الهايكو


حين كان الفلاحون اليابانيون يلتقون بعد الفراغ من أعمالهم الشاقة التي استفرغوا فيها يوما أو أسبوعا من مادة القرن الخامس عشر الميلادي، كانوا يلعبون هذه اللعبة الأدبية: أن يؤلف أحدهم بيت شعر رفيع الأسلوب من سبعة عشر مقطعا لغويا، يقسمها على ثلاثة أقسام: خمسة فسبعة فخمسة، مُتَخَابِثًا فيها بجمع ما ينبغي أَلَّا يجتمع أو تفريق ما ينبغي أَنْ يجتمع، متحريًا أن يشير ببعض تلك المقاطع إلى أجواء الفصل الطبيعي الذي يعيشونه عندئذ سماءً وأرضًا وهواءً- ثم يليه غيره، إلى أن تتراكم عشرات الأبيات، فيصطفوا مما ألّفوه مئة بيت فقط، يسمونها “الرِّينْجَا (الرِّينْغَا)”، يتخذونها قصيدة ذلك الفصل، التي تخلده وتخلدهم، ثم تتوالى على عين الخلود الفصولُ والقصائد!

ثم في القرن السابع عشر الميلادي استقل كل شاعر ببيته ذي السبعة عشر مَقْطَعًا في ثلاثة الأقسام، مكتفيًا في قصيدته به وحده، مستنكرا أن يتكثَّر وهو لو وُفِّقَ في عمره كله إلى بيتٍ واحد صادق نافذ لكان خيرا له، ثم سماه “الهَايْكُو”، وعرَّفه بأنه “مَا يَحْدُثُ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ”.

لم يخل هذ التطور الواضح من أثر الثقافة الصينية كما يقول ريو يوتسويا من كتابه “تاريخ الهايكو الياباني”، في ترجمته باشو ماتسويو (1644-1694)، أعظم شعراء الهايكو على الإطلاق: “لقد تأثر بشكل كبير بتشوانغ تسو الفيلسوف الصيني للقرن الرابع قبل الميلاد، وقد وظف نصوصا من كتاب المعلم تشوانغ. لم يعط تشوانغ قيمة كبيرة للذكاء كما أنكر الأسلوبية، واعتبر أن القيمة الحقيقية توجد في الأشياء التي تبدو ظاهريا بلا جدوى، كما اعتبر أننا سنحيا بشكل جيد لو أننا لم نخالف الطبيعة”.

مثَّل ريو يوتسويا فكرتَه بقول باشو –والبُلْشُونُ والتَّدْرُجُ طائران-:

  • “سَنُمَدِّدْ

قَائِمَةَ الْبُلْشُونْ

حِينَ نُضِيفُ إِلَيْهَا قَائِمَةَ التَّدْرُجْ”!

ثم قال: “هذه القصيدة تعارض نصا من كتاب المعلم تشوانغ (عندما نرى شيئا طويلا، لا ينبغي أن نفكر أنه أكبر طولا إذا كان في الواقع طوله طبيعيا، قوائم الحذف قصيرة، لكنه سيصرخ إذا مددناها له بالقوة، قوائم الكركي طويلة، لكنه سيحتج باكيا إذا قطعناها بسكين)، باشو عن عمد تلاعب بفعل تمديد قائمة طائر، الذي سبق أن ألغاه تشوانغ، ليبين العبثية والنفعية. هذا الهايكو يبين بسخرية ضعف الذكاء البشري”.

ومن هَايْكُو باشو:

  • –        “الرَّبِيعُ يَمْضِي

الطُّيُورُ تَصْرُخْ

عُيُونُ سَمَكٍ مُغْرَوْرِقَةٌ بِالدُّمُوعْ”،

  • “تُزْهِرُ الْحِنْطَةْ

دُونَ أَنْ تَسْقُطْ

قَطْرَةُ نَدَى”،

  • –        “هَذِهِ الطَّرِيقْ

لَا أَحَدَ يَجُوبُهَا الْآنْ

عَدَا شَمْسَ الْغُرُوبْ”!

وعلى هديه سار شعراء اليابانيين؛ فتقدموا بالهايكو إلى أن أفردوا له عام 1898 “هوتوتوجيسو (مجلة الهايكو)”، التي حفلت بنتاج منه هائل متنوع، تُرجم منه إلى غير اليابانية في القرن الميلادي العشرين ما وقع موقعا طيبا من كثير من شعراء العالم المتوقِّفين في إطالة القصائد واستكراهها المتطلِّعين إلى خلط أشعارهم بمزاجٍ آخر غير المزاجين الأوربي والأمريكي، وقَلَّدوه متمسكين بمصطلح “الهايكو”، على صعوبة حَذْوِهِمْ حَذْوَهُ أحيانا، ولم يروا عندئذ بالأمر بأسا، من حيث لم يعد أحد يستطيع أن ينكر اشتمال الثقافة الإنسانية العامة على الثقافات القومية الخاصة –مهما كان اختلافها أو تعاديها أو تنافيها- ولا أن يتجاهل أثرَها في رسم ملامحها، الذي يشهد على عدم استغنائها عنها!

فمن جاك كيرواك الأميركي، القائل:

  • “طَوَالَ الْيَوْمِ أَرْتَدِي

قُبَّعَةً لَمْ تَكُنْ

عَلَى رَأْسِي”،

وماريو بينديتي الأوروجوائي، القائل:

  • “أَسْوَأُ مَا فِي الصَّدَى

أَنَّهُ يَقُولْ

الْفَظَاعَاتِ عَيْنَها”،

وخوسي خوان تابلادا المكسيكي، القائل:

  • “قَوْقَعَةُ سَرَطَانِ الْبَحْرِ الصَّغِيرَةْ

غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ عَلَى الشَّاطِئْ

وَوَقْعُ صَدَاهَا يَمْلَأُ الْمَدَى”،

وخوان خوسي دومينشينا الإسباني، القائل:

  • “طَائِرٌ مَيِّتْ

أَيُّ احْتِضَارٍ لِلرِّيشْ

فِي الصَّمْتْ”،

وجيم نورتون الإنجليزي، القائل:

  • “تَمْشِي قُدُمَا

عُشْبُ الرَّبِيعِ خَلْفَكْ

يَمْحُو خَطَوَاتِكْ”،

-…، وغيرهم، تنقل الْهَايْكُو حتى بلغ عز الدين المناصرة العربي الفلسطيني، القائل في ديوانه الأول “يا عنب الخليل”، المنشور عام 1968:

  • “يَا بَابَ دَيْرِنَا السَّمِيكْ

اَلْهَارِبُونَ خَلْفَ صَخْرِكَ السَّمِيكْ

اِفْتَحْ لَنَا نَافِذَةً فِي الرُّوحْ”،

ومحمد الأمير أحمد العربي السوري، القائل في مجلة “نبض الهايكو”:

  • “غُرُوبٌ بَطِيءْ

يَحْمِلُ الْبَحْرُ جِرَاحَهْ

أَخْشَابًا طَافِيَةْ”،

وسامح درويش العربي المغربي، القائل في صفحة “قصيدة هايكو الإلكترونية= https://twitter.com/Sala20018:

  • “بِرْكَةٌ صَافِيَةْ

اَلْعَصَافِيرْ

تُحَلِّقُ فِي الْأَعْمَاقْ”،

-…، وغيرهم!

لقد ضبطت أواخر أسطر تلك الأمثلة كلها على مقتضى الوقف، بما فهمته من أصل تقسيم الشاعر الياباني بيته الواحد على ثلاثة أقسام، حرصا على إحداث الأثر المراد السابق ذكره.

إن إيقاعَ كلِّ شعرٍ مَظهرٌ مكثَّف من إيقاع لغته، ولا ريب في عجز ترجمته وتقليده عن تَوْفِيَتِهِ، إلا أن يتحرى مترجمُه ومقلدُه أن يوازياه بما في لغتهما من إيقاعها الخاص، مثلما فعل سعيد بو كرامي بترجمة هَايْكُو باشو الأول؛ فقد أخرجه من بحر المتدارك الحر:

  • “سَنُمَدِّدْ

فَعِلَاتُنْ

قَائِمَ/ةَ الْبُلْ/شُونْ

فَاعِلُ فَاعِلْ فَاعْ

حِينَ نُ/ضِيفُ إِ/لَيْهَا/ قَائِمَ/ةَ التَّدْرُجْ”!

فَاعِلُ فَاعِلُ فَاعِلْ فَاعِلُ فَالَاتُنْ

ومثلما فعل عز الدين المناصرة في الهَايْكُو السابق؛ فقد أخرجه من بحر الرجز الحر:

  • “يَا بَابَ دَيْ/رِنَا السَّمِيكْ

مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلَانْ

اَلْهَارِبُو/نَ خَلْفَ صَخْ/رِكَ السَّمِيكْ

مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلَانْ

اِفْتَحْ لَنَا/ نَافِذَةً/ فِي الرُّوحْ”،

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَعِلُنْ مُسْتَفْعْ

      ومن معالم إيقاع الهاكو الياباني المتأصلة فيه، انقسامه على ثلاثة أسطر، لا أقل ولا أكثر، وكأنه مظهر آخر من مظاهر تعلق الإنسان بالتثليث ماديًّا ومعنويًّا (أهرام الفراعين، وبيوت اليابانيين، وزخرفات الفنانين، وتصميمات المهندسين، وآراء النحويين، وتقسيمات المتفلسفين، وتجديفات الملحدين…)، يقف مؤديها على أواخرها، فتبدو كأنها ثلاث زفرات متكاملة أو ثلاث مَطَرات أو ثلاث طَرَقات، حرية بكمالها أن تؤثِّر؛ فإن الكمال في الوتر، وأوله الثلاثة!

(1) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment