عيونك هي التي تراني جميلة، لشيمة الحسن


إِنِّي أَخَافُ عَلَى الجَمَالِ أَلَّا يَظَلَّ جَميلًا إِنْ وَصَفْتَني بِهِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَى الجَمَالِ أَنْ يَفْقِدَ جَمَالَهُ إِنْ نَادَيْتَني بِهِ.

وتَنْعَتُنِي يَا أَبِي بِالجَمَالِ، وَتَقُولُ لِي يَا جَمِيلة، وَتُكَرِّرُهَا عَلَيَّ!
حَتَّى سَأَلْتُ نَفْسِي: وَمَنْ أَكُون أَنَا حَتَّى تَرَانِي جَمِيلةً؟ وَأَي جَمَالٍ رَأَيْتَهُ فِي حَتَّى أَصِيرَ جَمِيلَةً؟
فَإِذَا قَصَدْتَ الشَّكْلَ فَلَسْتُ أَنَا مِنَ الجَمَالِ فِي شَيْءٍ؛ فَأَنَا صَاحِبَةُ الجِسْمِ الهَزيلِ وَالظِلّ الثَّقيلِ والوَجْهِ المُتْعَبِ الحَزينِ، أَمْشِي وَلَا أَكَادُ أُرَى أَتَكَلَّمُ وَلَا أَكَادُ أُسْمَع!
أَرَأَيْتَ جَميلَةً تَرْتَدِي مَلابِسَ مُهَلْهَلَةً مِثْلِي، وَتَحْمِلُ حَقيبَةً مُمَزَّقَةً على كَتِفِهَا الذي انْحَنَى مِنْ ثِقَلِ ما بِها مِنْ أَحْمالٍ وَكَادَ أَنْ يَميلَ بِهَا!
وإَذا قَصَدْتَ الصِّغَرَ فَقدْ مَضَى عَهْدُهُ وَوَلَّى؛ فَقَدْ ظَهَرَ الشِّيْبُ فِي رَأْسِى وَأَرَاهُ يَشْتَعِلُ بِدَاخِلِهَا، حَتَّى وَجْهِي لَمْ يعد يَبدُ كَمَا عَرَفْتَني في صِغَرِي، هَلْ لاحَظْتَ عَلى عَيْنِي مَا بِهَا مِنْ حُزْنٍ، هَلْ رَأَيْتَ ما بجِسْمِي مِن ضَعْفٍ، هَلْ بَدَا لَكَ كِبَرُ وَجْهِي كَمَا أَرَاهُ أنا؟

وَإذا قَصَدْتَ الحَسَبَ فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّنِي فَقيرَةٌ، لَيْسَ بَيْني وَبَيْنَ الغِنَى صِلَة أَوْ نَسَب، أَجْرِي وَرَاءَ جُنَيْهَاتٍ مَعْدودةٍ لآكلَ وأَشْرَبَ وَأَتَعلَّمَ مِنْهَا!
وَإِذَا قَصَدْتَ العِلْمَ فَأَنا عائِمةٌ فيهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَويلٍ، أَعومُ فيهِ وَلَا أَجِدُ شَاطِئًا أَرْتَاحُ إليه، آهٍ يا أبي أَنَا لا أُجيدُ العَوْمَ أَصْلًا كَيْ أَرْسُو وَأَسْتَقِرَّ.
وَإِذَا قَصَدْتَ السُّمْعَةَ فَأَنَا المَغْمورةُ بَيْنَ المَسْموعينَ، لا يَعْرِفُنِي أَحَدٌ سِوَاكَ يا أَبي، وَلا يُحَفِّزُنِي إِلَى النَّجَاحِ غَيْرُكَ يا أَبي.
فَمِنْ أَيْنَ أَتَى لِي الجَمَالُ إِذَن، وَمَنْ أَكون حَتَّى أُنادِيكَ بِيَا أَبِي؟ وَمَنْ أَكون حَتَّى أَكونَ جَميلةً؟
إِنِّي أَخَافُ عَلَى الجَمَالِ أَلَّا يَظَلَّ جَميلًا إِنْ وَصَفْتَني بِهِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَى الجَمَالِ أَنْ يَفْقِدَ جَمَالَهُ إِنْ نَادَيْتَني بِهِ.
يَا أَبي عُيُونُكَ هِيَ التِي تَرَاني جَميلةً لِأَنَّكَ لا تَرَى إِلَّا الجَميلَ؛ فَلَا تَتْرُكْنِي يَا أَبِي حَتَّى أَظَلَّ جَميلَة، وَأَنا أَعِدُكَ أَنْ أَفْعَل كُلَّ جَميلٍ لِكَيْ تَرَانِي جَميلةً!

(493) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment