عن صنعة النغم وصنعة التلاوة، لعبد الرحمن الطويل


ليست صنعةُ النغم هي صنعةَ التلاوة، فهُما متمايزتان وإن كان بينهما تداخل كبير.

صنعة النغم هي المعرفة الواسعة بالنغم ومقاماته وفروعها وأجناسها ومواطن الالتقاء والتداخل بينها التي تُمكن العارف بها من التأليف النغمي على أوفى صورة وأتمها، وأشد ما تُطلَب هذه الصنعة في المُلحن، لأن وظيفته تأليف الأنغام، ولما كان القارئ والمُنشد ملحنَ نفسه، لأنه يؤدي أكثر أدائه ارتجالًا، كان عليه أن يتمتع بقدر جيد من صنعة النغم.

أما صنعة التلاوة فالمعرفة بدقائق فن التلاوة وتفاصيله، طبقات الصوت ومواضعها من التلاوة وفنون الانتقال بينها، مواضع المقامات من التلاوة وما يُستحسن أو يُستقبح البدء به والاختتام به، فنون الافتتاح والختام، الجُمل النغمية التي تَحسن في التلاوة، القفلات التي تُكسب الجُمل شخصيتها وعليها المعول في تطريب القراء، القوالب التي يقرأ بها القارئ والربط بينها، وكل ما يتعلق ببناء التلاوة كوحدة فنية أو مُنتج مترابط يمكن تقييمه.

فبَيِّنٌ من هذا التداخل أن صنعة التلاوة تتركب من جزء من صنعة النغم التي يعرفها كل مشتغل بالنغم، مضاف إليه تقاليد التلاوة وفنياتها التي يختص بها القراء دون غيرهم.

لذا لم تكن الإحاطة بصنعة النغم كافية لتقديم قارئ على سواه، وضَلَّ كثير من القراء المتأخرين الطريق بالتفرغ لها والنبوغ فيها، فأتوا فيها بالمُعجب والمُذهل، لكنهم لم يتقدموا بها بحال على غيرهم من القراء.

وكان في قراء الرعيل الأول من بلغ الشأو الذي لا يُلحق في صنعة النغم، مع حظ حسن من صنعة التلاوة، فكان التقدم للأنبغ في الثانية لا الأولى.

فلا شك أن الشيخ علي محمود كان أعلم الناس بصنعة النغم في جيله وكافة أجيال القراء، لكن بقي الشيخ محمد رفعت في الصدارة لأنه أثبتُ في صناعة التلاوة، وكذلك كان الشيخ طه الفشني أعلم من الشيخ مصطفى إسماعيل بصنعة النغم، وكان الشيخ مصطفى أثبتَ في صنعة التلاوة فكانت الصدارة للشيخ مصطفى، هذا على سعة خبرة الشيخين علي محمود والفشني بصنعة التلاوة ورعايتهما لها في جل تلاواتهما.

ثُمَّ مَرَّت العقود الطوال ونبغ الشيخ محمد عمران في الإبداع بصنعة النغم في تلاوته نبوغًا لا نظير له فيمن سبق، بل إنه أتى في التلاوة بما لم يأت به علي محمود وطه الفشني من صنعة النغم، فلم يكن ذلك – على عظمته – مؤهلًا لتقدمه على قراء جيله ولم يتأتَّ ذلك له، ولا شك أن عمران كان أعلم بصنعة النغم من عباقرة قراء الأربعينيات والخمسينيات، شعيشع والبنا والبهتيمي والمنشاوي وعبدالباسط، بل إن عبدالباسط تحديدًا كان أقرب في أكثر أدائه إلى السجية والبُعد عن الصنعة أصلًا، لكنهم جميعًا كانوا أثبتَ من عمران في صنعة التلاوة وأبعد عن المقارنة، فلم يبلغ شأوهم.

والدليل الأوضح إلى صنعة التلاوة أنها تؤخذ من التلاوة لا سواها، تؤخذ من تلاوات القراء، ولا تُتعلم من الموشحات ولا الأدوار ولا التقاسيم ولا أساتذة معهد الموسيقى، فكُلُّ ما حصَّله القارئ الناشئ من فنون الموسيقى وموادها فهو علم من صنعة النغم لا صنعة التلاوة، حتى يُقَوْلِبَهُ في قوالب التلاوة، فإن استقرَّ فيها تَكَرر، وإلا فهو فتح من الإبداع النغمي عرض له، ولا شك أن الإبداع النغمي الناشئ عن معرفة القارئ بصنعة النغم مما تَحسُنُ به التلاوة، بشرط أن تبقى صنعة التلاوة غالبةً عليه، فإن تلاشت في طوفانه بات عبئًا على التلاوة وإن أخذ بألباب المستمعين.

(4) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment