” قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا”، لشيماء عبد الراضي تلميذتي المصرية الدرعمية النجيبة


ها قد فعلتُها، ها قد أنهيتُها، ووالله لولا الله ما فعلتُها، والله لولا الله ما أنهيتُها.

Posted by ‎شيمة ةةةة‎ on Saturday, February 8, 2020

تلك الرسالة التي شغلتني عن أكثر ما في هذه الدنيا سبع سنين متوالية، تشابه عددها وسماتها مع السنين السبع الأولى التي فسرها يوسف عليه السلام لملك مصر في رؤيا منامه في قوله تعالى { وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ (43) } سورة يوسف.

نعم هي تشبه السنين السبع الأولى المرموز لها بالبقرات السمان في تواليها وتتابعها وخيرها، لا السنوات السبع الأخرى الشداد المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف ـ عافانا الله وإياكم منها ـ؛ فلم أرَ في هذه السنوات السبع التي مَرَّتْ إلا رحمة الله التي وسعتْ كل شيء، ونعمه التي لا تُعَدّ ولا تُحصى، وإحسانه، وجوده، وعطائه، وكرمه، وفضله، وكيف لمثلي ألا ترى إلا هذا الخير كله، بعد أن أنعم الله عَلَيَّ بما وفقني إليه، وأكرمني به!

ربما مرتْ في هذه السنين أحداث أخرى موجعة كأحداث الدنيا العادية التي يمر بها جميع بني الإنسان، لكنها كما قلتُ ” أحداث الدنيا “، والدنيا دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وما تساوي الدنيا أمام ما كنتُ أفعله!

تلك الرسالة التي لقيتُ منها نَصَبًا، وحملتُ أعباءها على ظهري ليلًا ونهارًا، يقظةً ومنامًا، صيفًا وشتاءً، ربيعًا وخريفًا، رعدًا وبرقًا ومطرًا وغيومًا ونسيمًا وهواءً، عسرًا ويسرًا، ضيقًا وفرجًا، فرحًا وحزنًا، بسمة وبكاءً!

تلك الرسالة التي حيرتني، وأتعبتني، وأجهدتني، وأرجفتني، وفرحتني، وأبكتني، وسهرتني، وأرقتني، وقلَّبَتْني، ومن لذات نومي أيقظتني، ومن جلسات الأهل والأصحاب منعتني، ومن ملذات الدنيا أبعدتني، ومن روحي أخذتني، وعن كل شيء أشغلتني، لكنها من القرآن قربتني، ومن خلقي هذبتني، ومن نفسي أصلحتني، وكفى بها نعمًا!

تلك الرسالة التي كلما قابلتُ أحدًا حدثته عنها، وعن أحلامي المرجوة لها، وعما أفعله فيها، وعما أعانيه من أجلها، كم قابلتُ تشجيعًا من أحدهم، وسخريةً من غيرهم، وكم كان التشجيع يمدني بقوة لا حَدَّ لها، حتى كنتُ أرى نفسي صلبَ المراس أدكُّ صخورَ الجبالِ الرواسي، وكم كنت أقابل السخرية بسخرية مثلها، فكان مما أمزح به في هذا المقام: أنتم لا تعرفون ما أفعل، أنا أصنعُ المجدَ، فيقولون: مجدًا، أي مجد ! ثم تتوالى الضحكات مني ومنهم على سواء!

نعم كنتُ أضحك في هذه السنين على نفسي لضعفها وقلة حيلتها وزادها، وعلى أحلامي لطولها وعمقها وبعدها، وأقول: يا تُرَى هل ستصبح هذه الأحلام واقعًا يومًا ما، ولو بعد حينٍ طويل، هل سينتهي هذا البحث الطويل المتعب الثقيل الحلو الجميل!

كنتُ أرى حقًّا أنني أصنع مجدًا لا مثيل له، مجدًا لم يصنعه من هو في مثلي وفي أحوالي من قبل، وأي مجدٍ يساوي البحث في كتاب الله عزوجل، وبذل العمر في فهمه وتدبره!

لطالما تعثرتُ في هذه الرسالة، وتأوهتُ من أجلها، وتألمتُ من صعوباتها، وتقلبتُ في شدتها، وتوجعتُ من مشاقها، ووقعتُ في مآزقها، وتهتُ في مسالكها، وتصدعتُ من عقباتها، وتمزقتُ بين طياتها، وبكيتُ بين سطورها وحدي!

