حلب للسيد شعبان جادو


أيها المتعجلون خرابا دعوا القاهرة عامرة،دعوها تلملم جراحها،وهل من الحكمة أن تحترق مرتين.

الساعة الثانية من اليوم الثالث عشر من ديسمبر في العقد الثاني من المائة الأولى من الألفية الثالثة،ولأنه قادم من غياهب التاريخ،ليس من بعيد تماما ،إنه قد سلم لتوه مفاتيح غرناطة،لقد حمل كل أوزار آبائه وأعمامه،لقد زفر هناك حيث وجد بقايا سفن طارق،لا يهم فبنو الأحمر ما يزالون يمضغون القات،يتدثرون بتلك السيوف والخناجر،وفي المساء تتراقص النسوة ولعا بتلك الثياب المخملية،وحين ذاك يحلو النسيان،وتبلغ حميا الصهباء منتهاها،البعض سيقول ليتك ما سردت ،بل وهل أملك غير الأنين،فرديناندو ضاجع كل بني الأحمر،تلك ثمالة رأي،لا تلزمني أن أتحلى بالوقار،ها قد استبانت الوقاحة علانية دون مواربة، أمرني أن أمحو ما خطت يميني،امتنعت فلقد تملكني النزق ،وأوجعني الحرق،دعني أمزق ثيابي،سأمشي في الطرقات عاريا،لقد جننت،هذا منتهى حالي،أترى ذلك السر مما يمكن كتمانه،لقد رأيت إيزابيلا هنا في كل الحارات والأزقة،تبيع الهوى،وتختال ميسا وقدا،ربما لم تعتد على هذه اللغة،ولربما الآلام أفاقتني،كنت تخدرني بالنكبة العربية الكبرى،تعللني بسعد وطارق،وها أنا اليوم وجدت كل ذلك سرابا،لقد شاهدت فرديناندو يرتدي عمامته الحمراء ،يمتطي صهوة جواد عربي أصيل،الخيول هنا ضامرات عجاف،ولكن خيله مزينات فاتنات،لا تسمعني غير أهازيج الطرب،لقد مللت من حديثك المغالي في كرامات لا تجد من يتوضأ لها،بالفعل هذا كان حديثي الليلة في رؤيا وجدت أثرها في نفسي،ولأنني درعمي ،فتاريخ الأندلس حاضر في ذهني،قم يا صلاح الدين ،وما دريت بالمحنة التى تضرب مقامك،امتط صهوة جوادك،ريتشارد على أبواب القدس يراقص فرجينيا،يا للفاجعة،ما عاد غير مدن الملح أستطعم ماءها الأجاج،ماذا أقول ؟ولقد رأيتهما معا،يتخادنان في وضح النهار وقد تراقصت أمامهما نار كسرى،لعنة الله تنزلت،الأماني منك نار يا قيصر ،إنه إيفان الرهيب،لقد شاهدته هنا يوزع هدايا عيد الميلاد،تقرع أجراس آيا صوفيا فرحا،تتنادى البيع صلوات في محفل حيي،أبرهة أدرك ثأرك،ما عاد هنا عبد المطلب،أعلم أنني أهذي،وهل أجدى علي عقلي نفعا؟
أنا مصاب في كبدي،نعم وعلتي لا شك قاتلتي،واليوم فقط أحببت أن ألهو،أن أستحضر كل النوائب ومن ثم أبصق عليها،كرهت أن أتجمل بثياب العيد،حين أبصرت ابن عباد يلطمني أدركت كم كنت حقيرا،ليتني أنفذت تلك النصال في كبدي المقرحة،ولقد هممت أن أسب سيف الدولة ،وهل عادت لحلب دولة؟
أن أهجو المتنبي،فلقد خدعني بسيفياته،الجنون هو أسلم طريق للحياة،دعوني أهتف في الحارة أن الأندلس تتكرر،وقرطبة ما بكتها،ولا القدس آزرتها،مدن المحميات عار وخيانة،وهل تطلبون منا نحن المتخمون بالمرارة أن ندافع وحدنا،لعنة الله عليكم يا من ضاجعتم الخطيئة!
الكلمات التى أتصبر بها الآن مثلي والهة حيرى، قدرنا أن نقتات الهزيمة،أن نتبادل كؤوس الخمر حتى الثمالة،نعم ما بالكأس غير دمائنا،لم تبق غير أمتار مرهونة في سوق النخاسة،يقامرون به علانية دون مواربة،أيها المتعجلون خرابا دعوا القاهرة عامرة،دعوها تلملم جراحها،وهل من الحكمة أن تحترق مرتين.

(419) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment