اللهم، بالقرصين!


عزمت الخميس 6/2/2015 على معتز وبراء إلا ما سافرا معي إلى طملاي؛ فاعتذر براء بعمل جامعي؛ فصحبناه إليه، ومكثنا نشرب الشاي بجامعة القاهرة ونعجب حتى أنجز عمله، ثم ركبنا إلى المظلات فعبود حيث وجدنا سيارات منوف على خير مما ظن معتز.
في منوف استأجرنا سائقا إلى مقابر طملاي لنزور أبانا وأهلنا وأحباءنا السابقين، عفا الله عنا وعنهم في الصالحين! سلمنا عليهم، ودعونا لهم، وقرأنا من كلام الحق -سبحانه، وتعالى!- وكنت أصافح القبر بيميني مثلما كنت أصافح صاحبه؛ عسى الله أن يصفح عني وعنه! وأفلتت من براء كلمة في استيحاش المكان؛ فدعوته إلى إيناسه بالعمل الصالح!
ثم ذهبنا إلى ثلاث عماتي اللواتي بطملاي واحدة واحدة، فجالسناهن وأهليهن، وأكلنا عندهن، وشربنا، وصلينا حتى أدركنا الوقت؛ فأقبلنا نبادره عن منقطعه ويبادرنا! وطال وقوفنا وما من سيارة تعيدنا إلى منوف حتى تجرأ علينا الندم؛ فقلت لصاحبي: تريدان سيارة؟ قالا: نعم! وكنت قد رأيت بناحية من أسفل الطريق رجلا أشعث متجمعا من البرد في ثوب مفرد هلهل، فقلت لهما: اشتريا لهذا الرجل شيئا يأكله! فخف معتز من فوره إلى دكان قريب، ثم عاد قائلا: لم أجد فيه غير هذين القرصين.
أخذت القرصين، وذهبت أتقرب إلى الرجل، وأتودد وهو بين ابتسام والتفات حتى رضي أن يمسكهما، فألححت عليه أن يأكل منهما؛ فقضم من أحدهما، ثم نحاه عنه؛ فألححت عليه، فدفعهما عنه، ثم أمسك بهما يريد أن يلقيهما خلفه؛ فأدركتهما، وتلطفت به؛ فقضم من الآخر قضمة، واكتفى. وكان يلوك ما قضم لوك مستغرب مستثقل، ولكنه بقي ينظر إلي مبتسما ويلتفت عني فينظر ويلتفت دواليك، وأنا شديد الإشفاق عليه والحنين إليه!
وقف صاحباي ينتظران أجر المعروف ولا يجدانه! وأخذنا في أخبار صنائع المعروف التي تقي مصارع السوء وليس أسوأ عندنا حيرة وعجزا من انتظارنا هذا الطويل القارس؛ فتوقف فيها براء بخبر صاحبه الذي دخل المسجد ليصلي فسرق حذاؤه؛ فذكرت له أن المراد إنما هو أعمال خدمة الناس والإحسان إليهم!
توالت السيارات غير عابئة بنا حتى تمازح صاحباي باسترداد القرصين من الرجل؛ فوقفت بإزائهما سيارة ما شاءا من سيارة، فقفز براء إلى جوار السائق، وركبت أنا ومعتز خلفه، ولم ألبث أن ناديته من خلف: براء، كيف وجدت القرصين! فقال: سبقتني!
في منوف ذهبنا إلى عمنا ثم أخينا اللذين بها، فجالسناهما، وائتنسنا بهما واحدا واحدا، ثم إلى أصهار معتز الذين احتفوا بنا وبالغوا في إكرامنا وأنكروا علينا عزمنا بعدئذ على الإياب إلى القاهرة حتى ارتاب صاحباي في سياراتها؛ فأبيت إلا السفر حرصا على بركة الغد من أوله في أسرتي؛ فإذا سيارتان متاحتان لا واحدة؛ فقلت لصاحبي: كيف وجدتما القرصين! وربما كان بهما تيسير ما كان قبلهما؛ فهذا توفيق من لا زمان عنده ولا مكان، سبحانه، وتعالى! وأوصيتهما كلما صنعا من مثل ذلك المعروف الخالص أن يدعوا به الحق -سبحانه، وتعالى!- من وقتهما، إلى ما يشاءان قائلين: اللهم، به افعل لنا كذا وكذا وكذا…، موقنين من أنه سيفعل؛ فإنه يفعل، سبحانه، وتعالى!

(469) المشاهدات


موضوعات ذات صلة

Leave a Comment