كنت أعوم في بحرٍ لا ساحل لها، وأسير في فلاةٍ لا حدود لها، كنت أحلم أحلامًا ربما لا واقع لها في نظر الآخرين، وأقول يارب من يُنجيني سواكَ مما أنا فيه!

وإن من العجب ألا يشهد على هذه العثرات والآهات سوى كائن جامد يُسَمَّى بالمكتبة؛ بيتي الثاني الذي قضيتُ فيه أكثر أوقات هذه الرسالة، ولا أملّ الجلوس فيه، فيها قرأتُ وذاكرتُ وبحثتُ وتوضأتُ وصليتُ وأكلتُ وشربتُ ونمتُ وحلمتُ، ربما تعرف المكتبة عن نفسي ما لا يعرفه غيري عني، كيف وقد كنتُ أقضي فيها بعض يومي إن لم يكن أكثره، حتى عُرِفْتُ فيها، واشتهر صيتي بها، وصاحبتُ فيها صحبةً ربما لو جلستُ عمري بأكمله ما عرفتها!

كُتِبَتْ سطور هذه الرسالة في أكثرها في المكتبة، وكُتبت ـ أيضًا ـ في سائر أحوالي الأخرى العجيبة والغريبة؛ فهذا سطر كُتِبَ على كراسي المترو، وآخر على رصيف انتظار عربة المترو، وآخر في عملي ومدرستي، وغيره على سريرى، وآخر جاء في خيالي وأنا ذاهبة في النوم، وغيره جاء لي في حلمي أثناء نومي، وآخر أتى في ذهني وأنا سائرة في الطريق، وغيره وأنا جالسة بمفردي، وآخر وأنا وسط أهلي، في ظل البرد القارص والحر الشديد، في يوم الصيام والإفطار، في اليوم العادي ويوم العيد، في ساعة الحزن والفرح، في لحظة البسمة والبكاء والضيق والفرج!

كانت الرسالة هي ملاذي الآمن الذي أعود إليه بعد خوض أحداث الدنيا ما بين الحين والآخر؛ فكلما عشتُ في حدثٍ من أحداثها، انتظرت لحظة انتهائه؛ لأعود إليها ويطمئن قلبي؛ فكانت نِعْمَ الصاحب والأنيس والرفيق طيلة هذه السنين!

في هذه السنين الطويلة، في ظل أحداثها المهيبة، وأشغالها الكثيرة، ووقائعها الثقيلة، كان لَدَيَّ أفكارًا متناثرة عن بحثي هذا، كان لَدَيَّ أحلامًا وأفكارًا، بذلتُ كل الجهد، وسعيتُ كل السعي من أجل أن تصبح وقائع وحقائق.

لم يشغلني كثيرًا في هذه السنين الطويلة مُسَمَّى البحث الذي أفعله ” الماجستير “، وإنما كان شغلي كله هو إكمال البحث على ما يقرب مما أردته له، وما ينبغي أن يكون عليه؛ وماذا يفيد الماجستير أو الدكتوراه أو غيرها من مسميات الأبحاث إن لم تقدم شيئًا خالصًا لوجه الله الكريم، نافعًا لصاحبه ولغيره!

بحثي فواصل القرآن الكريم، دراسة صرفية دلالية، والفاصلة في تعريف القدماء: كلمة تقع آخر الآية كقافية الشعر وسجعة النثر، وقد استطعت في هذا البحث أن أصل إلى بعض أسس النظام الذي سارت عليه صيغ الفواصل القرآنية، وأن أستخرج سمات لصيغ هذه الفواصل، وأن أرصد الخصائص المميزة لها، وأفسر كل هذا ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا؛ فما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله عليه، وأسأله الصواب فيه.

ها قد جعلها ربي حقًّا، وقد أحسن بي إذ أخرجني من حيرتي طيلة هذه السنين إلى مقام أمين؛ فالحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمدًا لا يبلى جديده، ولا يُحصى عديدُه، ولا تبلغ حدودُه، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد.

نوقشتْ الرسالة بفضل الله عزوجل في: 25 جمادى الأولى 1441هـ ، 20 يناير 2020م، وحصلت على تقدير ممتاز مع التوصية بتبادلها بين الجامعات، والحمد لله رب العالمين.

(7) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment