صور متداخلة، للدكتور السيد شعبان جادو


بدأت أتعافى بعد وعكة صحية ألزمتني الفراش شهرا كاملا، كنت أثناءها في حالة من الملل، حتى إن الطعام بات أمرا أجبر عليه كل آونة، لازمتني الهلاوس التي دفعت بي إلى عالم نسيجه من صور متداخلة: طائرة تسير على خطوط السكك الحديدية، كنت أحد هؤلاء الملتحفين بعرباتها من غول الفقر، كتل من البشر تتكدس، وياله من زمن كان جميلا، عصافير تمسك بمتاجل تخوف بها المارين تحت الأشجار، عمارات تتراقص عارية، أغرب شيء أن حجرتي تتحرك بحركة آلية حتى أجدها أسفل النهر يوما ويوما آخر تتنقل بي في الفضاء الخارجي، يقذفني الصغار بحجارة صغيرة مدببة، هذه أشياء يصعب تصديقها؛ أوصى الطبيب زوجتي بأن تحاول تصديقي حتى أتعافى سريعا. لكنها تجاهلت توصيته، لاتعلمون أنها كثيرة العناد، جمعت كل نسوة الجيران وأخذت تسرد عليهم تلك الخرافات التي أتحدث عنها، كنت أتسمع كل هذا فأصاب بتوتر شديد، زادت هلاوسي حتى رأيتني كائنا غريبا يمشي على أربعة أقدام. هل تراها تهزأ بي؟

بدأت تسألني عن راتبي، أقسمت لها أكثر من مرة أن راتبي متوقف حتى أثبت سبب تلك الوعكة التي أعاني منها؛ خوفتني جهة الإدارة من أن يكون سبب هذا داء ينتاب الذين ينامون بعد منتصف الليل، علي أن أوقع في دفتر الحضور الذي وزعته على كل العاملين ليدونوا فيه ساعة النوم؛ دفتر مرتبط بالساعة الإلكترونية المثبتة في أيديهم، لا أكتمكم سرا أنني حاولت تعطيلها أكثر من مرة لكنها كانت ماكرة؛ غيرت شفرتها، وفي إحدي المرات أفلحت في تعطيل برمجتها؛ بدأت تستجيب لتوسلاتي؛ أخذت أنام مطلع الفجر، أتسكع في الشوارع الخلفية، أقف عند علب الليل، تتشمم زوحتي ثيابي؛ لديها شك في أنني صرت كائنا آخر. لم تفلح كل المبررات التي جهدت أن أقنعها بها؛ فحين يساور المرأة شك في زوجها تعجز كل الحيل، المرأة بطبيعة الحال تدس أنفسها في كل شيء. في الليلة الماضية داهمني خاطر مثير للسخرية، أن في داخل فمي زائدة تشبه قبضة اليد، في الحقيقة كانت تلك اليد لطفلة لم تتعد العشرة أعوام رأيتها في المقعد المقابل بالسيارة، ظلت تلك الصورة تفزعني في نومي، لعلها سبب تلك الهلاوس؛ أن إصبع إبهامها يكاد يماثل الموزة التي اختزنتها زوحتي في رف من أرفف الثلاجة. أنتظر حتى أنتهي من كتابة ذلك الكلام اليومي الذي أدمنته كل صباح، أدون أحلامي التي تناثرت خيوطها، في مرات سابقة كنت أهب من النوم مذعورا حتى لا أنسى جزءا منها، فالأحلام تذهب سريعا، على أية حال تراكمت لدي أوراق كثيرة، عادتي المفضلة أن أدونها وأنا أرتشف كوب الشاي ومن ثم ألوك الحديث المكرر، طبعا لا جديد فيها، غير أن بها توجع كثير، وفرح قليل، اغتراب يند من ثنايا قصصى، حتى إذا ما انتهيت من صباحي المكرر؛ فالشمس تشق طريقها وسط العتمة، والنهار منشغل بأنين الصغار، ترنو إلي تلك الفتاة التي غازلها القمر ذات ليلة. وعيت من طريق سيري إلى الجامعة قصصا تدور حول العفريت الذي يسكن أعالي شجرة الجميز الرابضة فوق ضفة الترعة والممتدة بجذوعها مسافة تربو على عشرة أمتار،يهولك منظرها في ظلمة الليل ؛كأنما هي امرأة أصيبت بالجنون فتناثر شعرها ،حين أقترب منها أشعر بالجن أستدعي آية الكرسي والمعوذتين،وقد يغيب القرآن ساعة الطلب. وقع تلك الصورة مايزال يلازمني شعر رأسي خطه المشيب بقلمه. وحكايات الجن تلك تلازم ساكني الريف ،لا تبرح مخيلتهم ،فقد تركت في تفكيرهم صورا ومعالم في كل مكان حدثت به فعلة سوء ،هنا غرق ابن فلان فتخرج الجنية كل ليلة تسبح وتفعل فعل الغريق، أو الشيخ الذى يؤدب الجن فيرعى أبناء القرية ،حكايات ألصوفية وكرامات الأولياء كانت معينا لا ينضب في ليالي الشتاء الطويلة، وكثيرا ما قصت الجدة حكاية الجنية التى تقمصت شخصية جارتها ،وأيقظتها منتصف الليل ،فخرجتا لتملآ الجرار ، ثم وجدتها ذات حافر كالماعز ،أو حكاية الهراس ناظر الدلتا الذى غوى امرأة من نساء القرية، أو قصة الصراع على العمودية ،ومجيء الهجانة ؛لتضبط الحياة بالقرية التى كان الثأر يوشك أن يشعل بيوتها نارا،أو حكاية أرض الوسية والعمل فيها بالسخرة ،وحكايات الجد مع أراضي الأوقاف التى نهبت ،لم تعد القرية تنصت للحكواتي.

(0) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment