راوية المدى العماني


… فسبحان الذي خلق إبراهيم المسكري!

على أوائل خطاه بكلية الهندسة رغب إليّ إبراهيم المسكري أن أضيفه إلى طلاب علم العروض؛ فأوصيت به المسؤول عن التسجيل، ولكنه شكا صعوبة الأمر؛ فوجهته إلى عميد كلية الآداب نفسه. ثم لما لقيته بعد أن نجحت محاولته وانضاف اسمه إلى سجلّ طلاب علم العروض لربيع ١٤٣٨=٢٠١٧، ذكر لي أن العميد دافعه عن قبول محاولته، بأنه سيأتيه بعدئذ ليطالبه بالتحويل من الهندسة إلى الآداب كما فعل غيره؛ فطمأنه أنْ لن يفعل!
شاب صغير الجسم كبير العقل، سريع النطق يدخل كلامه من سرعته بعضه في بعض؛ فيضطرك أحيانا إلى استعادته، أحد مُحدَثي تلامذة الشيخ حمود الصوافي المعلم الرباني الذي صارت التلمذة له شعار النجابة، جرّب الشعر حتى جعله في توسله إلى المقرر؛ فوصل.
لم أكن أطمئن إلى المحاضرة حتى أراه في مجلسه من الصف الأول، ولا إلى لطافة ما أقول حتى أنظر إليه فأرى ابتسامته المشرقة في سمرة ملامحه المورقة، ولا أنفتل من المحاضرة حتى أجده على الباب مثلما كان ابن المستنير لسيبويه وسيبويه للخليل وغيرهما لغيرهما، يتحبّب إليّ بالأسئلة التي لا يسألها غيره، سؤالَ المخلص الطموح المجتهد المتطلع إلى توظيف مقالات المهندسين في خدمة مقالات العروضيين، يقصّ علي مما عرض له وعثر عليه، وأقص، حتى نبلغ مسجد الجامعة، حيث ندرك صلاة الظهر التي توسّطت المحاضرة.
مرة حدثت الطلاب وهو فيهم، بحديث راوية المتنبي ( http://mogasaqr.com/?p=12413)؛ فاقترح أحد زملائه أن أنافس الآن بينهم هم في حفظ قصائد ملف “علمني عروض الشعر (http://mogasaqr.com/?p=10324)”، مثلما نافست منذ تسع سنوات بين تلامذتي بالفرقة الثالثة من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، في حفظ قصائد كتابي “ظاهرة التوافق العروضي الصرفي”، فقبلت اقتراحه، وظللتُ أذكرهم الاجتهاد في ذلك، ثم جعلت الموعد بعقب اختبار المنتهى ١٣/٥/٢٠١٧، أي اليوم!
جهزتُ في الجائزة كل ما لديّ من كتبي الورقية والرقمية، وختمتها بخاتمي، ونبهتُ الطلاب على ذلك أولَ الاختبار، ثم عدت من بعده إلى مكتبي أنتظرهم مثلما فعلت منذ تسع سنوات؛ فلم يأتني غير إبراهيم المسكري طالب الهندسة!
تفردتَ -يا إبراهيم- وكلُّ مُجْرٍ في الخلاء مسرور!
أتقدر؟
نعم!
ما أجرأك!
ثم ذهبتُ أطوِّح به كلَّ فج من فجاج القصائد، متقدما ومتأخرا وصاعدا وهابطا، وهو صمود قدير، حتى أمسكتُ عليه خطأ نسيان؛ فضربت به مكتبي؛ فانتبه من فوره قبلي؛ فذكر ما أفلتَه، واستحق الجائزة، تحيةَ تقدير، ومحبةَ توفيق؛
فسبحان الذي خلق إبراهيم المسكري!

(545) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment