اللغة، للدكتور محمد زهران


لا تظن أن هذا المقال يتحدث عن تعريب العلوم (فهذا موضوع آخر) ولكنه يتحدث عن اللغة بشكل عام وأهميتها بالنسبة للثقافة العلمية، اللغة هى من أهم أسباب تقدم الجنس البشرى وهيمنته على هذا الكوكب لأن اللغة ساعدت على التراكم المعرفى، الحياة قصيرة والمعارف كثيرة لذلك كان على كل جيل إضافة جزء صغير من المعرفة إلى مجموع المعارف البشرية وهذا لا يتأتى إلا باستخدام اللغة، لذا فنحن ندين للغة بكل التقدم الذى نشهده حولنا.
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=04092016&id=9304aea2-7a98-4ef0-a48e-9ba5f0fcb3d1

نأتى الآن لسؤال مهم: هل تؤثر اللغة على طريقة تفكير الإنسان؟ هذا السؤال كان يطرح نفسه منذ مئات السنين ولكنه بدأ يخضع للدراسات الأكاديمية منذ أربعينيات القرن الماضى والإجابة عليه ليست سهلة وبالتأكيد ليست مجرد نعم أو لا! ولكن دعنا نقول أن اللغة والثقافة وعادات التفكير تؤثر كل منها فى الأخرى فمثلا اللغة التى لا تحتوى على كلمات مثل أمام وخلف ويمين ويسار وتستخدم بدلا منها كلمات مثل شمال وجنوب وشرق وغرب تجبر متكلميها على الدقة فى تحديد الإتجاهات (ولغة كهذه موجودة عند البعض فى غرب أستراليا)، يأتى سؤال آخر مرتبط بمسألة تأثير اللغة على طريقة التفكير: هل نفكر باستخدام اللغة؟ الإجابة هنا هى: تقريبا، نحن نفكر عن طريق اللغة التى نعرفها لذلك أشار مالكوم جلادويل (Malcolm Gladwel) فى كتابه “المتميزون” (أو The Outliers) أن أحد أسباب تقدم الطلاب الصينيين فى الرياضيات هى طريقة اللغة الصينية فى تسمية الأرقام، لكن ليست كل الأفكار تكون عن طريق اللغة بل توجد مشاعر والكثير من الألوان لا توجد كلمات توصفها (وهذا ليس كلام شعراء!).

حيث أن اللغة والثقافة وطريقة التفكير تؤثر كل منها فى الأخرى وجب علينا أن نقوى من أنفسنا فى كل واحدة منها على حدة والفائدة ستتضاعف من تفاعلهم، فى هذا المقال سنركز على موضوع اللغة.

يجب أن نتعلم لغتنا العربية بجدية أكثر مما نجده الأن عند الكثيرين، كلما تحسنت لغتك كلما تحسنت طريقة تفكيرك وطريقة فهمك لما تقرأ وطريقة عرضك لأفكارك، سيأتى معترض ويقول: ولكننا نتكلم بالعامية ويوجد الكثير من الكتب المنشورة الأن بالعامية فما الحاجة إلى اللغة العربية؟ وسيقول: إذا كنت تقصد العلم فلغة العلم الآن هى الإنجليزية فما الحاجة إلى تعلم العربية؟

بالنسبة للسؤال الأول نقول أن أغلب الكتب ما زالت باللغة العربية فإذا ضعفت قدرتك على فهم العربية فستقل فرصك فى الاستفادة من كتب كثيرة أما بالنسبة لعرض أفكارك فأنت تعرضها بالعامية إذا كان عرضها شفهيا فماذا لو كنت تكتب تقريرا لعمل استشارى أو بحثى مطلوب منك؟ لاحظ أن القارئ سيحس بالأخطاء اللغوية حتى وإن لم يكن قوى فى اللغة وهذا الإحساس سيقلل من قيمة تقريرك عنده، هل قرأت المؤلفات العربية لكثير من علمائنا الكبار مثل على مصطفى مشرفة ومحمد كامل حسين وأحمد زكى وميشيل بخوم وغيرهم؟ ستجد لغة عربية قوية وراقية للغاية يتفاعل فيها المحتوى العلمي مع الكلمة فى سيمفونية رائعة.

أما بخصوص أن لغة العلم لم تعد العربية فهذا صحيح لللأسف ولكن المعارف البشرية مكتوبة بلغات كثيرة وأنت لن تعرف كل هذه اللغات وستعتمد على الترجمة التى ستكون باللغة العربية، أنا أتكلم هنا عن الثقافة بعامة لأن أغلب الناس لن تقرأ أبحاثا علمية متخصصة بل ستقرأ ثقافة عامة، لهذا ندين بالكثير لمؤسسات الترجمة مثل المركز القومى للترجمة الذى أحرص على زيارته من حين للآخر لأشترى الكتب المترجمة من لغات لا أعرفها وفى موضوعات تهمنى.

يجب أيضا أن لا ننسي أن اللغة العربية من أقوى اللغات فى العالم كما يقول علماء اللغويات فتعلمها سيؤثر إيجابا على طريقة تفكيرك.

لنا الآن وقفة مع لغة العلم والأبحاث المتخصصة وكلامى هنا لأبنائنا الباحثين الشباب أو من يتطلعون إلى مستقبل فى البحث العلمى أو الأكاديمى.

لغة العلم هى الإنجليزية فإذا كنت تطمح فى مستقبل له علاقة بالبحث العلمى وجب عليك أن تتقن الإنجليزية كتابة وقراءة وفهما وهذا أكثر تعقيدا مما يبدو.

الخطوة الأولى فى تعلم أى لغة هى تعلم قواعدها (grammer)، الخطوة الثانية هى زيادة حصيلتك من كلماتها (vocabulary) لأن الكلمات هى أدواتك فكلما زادت حصيلتك من الكلمات زادت وتنوعت أدواتك وزيادة حصيلتك اللغوية هو أمر مستمر طوال حياتك وليس مجرد فترة وتنتهى، إلى هنا نكون قد فرغنا من الجزء السهل فى تعلم أى لغة!

أصعب شئ هو وضع الجمل المنطقية وتكون فقرات سلسلة وسهلة وجميلة فى ذات الوقت وهذا شئ فى منهى الصعوبة، عندما يكتب الباحث ورقة علمية لمجلة أو مؤتمر فأنها يجب أن تُحَكَم أولا ثم تُقبل أو تُرفض حسب رأى لجنة التحكيم، فأنت فعلية تحاول “بيع” فكرتك للجنة التحكيم حتى تتجاوز ورقتك هذا الحاجز وتصل إلى مرحلة النشر، هذا يستلزم الكتابة بأسلوب راقٍ وسلس ومنطقى فالورقة العلمية المكتوبة بهذه الحرفية تأخذ القارئ فى رحلة علمية فريدة إلى حافة المعرفة البشرية فى فرع ما ثم تشرح له ما وصل إليه العلم فى هذا الجزء وما هى المشكلة أو المشاكل التى يواجهها هذا الفرع من العلوم حتى يكمل مسيرته ثم تشرح الورقة حلا معينا وتحلل النتائج وتضع لبنة صغيرة فى صرح المعرفة البشرية، فأنت عندما تكتب بحثك بهذه البراعة لا تفيد العالم فقط بهذه اللبنة بل تساعد باحثين آخرين على تكملة عملك (فالبحث العلمى عملية مستمرة لا تنتهى) وبهذا تساعد فى تقدم العلم مرتين!

توجد نقطة مهمة جدا يغفل عنها الكثير من الباحثين وخاصة من يخطون خطواتهم الأولى فى الحياة العلمية وهى أن الفكرة أهم من الكتابة ففكرة أو اكتشاف علمى قوى سينشر حتى وإن كان البحث مكتوبا برعونة أو بطريقة سيئة وهذا أبعد ما يكون عن الصواب، فمثلا بحث علمى لأنريكو فيرمى (Enrico Fermi) رُفض من مجلة Nature ثم بعد عدة سنوات كان الأساس فى فوزه بجائزة نوبل، بغض النظر عن هذا المثال الكبير فهناك الكثير من الأفكار الرائعة ترفض لأجل الكتابة، لجنة التحكيم قد لا تقول صراحة أن سبب الرفض هو الكتابة السيئة (وإن كانت تقول ذلك إذا كانت الكتابة سيئة جدا) ولكن الكتابة السيئة ستجعل المحكم فى وضع نفسي يجعله يجد أى شئ فى البحث يكون سببا للرفض والكمال لله وحده. نريد أن نقول إن الكتابة الجيدة تجعل فكرة متوسطة تجد طريقها للنشر ولكن الكتابة السيئة تغلق الباب أمام الأفكار الرائعة!

كتابة بحث علمى ببراعة يستلزم الكثير من التدريب، أول خطوات ذلك هى قراءة الكثير من الأبحاث من المجلات والمؤتمرات المرموقة وملاحظة كيفية التنظيم وتسلسل الأفكار.

بنيامين فرانكلين (Benjamin Franklin) الدبلوماسي والمفكر والمخترع ورجل الدولة الأمريكى والكاتب والخطيب المفوه كان له طريقة ذكية فى تحسين كتابته، كان يقرأ مقالا فإذا أعجبته طريقة الكتابة فى المقال وضعه جانبا وحاول أن يكتب المقال بنفسه دون حفظ ثم يقارن بين ما كتبه وبين المقال الأصلى ليرى أين يمكن أن يحسن أسلوبه ثم يعيد الكرة.. وهكذا!

هل مازلت تعتقد أن تعلم لغتك الأم ولغة أخرى معها (إن أمكن) مجرد إضاعة للوقت؟ أرجو أن تكون الإجابة بالنفى…. لمستقبل أفضل!

(50) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment