سر الاقتصاد


عن شعراء خمسينيات القرن الميلادي العشرين رأى نزار قباني “أَنَّ الشِّعْرَ رَغِيفٌ يُخْبَزُ لِلْجُمْهُور”، رؤية متولدة من رحم الثقافة الاشتراكية المنتشرة عندئذ. وكما وجدنا في الرغيف الجمهوري الحصى وجدنا في القصيدة الخمسينيّة الحشو، ولكن إذا كان الهَزْل هو الذي أوجد الحصى في ذلك الرغيف فإن الجِدّ هو الذي أوجد الحشو في هذه القصيدة؛ إذ رغب الخمسينيّون رغبة قوية في ابتذال القصيدة للعامة والشُّطّار والعَيّارين؛ فاتخذوا الركاكة مبدأ فمنهجا ومخبرا فمظهرا، يستلهمون أحوال الناس العادية وأحاديثهم اليومية، ويتجنبون الإحكام والتنقيح والتهذيب، بل يتبرؤون من كل كلمة تنسبهم إليها، مثلما يتبرأ الصعلوك الساخط على الأغنياء من كل كلمة تنسبه إليهم!

ثم دالت دولة الاشتراكية مادية وثقافية لدولة الاختصاصية، ومثلما صار الباحث أواخر القرن الميلادي العشرين وأوائل ما بعده يستهلك عمرَه أحدُ أجزاء أجزاء الأشياء، صار الأديب ينقطع لأحد النصوص مجتهدا في تجريده من معالم ذلك الابتذال السابق، وأرضاهما جميعا ما فجّره العمل الاختصاصي من أفكار حولت الحضارة الإنسانية كلها من حال إلى حال، واستغرقَهما الاقتصادُ الجديد!

لقد تكاثرت الأفكار على الأديب تَكاثُرَ الظباء على خِرَاشٍ (رمز المكروب بالكثرة، المأخوذ من أحد الأبيات المشهورة)، ولكنه لم يحَرْ حيرةَ خِرَاشٍ، بل اتخذ من دلالة عَكْس مقالة النِّفَّريّ: “إِذَا اتَّسَعَتِ الرُّؤْيَةُ ضَاقَتِ الْعِبَارَةُ”، مبدأ ينطلق منه إلى إقلال الألفاظ اشتغالا بتعميق المعاني وتوسيعها، حتى يدل قليل ما يقوله على كثير ما لم يقله، فإذا ما تلقاه المتلقي بعد المتلقي بعد المتلقي غَرُوا بمثل صنيعه، فإذا نصه هذا المقتصد (القليل الألفاظ)، أجمع من المعاني لما لم يكن يجمعه ذلك النص الكثير الألفاظ!

والاقتصاد في العربية التَّوَسُّط (الاعتدال)، كأن تتوسط الألفاظ بين الكثرة والقلة، وإنما يعرف الأمر بانتهاج منهج علم المتوسِّطات (علم الإحصاء)، وبه تتجلى نِسبيّته الشديدة -فرُبَّ طويلٍ هنا قصير هناك، وقصيرٍ هنا طويل هناك!- ولكنه في النقد الحديث من صفات النص القصير على وجه العموم؛ فكأنه يراد الآن للأديب والمتلقي جميعا معا إذا طلبا الاقتصاد، أن يُولِّيا وجهيهما شطرَ إقلال الألفاظ!

(0) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment