجمل من الذاكرة.

فينتج عن ذلك هدر لعناصر لا يمكن تداركها إنّ الأمر شبيه بنزف داخليّ يؤدّي إلى تشويه النّصّ أو موته.

وظاهرة مؤثرات التّداخل هذه أشدّ وقعا لدى المتعلّمين الصّغار، إذ أنّ إيقاع الخطّ لدى متعلّم في سنّ العاشرة مثلا أقلّ سرعة من 4 إلى 5 مرّات من الكهل، فإذا علمنا أنّ للطفل والكهل نفس إيقاع الكلام  تقريبا  يمكننا بعمليّة حسابيّة بسيطة معرفة أنّ إيقاع الخط لدى الطفل أبطأ من إيقاع الكلام بـ20 إلى 30 مرّة. ويعود هذا الثّقل بالإضافة إلى عدم نضج المهارة الخطّحسيّة إلى صعوبات الرّسم Orthographe الّتي تكوّن عامل تبطئة  facteur de ralentissement .

ويمكن من النّاحية الديداكتيكية أن يستفيد المربّون من هذا الوصف العلميّ للعوائق الّتي تعترض المتعلّم في إنتاج النّصّ، ففي هذا الموضع من المفيد أن نساعد المتعلّم على تخطّي هذا العائق بالعمل على تخفيف عامل التّداخل بأن نزوّده باستراتجيات مناسبة على مستوى التّنظيم، كأن ندرّبه على  تأجيل مهمّة  مراقبة الرّسم مثلا لمرحلة المراجعة مثلا. وبالعود إلى مسألة المهارة الحسخطيّة  تشير نفس الدّراسات إلى أنّ بطء إيقاع الخطّ  إلى عتبة ما يمكن  أن يكون مفيدا للكاتب، إذ تُمكّن الرّدهة الزّمنية الكاتب من تنظيم تراتبيّة الأفكار والمعارف ذات الصّلة بالموضوع، فليس التّزامن بين الخطّ والتّوارد هو المطلوب نهاية.

4.1- المراجعة أو العوْدُ المراقب   

وظيفة هذه المرحلة  من نشاط الإنتاج الكتابي  تتجلّى  في جملة  من التّمشيات يمكن أن نطلق عليها تسمية تمشيّات العود المراقب Processus  de retour/contrôle  والغرض من هذا العود هو تقويم مدى الحاجة إلى تحسين نوعيّة المنتَج  لخدمة النيّة التّواصليّة.

ويمكن اعتبار المراقبة وظيفة سارية في الكتابة متزامنة معها، يجريها الكاتب بصفة ذهنيّة لحظة الخطّ، وهذا الضّرب من المراقبة ندعوه المراقبة الموقوتة، لكنّ تمشيّات العود المراقب تقع بعد وضع النّص أو فقرة منه وهنا المراقبة البعديّة، وتتّخذ شكلين من التّدخل:

1- تعديل على جزء: بعد كلّ فقرة.

2- تعديل على كلّ: بعد الانتهاء من النّصّ.

تتكوّن تمشيّات العود المراقب من ثلاث مراحل متمايزة وظيفيّا  ومتكاملة وصارمة التّرتيب وهي:

1- التّرصّد La détection وهو إدراك اختلال  Anomalieبين نوايا الكاتب والمحتوى المنجز.

2- التّعرف أوالتّشخيص L’identification ou diagnostic وهو تعرّف الخطأ وتصنيفه     Catégorisation de l’erreur.

3-التّعديل = جملة التّغييرات الّتي ارتآها الكاتب لنصّه ليقرّبه من نواياه. لكنّ المتعلّمين غالبا ما يجدون صعوبة في هذه العمليّة، فتراهم لا يقومون بها، ثمّ يستغربون يوم الإصلاح من أخطاء كان بإمكانهم تداركها. رغم أنّ استدامة الأثر المكتوب تمكّن من العود إلى النّصّ لتعديله وإثرائه وإدماج أفكار جديدة تعضد ما خطّ بإقامة جدليّة مولّدة بين المخطوط فعلا والمعتمل  في نوايا المتواصل، وهذا هو جوهر الشّفرة المكتوبة في تمايزها. فإلام تعود هذه الصّعوبات ؟ وهل يكفي أن نأمر التّلاميذ بالتزام القيام بالعود المراقب ليتبنّوه؟ يعود هذا إلى عائق نشوئيّ هو:

* صعوبة أخذ مسافة عن الذات أو فكّ التّمركز La décentralisation. ومتى يظهر ذلك؟ في مرحلة الرّصد.

وعمليّة فكّ التمركز صعبة من النّاحية النّفسيّة لدى المتعلّم إذ يعسر عليه افتراض قارئ آخر يقرأ نصّه ثّم توقع ما قد يلاقيه ذاك القارئ من صعوبات لفهم نواياه التّواصليّة، فكأنّ على المتعلّم هنا أن يكون هو والآخر في آن معا. وهذه الجدليّة بين الذّات والآخر المفترض صعبة المنال قبل مرحلة الذّكاء الافتراضي الاستنتاجي.

وهذا حسب اعتقادنا يتطلّب إقناع المتعلّم بضرورة تبني موقف الآخر النّاقد فيه، وأنّ النّقد  إذا كشف أكثر عن هنات الكاتب يطوّر الذات ويجعلها أقرب ما يكون إلى نواياها، وعلى العكس من ذلك ضمور الذات النّاقدة ينمّي عجز الذات الكاتبة. وأن لا خوف على ذاتك العزيزة يا بنيّ إذ أنت تزكّيها وترفعها بتجاوز عجزها. وفي هذا الصدّد قال أحد المتعلّمين لفليب ماريو مرّة عند اشتغاله مع طالب يؤطره في بحث بالموضوع: »أعرف أنّه لكي يتحسّن إنتاجي الكتابي عليّ أن أعيد قراءته ومراجعته كأنّي أخي الصغير البالغ ستة سنوات والذي لا يتقن الكتابة، ثّم عليّ بعد ذلك أن أقرأ عملي وكأني معارض عنيد يريد أن يعارضني آليا في كل ما هو مكتوب وأخيرا عليّ أن أكون مصحّحا شموتا يتلذّذ بتصيد أخطائي. عندما أكون هؤلاء كلهم أستبقٌهم وأعدل الصياغة وأعيدها وأصحح كي أفوِّت عليهم الفرصة « . (P.Meirieu، أجل! أتعلم، ولكن كيف؟ ص108). لكن عملية التعديل الناتجة عن العود المراقب لا يمكن أن تكون مضيفة إلا إذا كان التعلم الأساسي للمتعلم مقبولا، فهي لا ترتهن بالجانب النّشوئي فحسب، بل كذلك بالمعارف المعجميّة والنّحويّة والرّسمية والبراغماتيّة والمفهومية… وبهذه الكيفية لن يتمكن المتعلّم من التّعديل حتّى وإن تمكن من عمليّتي الرّصد والتّشخيص… وإذا لم يساعد المعلّمُ المتعلّمَ على تجاوز هذا العائق المعرفي فسيتحوّل الإنتاج الكتابي من فرصة لتطوير كفاية إلى فرصة لاكتساب العجز والاقتناع به لذلك ترى بعض المتعلمين يعلن: »أنا لا أصلح للإنشاء« ! وهذا العائق كما نلحظ هو عائق تعليميّ.

2– صعوبة التّصرف في الكتابي

تعدّد مكوّنات كفاية الإنتاج الكتابي المعرفيّة ومعلماته الخطابيّة والبلاغية وتدبير التّصرف فيها يجعل هذا النشاط مهمّة بالغة التّعقيد وعالية الكلفة المعرفيّة خصوصا على الكاتب الصّغير أو المبتدئ طفـلا كـان أو كهلا. أمّا الكاتب الخبير Le scripteur expert فقد خفّت أعباء الكلفة المعرفيّة عنده بفعل أتمتة المكوّنات السّطحية للكفاية (مكونات المراقي الدنيا) كالنشاطات المتعلّقة بالمهارة الخطحسيّة والرسميّة والترقيميّة وكذا مهارة التبويب والتقسيم وبعض المهارات الأخرى نصف مؤتمتة مثل القدرة النحويّة وبناء الجمل وإنتاج الألفاظ وهي الّتي تراقب جزئيّا، وهكذا يدّخر باقي الجهد لاستدعاء الأفكار وتنظيمها والتّركيز على الاتّساق واستنفار المأثور لخدمة النوايا التّواصليّة.

في حين أنّ المتعلّم الصّغير يواجه كلّ هذه الصّعوبات دفعة واحدة وبصفة دراماتيكية. نتخيّل هنا أحد التّلاميذ مستغيثا:

” أحرّر أفكاري حول الموضوع !

أحرّر أفكاري عندما أقيّدها على الورق !

أهذا معنى التّحرير !

عجبا لكم ! تحرير بالتّقييد !

كيف أحرّر وكلّ ما عليّ قيود:

قيد النّحو.. وقيد الصّرف.. وقيد الرّسم.. وقيد ما يقال. وما لا يقال..

وقيد المعقول الّذي عَقَلتموه إذ عَقِلتموه وعليّ أن أعقله كما اعتقلتموه كي أحرّره فيكون محرّرا كما تريدون !

وقيد المكانة وقيد الأمانة وقيد اللّياقة

 وقيود أخرى لم أعلمها حتّى الآن.

حرّروني من هذه القيود أو اجعلوها فيّ طبيعة ثانية.

 كي أنساها وأتنفّس بما يشبه التّلقائيّة هواء لغة أهواها،

وإلاّ فلا تلوموني إن لم أكتب شيئا فالمقيّد لا يحرّر.

هذه بداهة ومجنون من يطلب منّي ذلك. جرّبوا يوما عذابي

لم تلقونني في يمّ اللّغة مقيّدا. ثمّ تحذرونني من الغرق

وأنا أشتهي جسدي بلا قيود

وربع درس في السّباحة.

3- محــاور التّـدخـل

تقترح علينا الدّراسات العرفانية حول الإنتاج الكتابي جملة من المحاور الّتي يمكن التّدخل فيها لمساعدة المتعلّم على بناء كفاية الإنتاج الكتابي، وهي محاور نستعرضها فيما يلي كما أوردها Michel Fayol في  كتابـه: « Des idées au texte :Psychologie cognitive de la production verbale orale et écrit » Paris P.U.F 1997

1.3- المعـارف المجاليّة (Les connaissances thématiques) :

يمكن للمعلّم التّدخل في قاعدة المعارف المرتبطة بالإنتاج الكتابي أي تزويد المتعلم بمعارف حول المجال الذي سيكتب فيه. ويحتاج المتعلّم في الابتدائي إلى أكثر من ذلك، أي إلى التدرّب على بعض إمكانيات تنظيم تلك المعارف لتيسير استرجاعها من الذاكرة فيما بعد، ويتمّ ذلك خاصّة في  حصص التدريب على الإنتاج الكتابي.

2.3- المـوارد اللّغويـة

تؤثر المهارة اللّغوية للكاتب في مجرى الكتابة ونوعيّة النّصّ المنتج في النّهاية. لكنّ علاقة المهارة اللّغوية بالنّص ليست على هذا النّحو من البساطة الظّاهرة. ذلك أنّ تنسيق مجموع عمليّات الإنتاج الكتابي وتدبيرها تزداد تعقّدا كلّما كانت الأبعاد اللّغوية القاعديّة ضامرة ضعيفة لدى المتعلّم أو غير مسيطر عليها. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإنّ نشاط العود المراقب يكون بلا جدوى في صورة العوز اللّغوي، إذ لا بّد أن يكون للمتعلّم الكاتب موارد لغويّة كافية لتخصيب نصّه وتخيّل البدائل المناسبة لهذه الوضعيّة أو تلك. ولعلّ في هذا تفسير لعدم مراجعة شريحة هامّة من المتعلمين لإنتاجاتهم رغم إلحاح المعلمين على ذلك مرارا وتكرارا، حتّى أنّ البعض يلتجئ إلى التوبيخ والعقاب في حصّة الإصلاح ناسيا أنّ تعليمه ليس من جنس تقييمه، ومن الأجدى في هذا المجال لمساعدة المتعلّم التأكّد من أنّه ككاتب صغير امتلك قبل دفعه للكتابة وخوض غمارها الزّاد المعجميّ الملائم والمتنوّع لمدار الاهتمام، وكذا أحاط بالمستلزمات النّحوية ذات الصّلة المخصوصة بالموضوع.

كما أن المعارف المتعلّقة بالرّسم تلعب دورا هامّا في ضمان سيولة الكتابة. فهمّ الرسم وريبة المتعلم إزاءه يولّدان شعورا بالخوف واهتزاز الثّقة وهو ما يذهب بالمتعة الممكنة. وهنا من المفيد أن يسلك المعلّم سلوكا معتدلا عقلانيا إزاء أخطاء الرّسم فلا يطلب أكثر ممّا أعطى ولا يتثاقل على المتعلّم، لأنّ في هذا اشتطاط، وليتذكّر دوما أنّ الإنتاج الكتابي كبّة من المهامّ وعبء معرفي ربّما ناء به الكهول فما بالك بالمبتدئ الصّغير.

إنّ العوز اللّغوي إذا ما تفاقم ينمّي ظاهرة العجز المكتسب : »   أنا لا أصلح للإنشاء «  وهذا يصبح معيقا يحول دون انخراط المتعلّم في أيّ مشروع كتابي.

3.3- المعارف الإجرائيّة: عمليّات الإنتاج

تُظهر ملاحظات المعلّمين أنّ عددا لا يستهان به من المتعلّمين يتغاضون عن بعض العمليّات الضّرورية في الإنتاج رغم النّصائح المسداة إليهم في هذا الصّدد. ومن العمليّات الّتي يغفلها المتعلّمون: عملتي التخطيط والعود المراقب. فنحن نلاحظ أنّ عددا من المتعلّمين يشرعون مباشرة في الكتابة دون بحث وتحضير وتخطيط لا همّ لهم كما يبدو سوى العبارة القادمة. وحتّى إذا أرغمنا المتعلّمين على التخطيط فهم يميلون إلى جعله مسوّدة أولى تنسخ فيما بعد بحذافيرها !

ونستخلص من ذلك أنّ عمليّة التخطيط هي عنصر من عناصر التّعلم ومن مكوّنات كفاية الإنتاج الكتابي، لا ينبغي أن يكتفى بطلبه بأمر أو توسّل، إنّما ينمّى كمكتسب خلال حصص القراءة مثلا عند التّطرّق إلى كيفيّة بناء النّصّ من لدن الكاتب وتحويل النّصوص إلى تخطيطات أو كذلك عند الإصلاح عندما نساعد المتعلّم على إعادة صياغة نصّه بخطّة بديلة…إلخ

وبصفة عامّة فإنّ دراسات علم النّفس العرفاني أظهرت أنّه حتى سنّ 11-12 يجد المتعلّم صعوبة في التخطيط، وأنّ قدرة تصوّر نصّ لم يكتب تعتبر من القدرات المتأخرة الظهور ممّا يستدعي يقظة بيداغوجيّة لتيسير تملّكها  لدى المتعلّم.

أمّا فيما يخصّ المراجعة أو العود المراقب فقد أظهرت نفس الدّراسات أن الإصلاحات والتّعديلات الّتي يقوم بها المتعلمون غالبا ما تقتصر على سطح النّص أي إصلاح أخطاء الرّسم وربّما التّنقيط. إذ يبدو أنّه من الصّعب على المتعلمين إن لم يكن مستحيلا أن يرصدوا ما هو أعمق وأوسع أي التناقضات بين النّوايا التّواصليّة الحقيقيّة والإنتاج الكتابي.

إنّ تملّك بعض المعارف الإجرائيّة ذات الصّلة بالإنتاج الكتابي ليس بالأمر الهيّن، بل على العكس من ذلك تماما يعدّ هذا الأمر من أعقد ما يتناوله المعلّم. ومع ذلك يمكننا الإشارة إلى أنّ بعض التّقنيات يمكن أن تنفع إلى حدّ ما في هذا الصدد ومنها تقنية التسهيل الإجرائيّ La facilitation procédurale وتقوم على نوع من التّدخل الّذي يستهدف الإعانة في تدبير مكوّنات الإنتاج الكتابي. وهذا الثنائي  بين الكهل كوسيط-خبير والمتعلم المبتدئ يمكن أن يكون مثمرا إذ الخبير هنا يقود مع المتعلّم العمليات عمليّة عمليّة حتى يكتسب بعد مدّة وبالتدريج مجمل إجراءات الكتابة وذلك ضمن مسار تعليميّ تعلّمي تنخفض فيه درجة التدّخل ضمن مؤشرات تقييم تكوينيّ.

لكن كيف لمثل هذا المسار أن يكون ممكنا ضمن منظومة التعليم الجماعي؟ وكيف للمعلم أن تغطّي تدخّلاته المشخصنة هذه كلّ المتعلّمين في قسم مكتظّ. هذه معيقات مؤسسيّة.

لكن واجبنا الأمل، ويبدو ألاّ مناص في هذه الحالة من العمل ضمن أفرقة تشكّل حسب الحاجات groupes de besoins واستثمار ما يتيحه لنا التعليم التعاوني من حلول.

4.3- المعارف الإستراتيجية

تمكن المعارف الإستراتيجيّة من تنظيم الإنتاج كي يكون التّدبير ملائما للقدرات المعرفيّة للكاتب. وهكذا فعلى سبيل المثال ليس من الملائم البحث عن الأفكار وتصوّر كيفية التعبير عنها في آن معا، وعليه فالتكتيك المناسب يقتضي توزيع العمليات المكوّنة للكتابة عبر الزّمن، ذلك أنّ التّعقيد يقتضي في هذا المقام أن تخصّص وقتا لكلّ عمليّة على حدة وكأنّها مستقلّة عن باقي العمليات، فيصبح الإنتاج الكتابي عبارة عن سلسلة من المقاطع المتمايزة والمتعاقبة: التخطيط، استدعاء المحتويات، الصّياغة، الخطّ Transcription  ثمّ العود المراقب. وإجراء محاولات تأليفية بشكل متدرج.

هذه جملة من الإضاءات سلّطها علم النّفس العرفاني على عمليّة إنتاج النّصّ الكتابي، لعلّها تمكّن المعلّم من الاستنارة بها لتسيير تملّك هذه الكفاية العزيزة المنال والّتي لا يمكن لتعقيدها أن يحول دون الفعل البيداغوجي وتحصيلها من لدن المتعلّمين، دونما هروب إلى إيديولوجيا الموهبة. هل أعظم مشروعيّة وجدارة للمعلّم من مساعدة المتعلم على مجابهة المعقّد، إذ لن يكون المتعلّم في حاجة إلى العون في بسائط الأمور.

المـراجـع

– Michel Fayol ; 1997, des idées au texte, psychologie cognitive de la production Verbale orale et écrite, Paris. PUF.
– Michel Fayol ; 1985 , Le récit, une approche de psychologie cognitive, Neuchâtel. Delachaux et Niestlé.
– Anni Piolat et Anne Pélissier ;1999, la rédaction des textes, approche cognitive. Lausane Delachaux et Niestlé..
– Foulin et Mouchon ;1999 , Psychologie de l’éducation, ed NATHAN.

هوامش

 ([1])التّلفظيّة Enonciation : » فعل إنتاج ملفوظ يتمّ عندما يشغّل المخاطب اللّغة لصالحه «. (الفاربي وجماعة؛ 1994؛ معجم البيداغوجيا و الدّيداكتيك،  ص 102، المغرب)
 ([2]) اخترنا عبارة  ” خطّ ”  في صيغتها المصدريّة لترجمة Transcription لأنّ النّسخ إعادة  نقل  للمخطوط المكتمل وعبارة كتابة Ecriture  تشمل كلّ  عمليّات  الإنتاج  الكتابي.

(5) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment