رسالة إلى ريبال (1)، للحساني حسن عبد الله


بسم الله الرحمن الرحيم

ريبال

تقول إنك تجد صعوبةً أحيانًا في فهم العربية، كأنك تقرأُ لغةً أجنبية. وسألتني أن أعينَك على ما تجد. أقولُ أولًا إن شكواك هذه تدلّ على خير. على أن عقلك يَعْمل. أنك تطلب “المعنى”، فإذا لم تجدْه – لعائقٍ ما – توقفتَ حتى تعالج الصعوبة ويستبينَ المعنى. و هذا غرضُ كلّ قِراءةٍ جادّة. أما القارئُ المستهينُ فهو لا يتوقف. وهذا عيبُ كثيرٍ من الناس.

شكواك إذَنْ تدل على أنك بريءٌ مِن ذلك العيب. على أنك بدأتَ الطريقَ الطويلَ إلى “المعرفة”. والمعرفة هي الغاية الكبرى، الغاية القُصوى، في الوجود، الوجودِ الذى يُراد له أن يكون وجودًا “إنسانيًا” لا “حيوانيًا”. نحن هنا لنعرف. أي لنرتفع من حضيض البهيمية إلى سماء الملائكية. وذلك هو “الخير” وهو “الحق” وهو “الجمال”، وهو نشدان “المعنى”، وهو السعي إلى عِلِّيين.ثم أقول إن معالجة كل صعوبة، في اللغة أو غيرها، تستلزم فحص العناصر، أو المكوّناتِ الداخلة في تركيب ذلك “الصعبِ” حتى تُعرف طبيعةُ العائق أو صفتُه أو حقيقته، فيمكن مِنْ ثَمَّ إزاحتُهُ وحلُّ المسألة. واللغة “ظاهرة” من “ظواهر” الطبيعة. و”الظاهرة” كلمة جدَّت على العربية في العصر الحديث ترجمةً لكلمةٍ أجنبية، وهي في الإنجليزيةPhenomenon، وجمعُهاPhenomena .          وإذا أُريد تذليل الصعوبة التي وجدتَها، أو إزاحةُ العقبة، فعلينا أن نبدأ بفحص الظاهرة التي صادفتنا في التعاملِ معها تلك الصعوبةُ. فحْصُها أولًا من حيثُ هي، أي مِن حيثُ صفتُها أو صفاتُها الجوهرية، قَبْلَ طروءِ غيرِ الجوهري، فإن الصعوبة صفةٌ طارئة، وليست هي الأصل. ولن نفهمها إلا بفهم الأصل أولًا. وهنا نسأل : ما حقيقةُ تلك الظاهرة المسماة باللغة ؟ إنها ألفاظ. نعم. لكنَّ هذا لا يكفي، أوْ لا يُعرِّف.لأن الألفاظ مفردةً، مستقلًّا بعضُها عن بعض، ليست “لغة” بالمعنى الصحيح، المتعارفِ عليه.والمعنى الصحيحُ المتعارفُ عليه أن اللغة لا تكون لغة إلا بانضمام الألفاظ بعضِها    إلى بعضٍ صانعةً ما سُمي بالمعنى. واللغةُ على هذا لفظٌ ومعنى. والسؤال الآن : مِن أين جاء “المعنى”؟ والجواب الفوريُّ: من التضامّ، من التركّبِ، من اجتماعِ الألفاظ بعضِها إلى بعض في “بِنْيةٍ”Structure أو جملة Sentence. والمطلوب إذَنْ أمران : فحصُ الألفاظِ مفردةً، وهو الفحصُ الذى أنشأ ما سُمي بعلم الصرف، وفحص البِنىَ أو الجملِ أو القواعدِ التي بها تنتظمُ الألفاظُ في بِنىً أو جُملٍ لينشأ “المعنى”، وهذا الفحصُ هو الذي أنشأ ما سُمى بعلم النحو. واللغةُ إذَنْ صرفٌ ونحو. لكن هذين العِلْمين – على جلالة شأنهما – ليسا كل شيء. هناك شيء قَبْلهما: دلالةُ الألفاظ. فإن اللفظ أصواتٌ – إذا نظرنا إلى اللغة منطوقةً – أو حروفٌ -إذَا نظرنا إليها مكتوبةً – دالةٌ على تصورٍ أو مفهومٍ، أو “ما صَدَقَ” بمصطلح المناطقة، أو معنى. وأولُ الطريق إذَنْ معرفةُ دلالة اللفظِ أو معناه.وتلك مهمةُ علم الدلالة – أعني دلالة الألفاظ المفردة – أو علم معاني الألفاظ، أو علم “المعاجم”. واللغة على هذا علوم متنوعة: علم الصرف، وعلم النحو، وعلم المعاجم. وليس هذا كلَّ شيء. بقي طرائق نطق الأصوات؛ علمُ الأصواتِ، وهو فرع من علم اللغة العام، وطرائقُ رسْم الألفاظ على الورق، أي كتابتها، وذلك علم “الإملاء”، وطرائق تحسين رسم الحروف وأشكال الرسم المختلفة، وذلك علم “الخط”. تلك علوم العربية التى صار بعضَ مهمتك في هذه الحياة أن تدرسها، أقول بعض مهمتك وأعني ما أقول، لأن مهمتنا في هذه الحياة الدنيا أكبرُ من الإحاطة بعلوم العربية، أو بعلومٍ غيرها، فإن العلم لا يُراد لذاته، وإنما يُراد لغاية أبعدَ ليست موضوعنا الآن. وكأن الله أراد بك خيرًا، وأراد أن يحقق لي بعض أملي فيك، بعد يأسٍ من تحقيق أي أملٍ فيك. رغبتُ إليك منذ بضعة أعوام أن تدخل دار العلوم فأبيت، لكن الله أعادك إلى ما أبيت. وهأنتذا تدرسُ علوم العربية كما رجوت لك – ليس المهم أن تدرسها في دار العلوم أو غير دار العلوم، لكن المهم أن تدرسها، وأن تدرسها كما يجب أن يكون الدرس. والدرس الواجب ليس الذي يكون غرضه الأول تحصيل الدرجات الكبيرة، بل الذي يكون غرضه تطويع اللغة وتذليلها لتكون وسيلة  إلى “المعرفة”، المعرفة التي هي الغاية من الوجود كله التي خلق الله الجنَّ والإنس لأجْلها. قال تعالى: … ليعبدونِ. أي ليعرفوني – كما قال ابن عباسٍ على ما أذكر.الحديث ذو شجون. وشجون هنا معناها “فروع” لا “أحزان”  كما يظن بعض مَن لا يفهم، أو بعض من لا يتوقف [انظْر أول هذه الرسالة]. يُقال لفروع الشجرة”شجون”. أي أن الحديث بطبيعته يتفرع، ويخرج من معنى إلى معنى. ولكنْ علينا أن نقاوم في أحاديثنا هذه الصفة لأنها تكون أحيانًا ضارةً، وتُباعدُ بيننا وبين ما هو أجْدرُ بالاهتمام. والذي أكتبُ لك الآن فيه هو هدايتك إلى ما يُستعان به على تَيسير الفهم، وإحسانِ الأخذِ عن اللغة، وجَعْلِ العربيةِ لغة قوميةً بعد أن كادت تسمى لغة أجنبية. فلنعدْ إلى ما كنّا فيه. كيف تحسن الفهم للجملة العربية، أو ما الذي يعينك على هذا. لم يبق في هذه الورقة إلا القليل. ولم أستطع الكتابة إلا صباح هذا اليوم – الخميس 24/5 الذي انتظرتك فيه. لهذا أؤجل الكتابة، داعيًا الله أن يطيل أعمارنا في عمل صالح. يجيئك بقيةُ الجواب في رسالة قادمة إن شاء الله.ولسبب آخر أيضًا، أني أريد بعد إنهاء هذه الكلمة أن أكتب كلمة أخرى في مشكلة المعيشة. لديَّ ما أقوله بشأنها. وأسأل الله التوفيق لي ولك، والسلام.

(1) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment